الخميس، 5 نوفمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

غلاء التذاكر يعزل مدن السودان.. السفر لمن استطاع إليه سبيلاً !!

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

غلاء التذاكر يعزل مدن السودان.. السفر لمن استطاع إليه سبيلاً !!
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 03

5 نوفمبر 2026

لم يعد السفر بين المدن السودانية مجرد رحلة يحددها طول الطريق أو عدد ساعات الانتظار، بل تحول إلى عبء اقتصادي متزايد يحرم قطاعات واسعة من المواطنين حق التنقل، بعدما قفزت أسعار تذاكر الحافلات والبصات السفرية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع أعداد المركبات العاملة على الطرق. وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده وشتت ملايين الأسر بين الولايات ومناطق النزوح واللجوء، باتت زيارة الأهل أو الوصول إلى المستشفى أو الالتحاق بالجامعة رحلة تحتاج إلى ميزانية قد لا تتوافر لدى كثيرين.

وتكشف التطورات الأخيرة في قطاع النقل البري عن أزمة تتجاوز الزيادة المعتادة في تكاليف السفر، لتطرح تساؤلات بشأن قدرة المواطنين على الحركة داخل بلد تتسع فيه المسافات الاجتماعية والاقتصادية بفعل الحرب وتدهور الخدمات وتراجع الدخول.

زيادة جديدة تثقل كاهل المسافرين

وأظهرت بيانات نقلتها تقارير صحفية في الثالث من نوفمبر الجاري أن أسعار تذاكر السفر بين المدن شهدت ارتفاعاً جديداً، وسط شكاوى من المواطنين بشأن صعوبة تحمل النفقات المتزايدة. ونقلت قناة الجزيرة عن طالب جامعي أن تكلفة رحلته إلى مدينة المناقل ارتفعت من 70 ألف جنيه سوداني إلى 95 ألف جنيه خلال أسبوع واحد، بزيادة تقارب 36%، وهو ارتفاع يوضح سرعة انتقال الضغوط التشغيلية إلى جيوب المسافرين.

ولا تقف المشكلة عند هذه الرحلة، إذ أعلنت غرف النقل في أكتوبر الماضي زيادة تعريفة السفر بين الولايات بنسبة 40% للبصات السفرية و30% للحافلات، اعتباراً من 17 أكتوبر، وعزت القرار إلى ارتفاع تكاليف الوقود والإطارات والبطاريات وقطع الغيار.

وبحسب الأسعار التي أوردتها التقارير، بلغت تذكرة السفر من بورتسودان إلى الخرطوم 245 ألف جنيه، عبر هيا وعطبرة وشندي، فيما وصلت تكلفة الرحلة من بورتسودان إلى عطبرة إلى 168 ألف جنيه، وإلى كسلا إلى 192 ألف جنيه.

وتعني هذه الأرقام أن التنقل بين الولايات أصبح يستنزف جزءاً كبيراً من ميزانيات الأسر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعائلة تحتاج إلى السفر مجتمعة، أو طالب يضطر إلى التنقل بصورة متكررة، أو مريض يحتاج إلى مراجعة مستشفى خارج مكان إقامته.

الوقود يقلص حركة الحافلات

ويرتبط ارتفاع التذاكر بصورة مباشرة بتزايد تكاليف تشغيل المركبات، وفي مقدمتها الوقود والصيانة والإطارات وقطع الغيار، وهي مدخلات تأثرت بدورها بالاضطرابات الاقتصادية وتراجع قيمة العملة المحلية.

وتشير إفادات نقلتها الجزيرة من الميناء البري في الخرطوم إلى تقلص أعداد الحافلات العاملة على بعض الخطوط بصورة كبيرة؛ إذ ذكر أحد السائقين أن عدد الحافلات التي كانت تتحرك سابقاً، والمقدر بنحو 100 إلى 150 حافلة، انخفض إلى أقل من 30 حافلة.

ويعكس هذا التراجع أزمة مزدوجة؛ فالمواطن يواجه ارتفاع سعر المقعد، وفي الوقت نفسه تتقلص الخيارات المتاحة أمامه، الأمر الذي يزيد الضغط على المركبات العاملة ويجعل الحصول على رحلة مناسبة أكثر صعوبة.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات. فقد أشار الخبير الاقتصادي محمد الناير، في حديث لقناة الجزيرة، إلى أن أسعار البنزين ارتفعت بما لا يقل عن 30%، إلى جانب زيادة أسعار الجازولين، محذراً من أن انعكاسات هذه الزيادات لن تقتصر على قطاع النقل، بل ستمتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية وأسعار السلع والخدمات.

وتكمن خطورة الوضع في أن الوقود يمثل عنصراً أساسياً في تكلفة نقل الركاب والبضائع معاً، وبالتالي فإن ارتفاعه ينعكس على أسعار التذاكر من جهة، وعلى تكلفة وصول المنتجات الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى الأسواق من جهة أخرى. وبذلك يجد المواطن نفسه أمام حلقة متصلة من الغلاء، تبدأ من محطة الوقود وتنتهي عند الأسواق ومواقف السفر.

الحرب حولت التنقل إلى معاناة إضافية

أضافت الحرب السودانية منذ أبريل 2023 أعباء استثنائية على حركة النقل بين المدن والولايات. فقد أدت العمليات العسكرية وتضرر البنية التحتية واضطراب الطرق في مناطق متعددة إلى تغيير مسارات الحركة التجارية والسكانية، وفرضت على المسافرين والشركات حسابات جديدة تتعلق بالسلامة والمسافة وتكاليف التشغيل.

كما أدى النزوح الواسع إلى تغيير خريطة الاحتياجات السكانية؛ إذ أصبح ملايين السودانيين يعيشون بعيداً عن مناطقهم الأصلية، بينما توزعت الأسر بين مدن مختلفة داخل البلاد وخارجها. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السفر مجرد نشاط اختياري، بل أصبح ضرورة إنسانية واجتماعية واقتصادية.

فالمريض الذي يحتاج إلى العلاج في مدينة أخرى لا يستطيع تأجيل رحلته بسهولة، والطالب الذي يدرس بعيداً عن أسرته يحتاج إلى توفير تكلفة الانتقال بصورة متكررة، كما أن الأسر التي فرقتها الحرب تواجه صعوبة متزايدة في الاجتماع، حتى في المناسبات العائلية والظروف الطارئة.

وتزداد قسوة الأزمة بالنسبة إلى أصحاب الدخول المحدودة والعمال الذين يعتمدون على الحركة بين المدن بحثاً عن فرص العمل، إذ يمكن أن تتحول تكلفة الانتقال نفسها إلى حاجز يمنعهم من الوصول إلى فرص اقتصادية متاحة خارج مناطق إقامتهم.

الطيران ليس بديلاً متاحاً للجميع

ومع تراجع خيارات النقل البري وارتفاع تكاليفه، لا يمثل النقل الجوي حلاً واقعياً لمعظم المواطنين، إذ شهدت تذاكر الرحلات الداخلية بدورها زيادات متتالية خلال العام الجاري.

ففي سبتمبر الماضي، رفعت شركتا بدر للطيران وتاركو للطيران أسعار التذاكر بنسبة 10%، وشملت الزيادة الرحلات الداخلية والإقليمية والدولية، وسط ضغوط مرتبطة بتكاليف التشغيل وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

وهكذا يجد المسافر نفسه أمام خيارات محدودة: دفع تكلفة مرتفعة للنقل البري، أو تحمل أسعار أعلى للسفر الجوي، أو تأجيل الرحلة إلى أجل غير معلوم.

وتشير هذه الصورة إلى أن أزمة النقل لم تعد مرتبطة بوسيلة سفر واحدة، بل أصبحت جزءاً من أزمة أوسع في القدرة الشرائية وتراجع الخدمات الأساسية، حيث تتآكل قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات والأسواق وفرص العمل.

غياب البدائل يزيد الأزمة تعقيداً

ومن بين المشكلات الهيكلية التي تزيد صعوبة الوضع تراجع دور السكك الحديدية بوصفها وسيلة نقل جماعي يمكن أن توفر بديلاً أقل تكلفة مقارنة بالنقل البري الخاص.

وأشار الخبير الاقتصادي محمد الناير إلى أن إعادة تنشيط السكك الحديدية يمكن أن تخفف الضغط على الحافلات وتوفر للمواطنين خيارات انتقال بأسعار تفضيلية، لكنه اعتبر أن هذا المسار يحتاج إلى وقت وإعادة تأهيل للبنية التشغيلية.

وفي المقابل، دعا إلى إجراءات عاجلة تشمل تخفيض الرسوم والضرائب المفروضة على المشتقات النفطية، والتوصل إلى تفاهمات مع شركات استيراد الوقود لخفض الأسعار وهوامش الأرباح بصورة مؤقتة، إلى جانب التنسيق بين الحكومة وغرف النقل لمعالجة ارتفاع تكاليف التشغيل.

وتحتاج معالجة الأزمة كذلك إلى مراجعة الرسوم والجبايات المفروضة على المركبات في الطرق القومية، وتعزيز الرقابة على التعريفات المعلنة، وضمان عدم تحول الزيادات التشغيلية إلى مبرر لفرض أسعار غير منضبطة على المسافرين.

كما أن استعادة كفاءة النقل العام لا ينبغي أن تقتصر على توفير الوقود أو زيادة عدد الحافلات، بل يجب أن ترتبط بخطة أوسع لإصلاح الطرق وتأمين المسارات وإعادة تأهيل محطات النقل وتوفير قطع الغيار.

أزمة تتجاوز سعر التذكرة

إن خطورة ارتفاع أسعار السفر في السودان لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما في النتائج الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تترتب عليها. فحين يصبح الوصول إلى مدينة مجاورة مكلفاً إلى هذا الحد، تتراجع حركة المواطنين والتجارة والعمل، وتزداد عزلة المجتمعات التي تعاني أصلاً من آثار الحرب وضعف الخدمات.

والأكثر إثارة للقلق أن استمرار هذه الأوضاع قد يوسع الفجوة بين المواطنين القادرين على تحمل تكاليف السفر وأولئك الذين لا يملكون سوى تأجيل احتياجاتهم. وفي هذه الحالة، لا تعود القدرة على التنقل مرتبطة بالحاجة الفعلية أو الضرورة الإنسانية، وإنما بالقدرة المالية وحدها.

وتتحمل الحكومة مسؤولية التعامل مع هذه الأزمة باعتبارها قضية تمس حياة المواطنين واستقرار الأسواق والتماسك الاجتماعي، وليس مجرد خلاف بين شركات النقل والمسافرين حول التعريفة. كما أن استمرار ارتفاع الوقود وتكاليف التشغيل دون تدخلات تخفف أثرها سيجعل قطاع النقل أكثر هشاشة، ويهدد بتراجع إضافي في الخدمات المتاحة.

فالسودان الذي يحتاج اليوم إلى إعادة وصل مدنه وأسواقه ومجتمعاته، لا يحتمل أن تتحول طرقه إلى مسافات مفتوحة أمام القادرين فقط، بينما يُترك أصحاب الدخول المحدودة خلف حواجز الأسعار.

إن عودة الحياة إلى المدن السودانية لا تبدأ بإعادة فتح الطرق وحدها، بل بضمان قدرة المواطنين على استخدامها. فالسفر حق يرتبط بالعمل والتعليم والعلاج وصلة الرحم، وليس امتيازاً لمن يستطيع دفع ثمنه.

محررو لقطة AI

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً