محررو لقطة AI – 19
15 أكتوبر 2026
فتح السودان ملف المخاطر التي تهدد إنتاجه الزراعي وأمنه الغذائي أمام المؤسسات المالية الدولية، مطالبًا بتدخلات عاجلة لمواجهة تداعيات الجفاف واضطراب الأمطار وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية والإنسانية نتيجة استمرار الحرب منذ أبريل 2023.
وخلال مشاركته في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي بالعاصمة التايلاندية بانكوك، الأربعاء 14 أكتوبر، دعا وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم إلى إجراء تقييم شامل وعاجل لتأثيرات ظاهرة النينيو ونقص الأمطار على الإنتاج الزراعي السوداني.
وبحسب بيان لوزارة المالية نقلته «سودان تربيون»، طالب الوزير المؤسسات المالية الدولية بالانتقال من التعهدات العامة إلى توفير تمويل فعلي بشروط ميسرة، يساعد الدول المتضررة من الأزمات المناخية على حماية قطاعاتها الإنتاجية ومصادر دخل سكانها.
كما دعا إلى تحديد الاحتياجات الفنية والمالية اللازمة لمواجهة مخاطر تراجع المحاصيل، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الأمطار وتواجه ضغوطًا إضافية بسبب النزاع المسلح.
وتكتسب هذه التحركات أهميتها من أنها تنقل ملف الجفاف من نطاق التحذيرات المحلية إلى مستوى المطالبات المباشرة أمام المؤسسات المالية الدولية، لكنها لا تعني أن السودان حصل بالفعل على تمويل جديد أو أن صندوق النقد والبنك الدولي وافقا على برنامج محدد لدعم القطاع الزراعي.
موسم زراعي تحت ضغط المناخ والحرب
تواجه الزراعة السودانية خلال عام 2026 تحديات متداخلة، تبدأ بتراجع الأمطار في بعض المناطق ولا تنتهي عند نقص التمويل والوقود والأسمدة.
فالسودان يمتلك مساحات زراعية واسعة، ويعتمد ملايين السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة والرعي والأنشطة المرتبطة بهما.
لكن الحرب أدت إلى تعطيل الإنتاج في مناطق عديدة، وتسببت في نزوح المزارعين وفقدان المعدات والآليات وتضرر شبكات الري والنقل.
كما أن اضطراب الأسواق وانخفاض قيمة الجنيه السوداني جعلا الحصول على مستلزمات الإنتاج أكثر تكلفة.
وتزداد هذه المشكلات خطورة عندما تتزامن مع ظروف مناخية غير مواتية.
وكانت تقارير دولية قد حذرت خلال الأشهر الماضية من انخفاض الأمطار في أجزاء من السودان، خصوصًا المناطق الزراعية التي تعتمد على الهطول الموسمي.
وفي أغسطس الماضي، وثقت وكالة فرانس برس معاناة مزارعين في ولاية القضارف من تأخر الأمطار، بينما أظهرت بيانات مناخية انخفاض الهطول في أجزاء من حوض النيل الأزرق.
لكن من الضروري التمييز بين تراجع الأمطار في مناطق محددة وبين الحكم بفشل الموسم الزراعي في السودان كله، إذ يحتاج التقييم النهائي إلى بيانات إنتاج فعلية ومسوح ميدانية تشمل مختلف الولايات.
الوقود والأسمدة.. أزمة خارج الحدود
لم تقتصر مباحثات وزير المالية على المخاطر المناخية.
فقد ناقش جبريل إبراهيم مع المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، تداعيات اضطراب إمدادات الطاقة والأسمدة نتيجة التوترات الإقليمية والمشكلات التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن جانبًا من النشاط الزراعي السوداني يعتمد على الوقود لتشغيل مضخات الري والآليات الزراعية ووسائل النقل.
كما تعتمد قطاعات من الزراعة على الأسمدة المستوردة، التي تتأثر أسعارها بتكاليف الطاقة والشحن والإنتاج العالمي.
وعندما ترتفع هذه التكاليف، يجد المزارعون أنفسهم أمام خيارات صعبة، منها تقليل المساحات المزروعة أو خفض استخدام المدخلات الزراعية أو تحمل خسائر إضافية.
وقد يؤدي تقليل الأسمدة إلى انخفاض إنتاجية بعض المحاصيل، بينما يؤدي نقص الوقود إلى تعطيل عمليات الري والحصاد والنقل.
لكن حجم الأثر يختلف بين الزراعة المطرية والمروية، وبين المحاصيل التي تحتاج إلى كميات مرتفعة من المدخلات وتلك الأقل اعتمادًا عليها.
ولهذا فإن معالجة الأزمة تتطلب بيانات تفصيلية عن احتياجات كل قطاع، بدل الاكتفاء بتقديرات عامة لتكاليف الإنتاج.
هل يستطيع التمويل الدولي تغيير المعادلة؟
يمثل طلب السودان تمويلًا من المؤسسات الدولية خطوة سياسية واقتصادية مهمة، لكنه يواجه تحديات تتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ المشروعات وضمان وصول الموارد إلى المستفيدين.
فالحرب أضعفت المؤسسات الحكومية، وأثرت في تحصيل الإيرادات والرقابة على الإنفاق، كما أدت إلى تراجع الخدمات المالية في مناطق واسعة.
وتحتاج المشروعات الزراعية إلى ترتيبات مؤسسية واضحة تشمل تحديد المستفيدين، وإدارة التمويل، ومراقبة استخدام الموارد، وتقييم النتائج.
كما أن توفير التمويل دون معالجة مشكلات الأمن والوصول إلى الأراضي قد يقلل أثره الفعلي.
فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه بسبب القتال لن يستفيد بصورة كاملة من توفير الأسمدة أو الآليات.
وكذلك فإن توفير الوقود دون ضمان انتظام الإمدادات قد لا يكون كافيًا لاستعادة الإنتاج.
ومن هنا تبرز أهمية الربط بين الدعم الاقتصادي وحماية المناطق الزراعية وإعادة تشغيل الأسواق وطرق النقل.
أزمة الغذاء تضاعف أهمية التحرك
تأتي هذه المطالبات في وقت يعاني فيه السودان مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
وبحسب بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي التي استندت إليها وكالات الأمم المتحدة خلال عام 2026، يواجه نحو 19.5 مليون شخص في السودان مستويات أزمة أو أشد من انعدام الأمن الغذائي.
كما يواجه نحو 135 ألف شخص ظروفًا كارثية في الأمن الغذائي، بينما تظل مناطق عديدة في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة.
وتؤكد هذه الأرقام أن أزمة الغذاء لا ترتبط فقط بنقص المساعدات الإنسانية، وإنما تتصل أيضًا بانهيار القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وتوزيعه.
فكل موسم زراعي يتراجع إنتاجه يزيد اعتماد السكان على الأسواق والمساعدات، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية نقصًا حادًا في التمويل.
ولهذا فإن الاستثمار في الزراعة يمكن أن يمثل أحد المسارات المهمة لتقليل الاعتماد على الإغاثة، بشرط ألا يكون بديلًا عن المساعدات العاجلة للسكان الذين يواجهون الجوع بالفعل.
إصلاح الإيرادات ومكافحة التدفقات غير المشروعة
طرح وزير المالية أيضًا قضية إصلاح النظام الضريبي الدولي وتعزيز قدرة الدول المتأثرة بالنزاعات على تعبئة مواردها الداخلية.
وأشار، وفق البيان المنشور، إلى أن الحرب ألحقت أضرارًا واسعة بالمؤسسات السودانية وأضعفت القدرة على تحصيل الإيرادات.
ودعا إلى تحديث الإدارة المالية والجمارك وتوسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة.
وتعكس هذه المطالبات إدراكًا بأن الاعتماد على التمويل الخارجي وحده لا يكفي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية.
لكن توسيع الإيرادات العامة يحتاج إلى مراعاة الظروف المعيشية للمواطنين، حتى لا تتحول الإصلاحات إلى أعباء إضافية على الأسر والمنتجين الذين تضرروا من الحرب.
كما أن مكافحة التهريب والتدفقات غير المشروعة تتطلب شفافية في إدارة الموارد، خصوصًا في القطاعات ذات الأهمية الاقتصادية مثل الذهب والصادرات الزراعية.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
الجديد في تطورات 14 أكتوبر هو تقدم السودان بطلب محدد إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإجراء تقييم عاجل لمخاطر الجفاف والنينيو، إلى جانب مباحثات مع مسؤول أممي بشأن تأمين إمدادات الطاقة والأسمدة.
كما أن هذه المطالبات جاءت ضمن اجتماعات دولية تبحث بصورة أوسع أزمة الديون وتكاليف التمويل والتغير المناخي.
لكن لم يُعلن حتى الآن عن اعتماد حزمة تمويل جديدة للسودان أو توقيع اتفاق ملزم بشأن توفير الوقود والأسمدة.
وسيكون من الضروري متابعة ما إذا كانت المؤسسات الدولية ستستجيب بطلبات تقييم فنية، أو برامج تمويل ميسر، أو ترتيبات عملية لتسهيل وصول المدخلات الزراعية.
إن التحرك السوداني في بانكوك يعكس حجم المخاطر التي تواجه الزراعة والأمن الغذائي في البلاد، لكنه يضع الحكومة والمؤسسات الدولية أمام اختبار يتجاوز إصدار البيانات. فالجفاف واضطراب الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج ليست مشكلات منفصلة عن الحرب، وإنما عوامل تتفاعل معها وتضاعف آثارها الاقتصادية والإنسانية. ويحتاج السودان إلى دعم يحافظ على قدرته الإنتاجية ويمنع فقدان المزيد من المواسم الزراعية، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى مؤسسات شفافة تستطيع إدارة الموارد وضمان وصولها إلى المزارعين. كما أن حماية الأراضي الزراعية وطرق النقل والأسواق تظل شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ اقتصادي مستدام. ولن يكون نجاح التحرك الدبلوماسي مرتبطًا بحجم الوعود التي يحصل عليها السودان، وإنما بمدى تحولها إلى برامج قابلة للتنفيذ تخفض تكلفة الإنتاج وتساعد المزارعين على الاستمرار. ففي بلد يواجه فيه ملايين السكان الجوع، يصبح إنقاذ الموسم الزراعي مسألة تتعلق بحماية الحياة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد ملف فني يناقش في الاجتماعات الدولية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات