محررو لقطة AI – 13
لقطة AI
5 نوفمبر 2026
دخلت العلاقات السودانية الإثيوبية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما انتقل الخلاف بين البلدين من تبادل الاتهامات السياسية والأمنية إلى إجراءات دبلوماسية متبادلة شملت طرد موظفين قنصليين وإغلاق القنصلية السودانية في مدينة أصوصا الإثيوبية، في تطور يثير مخاوف من اتساع تداعيات الحرب السودانية إلى منطقة القرن الأفريقي.
وتأتي هذه التطورات وسط اتهامات سودانية لأديس أبابا بالسماح باستخدام أراضيها منصة لانطلاق هجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت داخل السودان، مقابل اتهامات إثيوبية للخرطوم بمساندة جماعات مسلحة معارضة للحكومة الفيدرالية، وهي اتهامات ينفيها الطرفان.
وفاقمت الإجراءات الأخيرة أزمة الثقة بين الجارتين، خصوصاً أن البلدين يرتبطان بحدود طويلة ومصالح أمنية وتجارية ومائية تجعل أي تدهور في العلاقات ذا تأثير يتجاوز المجال الدبلوماسي.
إغلاق قنصلية أصوصا وطرد ستة موظفين سودانيين
بدأت أحدث حلقات التصعيد عندما أبلغت السلطات الإثيوبية السفير السوداني بقرار إغلاق القنصلية السودانية في مدينة أصوصا، عاصمة إقليم بني شنقول، واعتبار ستة من العاملين فيها أشخاصاً غير مرغوب فيهم، مع منحهم مهلة 48 ساعة لمغادرة الأراضي الإثيوبية.
وبحسب المعلومات التي نقلتها وكالة أسوشيتد برس، غادر الموظفون الستة إثيوبيا مساء الثلاثاء 3 نوفمبر، بعد إبلاغ الجانب السوداني بالقرار.
ولم تقدم الحكومة الإثيوبية تفسيراً علنياً مفصلاً لأسباب إغلاق القنصلية أو طرد الموظفين، الأمر الذي ترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات تربط الخطوة بتصاعد الخلافات الأمنية والسياسية بين البلدين.
وردت الخرطوم بإجراء دبلوماسي مماثل، تمثل في قرار طرد دبلوماسيين إثيوبيين، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عن مسؤولين سودانيين، في خطوة تعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة تبادل الإجراءات العقابية بين العاصمتين.
ولا يعني إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا بالضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل، لكنه يمثل تراجعاً واضحاً في مستوى التمثيل القنصلي ويزيد صعوبة التواصل الرسمي في منطقة حدودية حساسة.
اتهامات المسيّرات تقف وراء تفاقم الأزمة
ترتبط التطورات الدبلوماسية بتصاعد الاتهامات السودانية لإثيوبيا بشأن الحرب الدائرة في السودان، إذ اتهمت الخرطوم أديس أبابا بالسماح لقوات الدعم السريع باستخدام الأراضي الإثيوبية في شن هجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع ومنشآت داخل السودان.
وكان مجلس السيادة الانتقالي السوداني قد أعلن توثيق عشرات الهجمات التي قال إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية، وتحدث عن استخدام مسيّرات هجومية في استهداف مواقع سودانية، مع سقوط قتلى وجرحى من المدنيين.
كما أعلنت الخرطوم تقديم شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، مطالبة بالتحقيق في ما وصفته بانتهاكات إثيوبية للأراضي والسيادة السودانية.
وتكتسب هذه الاتهامات خطورة إضافية بسبب طبيعة الأهداف التي تقول السلطات السودانية إنها تعرضت للهجمات، بما يشمل منشآت مدنية وخدمية، الأمر الذي يرفع مستوى الأزمة من خلاف سياسي إلى ملف يتصل بالأمن الوطني وحماية البنية التحتية.
في المقابل، تنفي إثيوبيا دعم قوات الدعم السريع، وتتهم السودان بمساندة جماعات مسلحة مرتبطة بجبهة تحرير تيغراي، وتسهيل تحركاتها على الحدود الغربية الإثيوبية. كما تنفي الخرطوم هذه الاتهامات.
وبذلك يجد البلدان نفسيهما أمام روايتين متعارضتين بشأن التدخل في الصراعات الداخلية، دون وجود تسوية سياسية أو آلية مشتركة معلنة لمعالجة الاتهامات المتبادلة.
القرن الأفريقي أمام معادلة أمنية معقدة
لا يمكن فصل التصعيد السوداني الإثيوبي عن التوترات الأوسع التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، حيث تتداخل النزاعات الداخلية والخلافات الحدودية والتنافس على النفوذ والتحالفات الإقليمية.
فإثيوبيا تواجه تحديات أمنية داخلية متعددة، خصوصاً في أقاليم أمهرة وأورومو وتيغراي، بينما يخوض السودان حرباً مستمرة منذ أبريل 2023 استنزفت مؤسسات الدولة وأضعفت قدراته الاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا السياق، يثير انتقال الخلافات إلى إجراءات دبلوماسية متبادلة مخاوف من تشابك الأزمات، خصوصاً مع وجود أطراف إقليمية متعددة لها مصالح مباشرة في مستقبل السودان والتوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
كما أن موقع إقليم بني شنقول يضيف أهمية استراتيجية إلى الأزمة، نظراً لقربه من الحدود السودانية وارتباطه بملف سد النهضة، الذي يمثل أحد أبرز ملفات الخلاف المائي والسياسي بين دول حوض النيل.
وتعني هذه المعطيات أن أي تدهور إضافي في العلاقات قد يؤثر على التعاون الحدودي والتبادل التجاري وحركة السكان، فضلاً عن احتمالات زيادة الاحتكاكات الأمنية في المناطق المتاخمة للحدود.
هل يتجه البلدان إلى مواجهة مباشرة؟
رغم حدة التصعيد، لا تعني الإجراءات الدبلوماسية بالضرورة أن البلدين يتجهان إلى حرب مفتوحة. فالمواجهة العسكرية تحمل تكاليف كبيرة للطرفين، في ظل انشغال الجيش السوداني بجبهات القتال الداخلية، ومواجهة إثيوبيا تحديات أمنية متعددة داخل أراضيها وعلى حدودها.
لكن الخطر يكمن في احتمال انتقال الاتهامات المتبادلة إلى احتكاكات ميدانية، خصوصاً إذا استمرت الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تتحدث عنها الخرطوم، أو توسعت التحركات المسلحة بالقرب من الحدود المشتركة.
ومن شأن استمرار التوتر أن يضعف فرص التنسيق الأمني، ويزيد صعوبة معالجة الملفات الحدودية، ويمنح أطرافاً أخرى فرصة للتأثير في مسار الأزمة.
مصر وسد النهضة في خلفية المشهد
تتزامن الأزمة مع تحركات مصرية سودانية لتعزيز التنسيق السياسي والأمني، في ظل استمرار الخلاف حول سد النهضة والاتهامات السودانية لإثيوبيا بالتدخل في الحرب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن أي تدهور في العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا قد ينعكس على التوازنات الإقليمية المرتبطة بأمن النيل والحدود والتعاون بين دول المنطقة.
كما أن وجود اتفاقية دفاع مشترك بين السودان ومصر، والتأكيد المصري المتكرر على دعم أمن السودان وسيادته، يضيفان بعداً إقليمياً إلى حسابات التصعيد، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة دخول القاهرة في مواجهة عسكرية.
أزمة تتجاوز طرد الدبلوماسيين
تكشف الأزمة الحالية أن العلاقات السودانية الإثيوبية لم تعد تواجه خلافاً دبلوماسياً عابراً، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بتداعيات الحرب السودانية والصراعات الداخلية الإثيوبية والتنافس الإقليمي في القرن الأفريقي.
والسؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة ليس عدد الدبلوماسيين الذين سيغادرون البلدين، وإنما ما إذا كانت الخرطوم وأديس أبابا ستتمكنان من احتواء المواجهة السياسية والأمنية، أم أن تبادل الاتهامات والإجراءات الدبلوماسية سيمهد لمرحلة أكثر خطورة على الحدود المشتركة.
فالسودان الذي يخوض حرباً داخلية مدمرة لا يحتمل فتح جبهة إقليمية جديدة، وإثيوبيا بدورها تواجه تحديات داخلية تجعل أي مواجهة إضافية مكلفة سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وبين حسابات الردع ومخاطر الانزلاق إلى المواجهة، يبقى استقرار القرن الأفريقي مرتبطاً بقدرة البلدين على منع تحول الأزمة الدبلوماسية إلى صراع عسكري مفتوح.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات