الأحد، 1 نوفمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

أزمة الوقود والكهرباء تشل أسواق أم درمان.. المخابز تلجأ إلى الحطب والطواحين خارج الخدمة ؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

أزمة الوقود والكهرباء تشل أسواق أم درمان.. المخابز تلجأ إلى الحطب والطواحين خارج الخدمة ؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 31

1 نوفمبر 2026

تواجه أسواق مدينة أم درمان موجة جديدة من الركود والاضطراب الاقتصادي، مع تزامن أزمة الوقود مع الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، في تطور انعكس بصورة مباشرة على حركة البيع والشراء، وأصاب قطاعات حيوية تشمل المخابز والطواحين وتجارة المواد الغذائية الأساسية. وبينما يحاول أصحاب الأنشطة التجارية التكيف مع ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الإمدادات، يجد المواطنون أنفسهم أمام خيارات معيشية أكثر صعوبة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء اليومية.

وتأتي الأزمة في أعقاب الهجمات التي استهدفت منشآت الكهرباء خلال الأيام الماضية، وأبرزها الهجوم بالطائرات المسيّرة على محطة المرخيات التحويلية شمال غربي أم درمان، فجر 27 أكتوبر 2026، والذي أدى إلى خروج المحطة عن الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في ولايتي الخرطوم ونهر النيل. وتزامن ذلك مع ندرة الوقود في محطات التزود وارتفاع أسعاره في السوق الموازية، ما ضاعف الضغوط على الأنشطة التي تعتمد على الكهرباء والجازولين في عمليات الإنتاج والتوزيع.

وبحسب إفادات متعاملين في الأسواق، فإن الأزمة لم تعد مقتصرة على تعطل بعض الخدمات، بل امتدت إلى دورة النشاط التجاري بأكملها، بدءاً من نقل المواد الخام وصولاً إلى التصنيع والتخزين والبيع للمستهلكين. وأدى ارتفاع تكلفة التشغيل إلى تقليص ساعات العمل لدى بعض الأنشطة، فيما اضطر آخرون إلى تعليق أعمالهم مؤقتاً انتظاراً لتحسن إمدادات الكهرباء والوقود.

المخابز بين ارتفاع تكاليف الإنتاج والعودة إلى الحطب

يواجه قطاع المخابز في أم درمان ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الدقيق والخميرة والوقود، إلى جانب صعوبة الحصول على الطاقة اللازمة لتشغيل الأفران. وقال الجيلي إسماعيل، صاحب مخبز، إن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً بلغ نحو 192 ألف جنيه سوداني، بينما وصلت كرتونة الخميرة إلى 370 ألف جنيه، وهي مستويات تزيد من تكلفة إنتاج الخبز وتضع أصحاب المخابز أمام تحديات مالية متصاعدة.

وأوضح أن اضطراب إمدادات الوقود دفع بعض المخابز إلى استخدام الحطب بديلاً لتشغيل الأفران، رغم أن هذا الخيار لا يمثل حلاً اقتصادياً سهلاً، إذ بلغ سعر القنطار نحو 50 ألف جنيه، بينما وصلت جركانة الوقود في السوق الموازية إلى نحو 500 ألف جنيه، مع صعوبة الحصول عليها.

وتكشف هذه الأرقام حجم الضغوط التي تواجه صناعة الخبز، باعتبارها من أكثر الأنشطة ارتباطاً بالأمن الغذائي اليومي للأسر. فالمخبز يحتاج إلى انتظام إمدادات الدقيق والطاقة والمواد المساعدة، وأي اضطراب في أحد هذه العناصر ينعكس على حجم الإنتاج وتكلفته، وقد يدفع أصحاب المخابز إلى تقليص الكميات المنتجة أو تعديل أسعار البيع.

ولا تتوقف المشكلة عند ارتفاع تكلفة الوقود، إذ إن استخدام الحطب قد يفرض تحديات إضافية تتعلق بانتظام درجات الحرارة وكفاءة الإنتاج والوقت اللازم لإعداد الخبز، فضلاً عن الحاجة إلى توفير كميات مستمرة منه. وفي ظل ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، يصبح تمرير الزيادات الجديدة إلى المستهلكين أمراً صعباً، ما يضع أصحاب المخابز بين ارتفاع النفقات وتراجع العائدات.

الطواحين تتوقف وثلاثة أيام بلا إنتاج

لم يكن قطاع الطواحين أفضل حالاً، إذ أدى انقطاع الكهرباء ونقص الجازولين إلى توقف عدد من الأنشطة التي يعتمد عليها السكان في طحن الحبوب وتجهيز احتياجاتهم الغذائية.

وقال نصر الدين محمود، صاحب طاحونة، إن العمل توقف في طاحونته لمدة ثلاثة أيام متتالية بسبب عدم توفر الوقود وانقطاع التيار الكهربائي، موضحاً أنه لم يتمكن من الحصول على الجازولين من محطات التزود أو السوق الموازية.

ويؤثر توقف الطواحين بصورة مباشرة على الأسر التي تعتمد على طحن الحبوب المحلية، خصوصاً الذرة والدخن، باعتبارهما من المكونات الأساسية في النظام الغذائي السوداني. كما يؤدي تعطل هذه الأنشطة إلى إضعاف حركة التداول بين التجار والمزارعين والمستهلكين، ويزيد من صعوبة الحصول على المنتجات الغذائية في الوقت المناسب.

وفيما يتعلق بالأسعار، أشار محمود إلى أن كيلة الدخن بلغت نحو 170 ألف جنيه، والربع 60 ألفاً، والملوة 20 ألفاً، بينما وصلت كيلة الذرة إلى 110 آلاف جنيه، والملوة إلى 14 ألفاً، مع تقارب أسعار الذرة والقمح.

وتوضح هذه المستويات أن أزمة الطاقة لا تعمل بمعزل عن بقية الضغوط الاقتصادية، بل تتداخل مع أسعار الحبوب وتكاليف الطحن والنقل، لتنتج سلسلة من الزيادات التي يتحمل المستهلك النهائي جانباً كبيراً منها.

أسعار السلع الأساسية تحت ضغط تكاليف النقل والطاقة

في أسواق المواد الغذائية، لا تزال الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم تسجيل تراجع طفيف في بعض السلع مقارنة بالأيام السابقة. وقال التاجر الأمير الشايب إبراهيم إن سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً بلغ نحو 405 آلاف جنيه، فيما وصل سعر الكيلوغرام إلى 9 آلاف جنيه.

كما سجلت جركانة زيت الفول نحو 380 ألف جنيه، وزيت التحمير 340 ألفاً، بينما بلغ سعر جوال العدس 210 آلاف جنيه، وكيلة البصل 60 ألف جنيه، ووصل سعر جوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً إلى 450 ألف جنيه.

وتعكس هذه الأسعار استمرار الضغوط على تجارة السلع الأساسية، إذ ترتبط تكلفة وصول المنتجات إلى الأسواق بأسعار الوقود وتكاليف النقل والتوزيع، فضلاً عن تكاليف التخزين والتشغيل. وعندما تتعطل حركة الإمدادات أو تقل الرحلات التجارية، ترتفع تكلفة نقل الكميات المتاحة، وقد تظهر فجوات في توفر بعض المنتجات.

ورغم أن بعض التجار تحدثوا عن تراجع محدود في أسعار عدد من السلع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع المعيشية، خصوصاً مع استمرار ضعف الدخول وتراجع قدرة الأسر على شراء احتياجاتها. فالأسعار قد تنخفض بصورة محدودة، بينما تظل مستوياتها أعلى من إمكانات شريحة واسعة من المستهلكين.

الأسر محدودة الدخل تدفع الثمن

تظهر التداعيات الإنسانية للأزمة بصورة أكثر وضوحاً لدى الأسر التي تعتمد على الأعمال الصغيرة والبيع اليومي لتوفير احتياجاتها. وقالت آيات إبراهيم، وهي نازحة من مدينة الفاشر وأم لأربعة أطفال، إنها تعمل في بيع الكسرة لتأمين احتياجات أسرتها، لكن انقطاع الكهرباء وضعف حركة الشراء أثرا بصورة كبيرة على نشاطها في سوق صابرين.

وأوضحت أنها أمضت ثلاثة أيام في العمل دون تحقيق أرباح تُذكر، وفي بعض الأحيان لم تتمكن من استرداد رأس المال الذي أنفقته على إعداد المنتجات. واضطرت إلى تجفيف الكميات المتبقية من الكسرة بدلاً من انتظار بيعها، لتجنب تلفها وخسارة قيمتها بالكامل.

وتكشف هذه الحالة جانباً من التأثير غير المباشر لانقطاع الكهرباء على الاقتصاد غير الرسمي، الذي تعتمد عليه أعداد كبيرة من الأسر السودانية، خصوصاً النازحين والنساء المعيلات وأصحاب المشروعات المنزلية الصغيرة. فهذه الأنشطة لا تمتلك عادة احتياطيات مالية تسمح لها بتحمل توقف الإنتاج أو تراجع المبيعات لعدة أيام.

كما أن ضعف حركة الأسواق ينعكس على سلاسل دخل مترابطة؛ فالتاجر الذي يبيع المواد الخام يتأثر بتراجع الطلب، والمنتج الصغير يعجز عن تصريف بضاعته، والمستهلك يقلص مشترياته بسبب ارتفاع الأسعار. وهكذا تتحول أزمة الكهرباء والوقود إلى عامل ضغط على قطاعات واسعة من السكان، حتى أولئك الذين لا يرتبط عملهم مباشرة بالطاقة.

محطة المرخيات وتداعيات هشاشة البنية التحتية

يمثل خروج محطة المرخيات التحويلية عن الخدمة تطوراً مهماً في أزمة الكهرباء بالخرطوم، بالنظر إلى طبيعة المحطة ودورها في تغذية مناطق واسعة من العاصمة ومحيطها. وقد جاء استهدافها بعد هجمات أخرى طالت منشآت كهربائية في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض خلال الفترة نفسها.

وأفادت وزارة الطاقة والنفط بأن محطة المرخيات تعرضت لأضرار واسعة نتيجة الهجوم الذي وقع في 27 أكتوبر، بينما قالت مصادر محلية إن الانقطاع امتد إلى مناطق متعددة، مع تأثر خدمات المياه والأنشطة التجارية والمرافق التي تعتمد على الكهرباء.

وتشير هذه التطورات إلى أن استهداف البنية التحتية للطاقة لا يقتصر أثره على قطاع الكهرباء وحده، بل يمتد إلى قطاعات النقل والصحة والتعليم والصناعة والغذاء. فالمخابز والطواحين ومحطات المياه والمستشفيات تحتاج إلى إمدادات مستقرة، وأي خلل طويل الأمد يرفع تكلفة تقديم الخدمات ويزيد من هشاشة الأوضاع الإنسانية.

وفي ظل استمرار الحرب، تصبح عمليات إصلاح المحطات المتضررة وتأمين المعدات وقطع الغيار أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تتعرض شبكات الإمداد والمرافق الحيوية لهجمات متكررة. كما أن الاعتماد على المولدات الخاصة لا يمثل بديلاً متاحاً للجميع، بسبب ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة توفيره.

أزمة الطاقة تكشف اختلالات أعمق في الاقتصاد

على الرغم من أن الهجمات الأخيرة على منشآت الكهرباء ساهمت في تفاقم الوضع بأم درمان، فإن أزمة الوقود في السودان سبقت هذه التطورات، وترتبط بعوامل أوسع تشمل تراجع الإنتاج المحلي، والاعتماد على الاستيراد، وصعوبات النقد الأجنبي، وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد نتيجة الحرب.

وكان رئيس الوزراء كامل إدريس قد أعلن في الأول من أكتوبر توجيهات بزيادة إمدادات المشتقات النفطية إلى محطات الخدمة، في محاولة لمعالجة النقص الذي أدى إلى ظهور طوابير طويلة وارتفاع الأسعار في السوق الموازية. غير أن استمرار شح الوقود خلال الأسابيع التالية يشير إلى أن معالجة الأزمة تحتاج إلى ما يتجاوز زيادة الإمدادات بصورة مؤقتة.

كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل يخلق حلقة اقتصادية يصعب كسرها؛ فزيادة سعر الوقود ترفع تكلفة نقل السلع، وارتفاع النقل يزيد أسعار المواد الغذائية، بينما يؤدي تراجع القدرة الشرائية إلى انخفاض الطلب، الأمر الذي يضغط على التجار والمنتجين ويقلص فرص العمل والدخل.

ما المطلوب لاحتواء الأزمة؟

تحتاج أسواق أم درمان إلى إجراءات عاجلة لتأمين الوقود المخصص للأنشطة الإنتاجية والخدمية، مع إعطاء الأولوية للمخابز والطواحين ومحطات المياه والمرافق الصحية، والعمل على تسريع إصلاح محطة المرخيات وإعادة استقرار الإمدادات الكهربائية.

كما تتطلب المرحلة رقابة أكثر فاعلية على توزيع الوقود والأسعار في السوق الموازية، وضمان وصول الإمدادات إلى المستهلكين والأنشطة التجارية دون احتكار أو استغلال لحالة الندرة. ويمكن أن تسهم ترتيبات مؤقتة لتوفير الوقود للأنشطة الحيوية في منع توقف الإنتاج، والحد من انتقال تكاليف الأزمة إلى أسعار الغذاء.

لكن الحل المستدام يظل مرتبطاً بحماية البنية التحتية المدنية، وإبعاد المنشآت الخدمية عن العمليات العسكرية، وإيجاد ترتيبات تضمن استمرار الكهرباء والوقود والمياه في المناطق السكنية والأسواق.

وتكشف أزمة أم درمان أن الحرب لا تدمر المنشآت المادية فحسب، بل تضرب أيضاً قدرة المجتمع على إنتاج الغذاء وتداوله والحصول عليه. فعندما تتوقف الطواحين، وتتحول المخابز إلى الحطب، وتعجز الأسر عن بيع منتجاتها اليومية، يصبح انقطاع الكهرباء والوقود أزمة معيشية متكاملة تتجاوز حدود الخدمات إلى الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

وفي مدينة تحاول استعادة نشاطها التجاري والحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب، تبرز الحاجة إلى حماية ما تبقى من البنية التحتية وإعادة انتظام الإمدادات، لأن استمرار هذا الوضع يعني مزيداً من تراجع الإنتاج وارتفاع تكلفة المعيشة واتساع دائرة الأسر التي تفقد مصادر دخلها. فاستعادة الأسواق لا تبدأ من فتح المحال التجارية وحده، بل من ضمان الطاقة والوقود والنقل وقدرة المواطنين على الشراء.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً