محررو لقطة AI – 9
14 أكتوبر 2026
لم تأتِ التقارير عن تحذيرات سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023 في توقيت عابر بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو. فقد ظهرت على مسافة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وأعادت إلى قلب النقاش سؤالًا يلاحقه منذ الهجوم: ماذا عرف رئيس الوزراء قبل وقوعه، وكيف تعامل مع التحذيرات؟ وبينما ينفي نتنياهو تلقيه إنذارات مسبقة، تحولت القضية إلى مواجهة سياسية وإعلامية تتجاوز التحقق من مضمون التقارير إلى الصراع على من يملك رواية الإخفاق الأمني.
وتستند الرواية المتداولة إلى تقارير صحفية عن تحذيرات مصرية وإماراتية مزعومة. فقد نقلت تقارير عن كتاب استقصائي أن رئيس الإمارات محمد بن زايد أبلغ نتنياهو، قبل الهجوم بأيام، بأن يحيى السنوار كان يخطط لعملية كبيرة. كما تناولت تقارير أخرى اتصالًا محتملًا من رئيس المخابرات المصرية آنذاك عباس كامل، وتحذيرات سابقة من القاهرة. لكن تفاصيل هذه الاتصالات لم تُحسم علنًا على نحو مستقل، والحكومتين المصرية والإماراتية لم تقدما تأكيدًا تفصيليًا للروايات المنشورة؛ لذلك يبقى التفريق ضروريًا بين ما أوردته الصحافة وما ثبت رسميًا.
في مواجهة ذلك، نفى نتنياهو أن يكون تلقى تحذيرًا من مصر، وطعن في التقارير المتعلقة بالإمارات، ولوّح بملاحقات قضائية على خلفية بعضها. ثم اتجه الخطاب إلى التشكيك في دوافع النشر: حزبه ومؤيدوه وصفوا ما نشرته وسائل إعلام بأنه حملة منظمة، واتهموا صحفيين ومسؤولين من التيار اليساري وجهات خارجية بالسعي إلى إسقاط اليمين قبل الاقتراع. هكذا انتقل مركز النقاش من سؤال «هل وصلت التحذيرات؟» إلى سؤال «من يقف وراء نشرها؟».
ويخدم هذا التحول استراتيجية انتخابية مألوفة في خطاب نتنياهو: تصويره مستهدفًا من وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة، وحشد قاعدته حول فكرة أن خصومه لا يناقشون أداء الحكومة بل يحاولون إزاحته. وعندما يُقدَّم التحقيق الصحفي بوصفه مؤامرة، يصبح الاعتراض على مضمون التقرير جزءًا من معركة الولاء السياسي؛ إذ يُطلب من الناخب أن يحدد موقفه من «الحملة» قبل أن يحكم على الوقائع نفسها.
كما أن ردّ نتنياهو لم يقتصر على نفي الرواية، بل شمل توجيه اللوم إلى مسؤولين أمنيين سابقين. واتهم رئيس جهاز الأمن الداخلي السابق رونين بار بالتقصير، فرد الأخير برفع دعوى تشهير، بحسب تقارير صحفية. وفي المقابل، يطالب خصوم نتنياهو بلجنة تحقيق مستقلة، ويتعهد بعضهم بتشكيلها إذا فازوا. بذلك تتداخل ثلاثة مسارات: مسؤولية القيادة السياسية، وإخفاق الأجهزة، والجدل حول التحقيق الرسمي الذي رفضت الحكومة إقراره حتى الآن.
وقد تمنح هذه المواجهة نتنياهو مكسبًا انتخابيًا حتى لو لم تُنهِ الجدل لمصلحته. فتغطية التحذيرات تعيد ملف السابع من أكتوبر إلى واجهة الحملة، لكنها تتيح له أيضًا دفع النقاش نحو اتهام الإعلام بالتحيز، والتشكيك في خصومه، وتقديم الانتخابات كاختيار بين معسكرين متنازعين، بدل تركيزها على إخفاقات حكومته أو قضايا أخرى. ويرى محللون نقلت عنهم «واشنطن بوست» أن الجدل قد يغير اتجاه النقاش العام، وإن كان أثره على نتائج التصويت غير محسوم.
غير أن وصف التسريبات بأنها أداة انتخابية لا يثبت وحده أنها كاذبة أو صحيحة، كما أن قرب نشرها من موعد الاقتراع لا يحسم دوافع الصحفيين أو صحة المصادر. وفي المقابل، فإن اتهام الإعلام بالتآمر لا يجيب عن أسئلة جوهرية: هل تلقى نتنياهو تحذيرات محددة؟ وهل نقلها إلى أجهزة الأمن؟ ومن يتحمل المسؤولية عن فشل الاستعداد للهجوم؟ هذه أسئلة تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيق مستقل، لا إلى تبادل الاتهامات خلال حملة انتخابية.
من هنا، تبدو عبارة «الإعلام كله ضدي» أكثر من شكوى من التغطية؛ إنها محاولة لإعادة تعريف القضية باعتبارها استهدافًا سياسيًا لنتنياهو، لا مساءلة عن تحذيرات يُقال إنها سبقت كارثة السابع من أكتوبر. وقد تساعد هذه الصياغة في تعبئة أنصاره وتحويل الضغط إلى معركة على نزاهة الإعلام، لكنها لا تمحو الوقائع التي يطالب الإسرائيليون بكشفها، ولا تغني عن تحقيق يحدد ما وصل إلى القيادة وما فعلته به.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات