محررو لقطة AI – 7
15 أكتوبر 2026
تواجه دولة جنوب السودان اختبارًا أمنيًا وسياسيًا جديدًا، بعد مواجهات دامية شهدتها مدينة رومبيك بولاية البحيرات، وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص وإصابة آخرين، في وقت تستعد فيه البلاد لإجراء انتخابات عامة في ديسمبر المقبل، وسط مخاوف متزايدة بشأن قدرة المؤسسات الحكومية على ضبط السلاح وحماية المدنيين.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته في 12 أكتوبر، بأن الاشتباكات التي اندلعت يومي الثامن والتاسع من الشهر الجاري بين مجموعات مسلحة من مجتمعات محلية متنافسة أوقعت نحو سبعين قتيلًا، بينهم أربعة جنود، وفق تقديرات أولية لوزارة الإعلام في جنوب السودان.
لكن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان «يونميس» أوردت في تقرير أحدث، نشرته يوم 13 أكتوبر، حصيلة مختلفة استنادًا إلى بيانات سلطات الولاية، بلغت ستين قتيلًا و78 مصابًا، مع نزوح نحو خمسمائة أسرة بصورة مؤقتة.
ويعكس هذا التفاوت استمرار الحاجة إلى توثيق الحصيلة النهائية، ولا يجوز جمع الرقمين أو اعتبار أحدهما تحديثًا مؤكدًا للآخر دون بيانات رسمية توضح أسباب الاختلاف.
وأكدت البعثة الأممية أنها تدخلت لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ونشرت قوة استجابة سريعة من جنود حفظ السلام النيباليين، في محاولة لمنع اتساع الاشتباكات وحماية المستشفى والمرافق الإنسانية.
كما ساعدت قوات حفظ السلام في إجلاء سبعة عشر عاملًا إنسانيًا كانوا محاصرين في منطقة أموق شمال رومبيك، وسط مخاوف من تعرضهم لهجمات على خلفية انتماءاتهم المجتمعية.
خلافات محلية تتحول إلى معارك
اندلعت المواجهات بين مجموعات من شباب مجتمع باكام في مقاطعة رومبيك الشمالية، ومجموعات من مجتمع نيانغ في مقاطعة رومبيك الوسطى.
وينتمي الطرفان إلى مجموعات الدينكا، لكن الخلافات التاريخية بشأن الماشية والمراعي والثأر ساهمت في استمرار التوتر بينهما.
وتشير تقارير محلية إلى أن مسلحين دخلوا مدينة رومبيك خلال ساعات الصباح، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة وانتشار الخوف بين السكان.
واضطر كثير من الأهالي إلى الاحتماء داخل منازلهم، بينما غادرت أسر أخرى المدينة بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا.
ولا تزال الأسباب المباشرة التي أشعلت المواجهات الأخيرة بحاجة إلى تحقيق، رغم وجود خلفية طويلة من النزاعات المجتمعية.
وتكشف الأحداث عن خطورة انتشار الأسلحة النارية خارج المؤسسات النظامية، خصوصًا عندما تتحول الخلافات المحلية إلى مواجهات تستخدم فيها أسلحة عسكرية.
مستشفى رومبيك تحت الضغط
استقبل مستشفى رومبيك الحكومي أكثر من خمسين مصابًا بطلقات نارية، وفق إفادات مسؤول طبي نقلتها أسوشيتد برس.
وكان كثير من المصابين يعانون إصابات في الصدر، ما استدعى تدخلات جراحية عاجلة.
كما أدت الشائعات عن احتمال تعرض المستشفى لهجوم إلى مغادرة بعض المصابين خوفًا على حياتهم.
وتوضح هذه الوقائع أن تأثير العنف لا يقتصر على ضحاياه المباشرين.
فالمستشفى الذي يفترض أن يكون مكانًا آمنًا للعلاج قد يصبح هو الآخر موضع تهديد عندما تمتد الانقسامات المجتمعية إلى المؤسسات المدنية.
ولهذا تدخلت قوات حفظ السلام لحماية المستشفى ومحيطه، إلى جانب المنشآت الإنسانية والمطار.
ويمثل تأمين المرافق الطبية أولوية أساسية في أي استجابة أمنية، لأن تعطيلها قد يؤدي إلى سقوط وفيات إضافية بين المصابين الذين يحتاجون إلى العلاج.
حظر تجول ومحاولات لاحتواء الأزمة
أعلنت السلطات المحلية في رومبيك فرض حظر تجول ليلي لمدة أربعة عشر يومًا، يبدأ من السادسة والنصف مساءً حتى السابعة صباحًا.
وقالت إن الهدف من الإجراءات هو منع الهجمات الانتقامية وحماية السكان والممتلكات.
كما طلبت من حاملي السلاح الابتعاد عن المدينة، ودعت القيادات المجتمعية إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية.
لكن نجاح هذه الإجراءات يتوقف على قدرتها على منع تجدد القتال دون فرض قيود غير مبررة على المدنيين.
كما أن فرض حظر التجول لا يعالج وحده أسباب النزاع المتعلقة بالمراعي والماشية والثأر.
وتحتاج السلطات إلى آليات للحوار والمصالحة، إلى جانب التحقيق في الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.
فالتسويات التي تقتصر على وقف إطلاق النار دون معالجة جذور النزاع قد تسمح بعودة المواجهات عند أول خلاف جديد.
الانتخابات تحت تهديد السلاح
تأتي أحداث رومبيك قبل نحو شهرين من الانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026.
وكان رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت قد أصدر في سبتمبر قرارًا بحل الحكومة الانتقالية وتشكيل إدارة لتسيير الأعمال، في إطار الترتيبات السياسية السابقة للانتخابات.
لكن هذه الخطوة أثارت مخاوف بشأن الفراغ الإداري في بعض المناطق، خصوصًا عندما تتأخر تسمية المسؤولين المحليين أو إعادة تنظيم المؤسسات.
ويرى محللون وناشطون أن غياب الإدارة المحلية الفعالة قد يمنح المجموعات المسلحة فرصة لتوسيع نفوذها.
كما أن استمرار العنف يهدد قدرة المواطنين على المشاركة في الأنشطة الانتخابية، بما فيها التسجيل والتوعية والتجمعات السياسية.
فإجراء انتخابات حرة يحتاج إلى بيئة يستطيع فيها المواطن التعبير عن رأيه دون خوف من السلاح أو الانتقام.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
لم يعد التطور مقتصرًا على إعلان سقوط عشرات القتلى.
فقد كشفت التقارير الأممية اللاحقة عن حجم النزوح والإصابات، وتدخل قوات حفظ السلام لحماية المستشفى والعاملين الإنسانيين، إضافة إلى تحركات للسلطات المحلية لاحتواء التوتر.
لكن لم تتضح بعد نتائج التحقيقات بشأن المسؤولين عن القتل، كما لم يُعلن عن اتفاق مصالحة نهائي بين المجتمعات المتنازعة.
وسيكون الاختبار المقبل في منع الهجمات الانتقامية، وإعادة النازحين، وضمان استمرار الخدمات الصحية والإنسانية.
إن أحداث رومبيك تكشف أن الأزمة الأمنية في جنوب السودان لا تقتصر على الصراع السياسي بين الحكومة والمعارضة، وإنما تمتد إلى نزاعات مجتمعية مزمنة تتغذى على انتشار السلاح وضعف مؤسسات الدولة. كما أن وقوع عشرات القتلى خلال ساعات قليلة، رغم وجود قوات نظامية وأممية، يوضح حجم التحديات التي تواجه حماية المدنيين. وتزداد خطورة هذه التطورات مع اقتراب الانتخابات، لأن الاستقرار الأمني يمثل شرطًا أساسيًا لمشاركة المواطنين بصورة حرة وآمنة. ولن تكون الإجراءات العسكرية وحدها كافية لمنع تكرار المأساة ما لم تقترن بمحاسبة المتورطين ومعالجة النزاعات المتعلقة بالأراضي والمراعي والموارد. كما أن حماية المستشفيات والعاملين الإنسانيين يجب أن تبقى أولوية لا تخضع للانقسامات المجتمعية. فجنوب السودان يحتاج إلى عملية سياسية تعيد بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتضمن ألا تتحول المنافسة على الموارد أو السلطة إلى جولات جديدة من العنف. وسيكون نجاح الاستجابة لأحداث رومبيك مرتبطًا بقدرتها على منع الانتقام وإعادة الأمن، لا بمجرد إعلان عودة الهدوء إلى شوارع المدينة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات