محررو لقطة AI – 19
لقطة AI
8 نوفمبر 2026
في غرفة ضيقة بمدينة أم درمان، تحوّل الفحم الأسود وقطع الكرتون إلى أدوات لتوثيق واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في حرب السودان. هناك تجلس صفية الطيب الطاهر نور الدين، البالغة من العمر 23 عاماً، وتعيد رسم مشاهد تقول إنها لا تزال عالقة في ذاكرتها منذ مغادرتها مدينة الفاشر، حاملة معها صوراً لا تستطيع الأيام محوها.
لا تبحث صفية عن موضوعات فنية من الخيال، ولا تحاول تقديم مشاهد رمزية بعيدة عن الواقع؛ إنها ترسم ما تقول إنها شاهدته بعينيها، من المقابر الجماعية وأجساد المدنيين إلى الأطفال الهاربين والنساء اللواتي انتظرن الماء والغذاء وسط ظروف الحصار والنزوح.
وتحاول الشابة من خلال ست لوحات فنية تحويل تجربتها الشخصية إلى شهادة بصرية على ما عاشه المدنيون في الفاشر ومخيمات النزوح، في وقت لا تزال فيه تفاصيل كثيرة مما جرى داخل المدينة بحاجة إلى التوثيق والتحقيق المستقل.
المقبرة الجماعية.. اللوحة الأصعب
كانت لوحة المقبرة الجماعية الأكثر قسوة بالنسبة إلى صفية. رسمت حفرة كبيرة تتراص داخلها أجساد، بينما يقف مسلحون على حافتها.
وتقول للجزيرة إنها لم ترسم مشهداً متخيلاً، بل استعادت ما شاهدته خلال الأحداث، موضحة أنها أرادت أن يرى العالم ما عايشه سكان المدينة.
واستغرقت اللوحة ثلاثة أيام، بحسب روايتها، وكانت تتوقف مراراً بسبب البكاء كلما عادت بذاكرتها إلى المشهد.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية إضافية في ظل التقارير الدولية التي وثقت عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة في الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر 2025.
وكانت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان قد أصدرت في 19 فبراير 2026 تقريراً خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع أفعال تحمل سمات الإبادة الجماعية في الفاشر، واستهداف مجتمعات غير عربية، في إطار الانتهاكات التي أعقبت سقوط المدينة.
طفل يركض فوق الجثث
في لوحة ثانية، تستعيد صفية مشهد طفل يركض وسط الدخان، بينما تنتشر الأجساد على الأرض.
وتقول إن الطفل كان يحاول الهرب والبحث عن مكان يحتمي فيه، لكن الطريق أمامه كان مليئاً بالموت. وتضيف أن عينيه ظلتا عالقتين في ذاكرتها، ولذلك ركزت على رسمهما.
أما اللوحة الثالثة فتحمل عنوان «الأم والطفل»، وتظهر فيها أم تحتضن أطفالها الثلاثة وتحاول حماية أجسادهم من مسلح يوجه سلاحه نحوهم.
وتعكس اللوحتان، وفق شرح الفنانة، جانباً من الخوف الذي عاشه المدنيون، خصوصاً الأطفال الذين وجدوا أنفسهم وسط مشاهد لا يستطيعون فهمها أو الهروب منها بسهولة.
النساء بين الجوع والعنف والفقد
لم تقتصر أعمال صفية على مشاهد القتل، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار.
ففي لوحة «طابور النساء»، رسمت مجموعة من النساء ينتظرن الحصول على الماء أو الطعام. واستخدمت ألواناً زاهية في الملابس، لكنها توضح أن تلك الألوان لا تعبر عن الفرح، بل عن الثياب التي بقيت مع النساء خلال رحلة النزوح.
وفي لوحة أخرى بعنوان «قيد النساء»، تظهر امرأة مربوطة بحبل، في إشارة إلى الانتهاكات التي تقول صفية إنها شهدتها أو وثقتها من خلال شهادات من عايشن الأحداث.
أما لوحة «الأم الثكلى»، فتجسد امرأة تحمل طفلها وتبكي زوجها الذي فقدته، في مشهد يلخص التحول القاسي الذي فرضته الحرب على آلاف الأسر السودانية.
رحلة نزوح استمرت أسبوعين
تنحدر صفية من مخيم أبو شوك للنازحين شمال غرب الفاشر، وكانت قبل الحرب تستخدم موهبتها الفنية لرسم البسمة على وجوه الأطفال.
لكن تصاعد القتال والقصف أجبر أسرتها على مغادرة المخيم والانتقال إلى الأحياء الجنوبية من الفاشر، قبل أن تصل المعارك إلى المنطقة التي كانوا يقيمون فيها.
وتروي أن قذيفة سقطت ذات ليلة بالقرب منهم، فخرجوا مسرعين دون أن يتمكنوا من أخذ ممتلكاتهم وأدوات الرسم.
انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى مخيم زمزم، حيث تصف الحياة بأنها كانت شديدة القسوة، مع نقص الغذاء والمياه وانتظار النساء لساعات للحصول على احتياجاتهن الأساسية.
ومع تدهور الأوضاع، غادرت الأسرة المخيم، ومرت بمناطق قوز بينة وخزان جديدة وغبيش والنهود، قبل الوصول إلى الدبة في شمال السودان.
وتقول صفية إن الرحلة استغرقت نحو أسبوعين، قضتها الأسرة وسط شاحنات مكتظة وظروف قاسية من العطش والحرارة والبرد، قبل أن تقيم عدة أشهر في مخيم للنازحين بالدبة، ثم تنتقل إلى أم درمان.
الفن بوصفه ذاكرة للحرب
لم تتوقف صفية عن الرسم رغم فقدانها أدواتها وافتقارها إلى الإمكانات المادية. فقد استخدمت الكرتون وبقايا الورق، وأحياناً جدران مكان إقامتها، لتسجيل المشاهد التي لا تريد أن تختفي من الذاكرة.
وتقول إن كل امرأة ترسمها تحمل قصة، فمنهن من فقدت زوجها، ومنهن من تنتظر عودة ابن مفقود، ومنهن من لا تعرف كيف تبدأ حياتها من جديد بعد النزوح.
وتعكس تجربتها دور الفن في توثيق الحروب من زاوية مختلفة عن التقارير العسكرية والإحصاءات الإنسانية؛ فالأرقام تحدد أعداد الضحايا والنازحين، بينما تحاول اللوحات نقل التجربة الإنسانية الفردية وما تتركه الحرب من آثار نفسية واجتماعية.
ومع ذلك، تظل هذه الرسومات شهادة شخصية ينبغي قراءتها إلى جانب التحقيقات المستقلة والأدلة والشهادات الأخرى، لا باعتبارها بديلاً عن عمليات التحقق والمساءلة.
في أم درمان، لا تملك صفية مرسماً واسعاً ولا أدوات فنية متكاملة، لكنها تواصل الرسم بما يتوفر لديها. وبين الفحم والكرتون، تحاول الاحتفاظ بما تبقى من ذاكرة الفاشر، وتمنح الضحايا الذين غابوا عن المشهد مساحة للحضور عبر الفن.
فقد تنتهي المعارك وتتغير خطوط السيطرة، لكن ما عاشه المدنيون لا ينتهي بمجرد توقف إطلاق النار، وما لم توثقه الصور والكلمات والشهادات قد يتحول إلى ذاكرة معرضة للنسيان.
المصادر:
الجزيرة نت، محمد زكريا خميس، 6 نوفمبر 2026.
تقرير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، 19 فبراير 2026.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات