محررو لقطة AI – 9
15 أكتوبر 2026
أعادت السلطات السودانية ملف منطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان إلى واجهة التحركات السياسية والدبلوماسية، بعد صدور قرار بتشكيل فريق وطني للتفاوض بشأن مستقبل المنطقة، في خطوة تأتي وسط استمرار الحرب السودانية وتزايد التوترات الأمنية على الحدود بين البلدين.
وبحسب وثيقة نشرتها صحيفة «أبيي الآن» ونقلتها عدة وسائل إعلام سودانية يومي 13 و14 أكتوبر، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان القرار السيادي رقم 400 لسنة 2026، القاضي بتشكيل فريق تفاوض وطني يتولى إدارة الملف بالتنسيق مع المؤسسات السودانية والجهات الإقليمية والدولية المعنية.
ونص القرار، وفق المعلومات المنشورة، على أن يتولى عضو مجلس السيادة عبد الله يحيى أحمد رئاسة الفريق، بينما يشغل وزير الخارجية والتعاون الدولي محيي الدين سالم منصب نائب الرئيس، بمشاركة رئيس مفوضية السلام سليمان الدبيلو، ورئيس مفوضية الحدود، وممثلين عن المؤسسات العدلية والعسكرية والأمنية، إلى جانب شخصيات ذات صلة بقضية أبيي.
ويُفهم من تشكيل الفريق أن الخرطوم تسعى إلى إعادة تنظيم موقفها التفاوضي بشأن المنطقة، لكن القرار لا يعني أن مفاوضات جديدة بدأت بالفعل مع جوبا، إذ لم يتأكد بعد الإعلان عن موعد لجولة تفاوضية أو اتفاق بين الحكومتين على جدول أعمال محدد.
وتجدر الإشارة إلى أن المعلومات المتعلقة بالتشكيل تستند إلى نسخة القرار التي تداولتها وسائل الإعلام، ولم يتسن العثور على نسخة منشورة في الموقع الرسمي لمجلس السيادة تتيح التحقق المستقل من جميع تفاصيلها.
لماذا يعود ملف أبيي الآن؟
تكتسب الخطوة السودانية أهميتها من توقيتها السياسي والأمني، إذ تأتي بينما تواجه الخرطوم تحديات واسعة نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، في حين يعاني جنوب السودان بدوره أزمات سياسية وأمنية واقتصادية.
وظلت أبيي واحدة من أعقد القضايا التي لم تُحسم بصورة نهائية منذ انفصال جنوب السودان عام 2011.
فقد نص بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005 على ترتيبات خاصة لتحديد مستقبل المنطقة، بما في ذلك إجراء استفتاء بشأن تبعيتها، لكن الخلافات حول أهلية التصويت والحدود والترتيبات الإدارية حالت دون تنفيذ الاستفتاء المتفق عليه.
وتتداخل في القضية مطالب سياسية وقانونية وتاريخية، فضلًا عن حقوق المجتمعات المحلية التي تعتمد على الأرض والمياه والرعي والتجارة.
كما أن المنطقة تتمتع بأهمية اقتصادية واستراتيجية بسبب موقعها الحدودي ومواردها الطبيعية، الأمر الذي جعلها موضع تنافس طويل بين الخرطوم وجوبا.
وقد أدت هذه التعقيدات إلى استمرار الوضع المؤقت لسنوات، دون التوصل إلى تسوية نهائية مقبولة من الأطراف المعنية.
لجنة جديدة ومهام تتجاوز التفاوض
تشير تفاصيل القرار المنشور إلى أن الفريق الوطني لن يقتصر عمله على المشاركة في الاجتماعات الثنائية مع جنوب السودان.
فقد أُسندت إليه مهام تتعلق بالتواصل مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وإعداد قاعدة معلومات بشأن الوضع القانوني والسياسي للمنطقة، ومراجعة الوثائق والاتفاقيات ذات الصلة.
كما تشمل اختصاصاته المقترحة اتخاذ إجراءات لحماية الحقوق التي تتمسك بها الحكومة السودانية، وتقديم تقارير دورية إلى مجلس السيادة.
وتعكس هذه المهام محاولة لجمع الملفات السياسية والقانونية والأمنية في إطار تفاوضي واحد.
لكن نجاح الفريق لن يتوقف على تركيبته المؤسسية وحدها.
فالتفاوض بشأن منطقة متنازع عليها يحتاج إلى إرادة سياسية متبادلة، وإلى مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية التي تتأثر مباشرة بأي اتفاق.
كما أن وجود ممثلين للمؤسسات العسكرية والأمنية يعكس حساسية الملف، لكنه يثير أهمية ضمان حضور الخبرات المدنية والقانونية والاجتماعية في عملية التفاوض.
خلاف جديد حول انتخابات جنوب السودان
تأتي إعادة تحريك الملف بعد خلاف دبلوماسي ظهر خلال يوليو الماضي، عندما اعترضت وزارة الخارجية السودانية على إدراج منطقة أبيي ضمن الدوائر الجغرافية التي أعلنتها المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان.
واعتبرت الخرطوم أن إدراج المنطقة في الترتيبات الانتخابية الجنوبية يتعارض مع بروتوكول أبيي والترتيبات المؤقتة المتفق عليها بين البلدين.
وفي المقابل، يعكس استمرار الجدل بشأن التمثيل السياسي والإدارة المحلية صعوبة الفصل بين مستقبل المنطقة والعملية السياسية في جنوب السودان.
ولا يعني الاعتراض السوداني أن الوضع القانوني النهائي للمنطقة قد حُسم، وإنما يؤكد استمرار الخلاف حول كيفية ممارسة السلطات والحقوق السياسية إلى حين الوصول إلى تسوية.
ومن هنا تبرز أهمية التفاوض المباشر، بدل اتخاذ خطوات منفردة قد تؤدي إلى زيادة التوترات.
المجتمعات المحلية تدفع ثمن الجمود
لا تقتصر قضية أبيي على الخلاف بين الحكومتين.
فالمنطقة تضم مجتمعات محلية ترتبط بها مصالح تاريخية واقتصادية واجتماعية، أبرزها دينكا نقوك والمسيرية، الذين يتداخل وجودهم ومصالحهم في أنشطة الرعي والتجارة واستخدام الموارد الطبيعية.
وقد أدت الخلافات بشأن الأراضي ومسارات الرعي والحدود الإدارية إلى توترات متكررة، تفاقمت أحيانًا بفعل انتشار السلاح وضعف المؤسسات الأمنية والقضائية.
وفي سبتمبر 2026، شهد سوق أميت المشترك أعمال عنف أسفرت، وفق بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، عن مقتل 26 شخصًا وإصابة 82 آخرين حتى 16 سبتمبر.
وجاءت المواجهات عقب حوادث قتل منفصلة زادت التوتر بين المجتمعات المحلية.
وتوضح هذه الأحداث أن استمرار الوضع السياسي غير المحسوم يترك السكان أمام مخاطر أمنية واقتصادية متجددة.
كما أن الأسواق المشتركة ومسارات الرعي تمثل شرايين أساسية للتعايش، ولذلك فإن تعرضها للعنف يضر بالعلاقات المجتمعية ومصادر الدخل في المنطقة.
الأمم المتحدة أمام اختبار متجدد
توجد في أبيي قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة، المعروفة باسم «يونيسفا»، التي أُنشئت عام 2011 للمساهمة في حماية المدنيين والمحافظة على الاستقرار ودعم الترتيبات الأمنية.
وقد جدد مجلس الأمن ولايتها في نوفمبر 2025 حتى 15 نوفمبر 2026.
لكن البعثة تواجه تحديات تتعلق بالوضع الأمني والتوترات المجتمعية والقيود المالية التي تؤثر في عمليات حفظ السلام.
وأكدت الأمم المتحدة في تقارير سابقة أن العملية السياسية بين السودان وجنوب السودان بشأن أبيي والحدود ظلت متعثرة، رغم الجهود الرامية إلى منع تصاعد العنف.
ولهذا فإن تشكيل فريق تفاوض سوداني جديد قد يمثل فرصة لإعادة التواصل السياسي، بشرط أن يقابله استعداد من جوبا وأن تتوافر ترتيبات عملية للحوار.
كما سيكون من الضروري تحديد العلاقة بين المفاوضات الثنائية والدور الذي يمكن أن يؤديه الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في تسهيل التوصل إلى تفاهمات.
هل تستطيع الخرطوم التفاوض وسط الحرب؟
يمثل استمرار الحرب السودانية أحد أبرز التحديات أمام أي تحرك دبلوماسي جديد.
فالمؤسسات السودانية تواجه ضغوطًا سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، بينما تستهلك العمليات العسكرية جانبًا واسعًا من الموارد والاهتمام الحكومي.
كما أن استمرار النزاع الداخلي قد يؤثر في قدرة الدولة على تنفيذ التزامات طويلة الأجل أو توفير الضمانات المطلوبة لأي اتفاق حدودي.
وفي المقابل، فإن تأجيل الملفات الإقليمية إلى حين انتهاء الحرب قد يسمح بتراكم الخلافات وظهور توترات جديدة.
ولهذا يمكن النظر إلى القرار باعتباره محاولة للمحافظة على الحضور الدبلوماسي السوداني في قضية استراتيجية، رغم الظروف الداخلية الاستثنائية.
لكن تشكيل الفريق لا يكفي وحده لإثبات وجود تحول في الموقف التفاوضي أو اقتراب تسوية نهائية.
وسيكون الاختبار الحقيقي في الإعلان عن اتصالات رسمية مع جنوب السودان، وتحديد أولويات التفاوض، وإشراك المجتمعات المحلية في مناقشة مستقبل المنطقة.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
يتمثل التطور الجديد في تشكيل فريق تفاوض سوداني محدد القيادة والاختصاصات، بدل الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية والاعتراضات على الإجراءات المتعلقة بالمنطقة.
أما ما لم يتغير حتى الآن فهو الوضع النهائي لأبيي، الذي ما زال موضع خلاف بين البلدين.
كما لم يُعلن عن اتفاق جديد بشأن الاستفتاء أو الحدود أو الترتيبات الإدارية الدائمة.
إن إعادة ملف أبيي إلى طاولة التفاوض تمثل خطوة سياسية تستحق الاهتمام، لكنها لا تعني أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام تسوية سريعة. فقد أثبتت السنوات الماضية أن الخلاف حول المنطقة يتجاوز الخرائط والحدود إلى قضايا الهوية والموارد والحقوق السياسية والأمن المجتمعي. كما أن استمرار الحرب في السودان والأزمات الداخلية في جنوب السودان يجعل التوصل إلى اتفاق أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن بقاء القضية دون معالجة يحمل مخاطر إضافية على السكان والعلاقات بين البلدين. ولهذا فإن أي مفاوضات جديدة ينبغي أن تقوم على احترام الاتفاقيات السابقة، وضمان مشاركة المجتمعات المحلية، وتوفير ترتيبات أمنية تحمي المدنيين وتمنع تجدد العنف. وسيكون نجاح الفريق الجديد مرتبطًا بقدرته على تحويل القرار الإداري إلى عملية سياسية فعلية، تضع مصالح السكان والاستقرار الإقليمي فوق الحسابات المؤقتة. فالقضية التي بقيت معلقة منذ انفصال الجنوب لن تُحسم بمجرد تشكيل لجنة جديدة، وإنما بإرادة سياسية متبادلة واتفاق قابل للتنفيذ يحمي الحقوق ويمنع عودة الصراع.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات