عبود النصيح – لقطة AI
29 أغسطس 2026
حين توقع الكويت وباكستان اتفاقاً عسكرياً جديداً، قد يبدو الأمر في ظاهره امتداداً طبيعياً لعلاقة دفاعية قديمة بين البلدين. لكن توقيت الاتفاق، وما يجري حوله من تحولات في الخليج والشرق الأوسط، يجعلان قراءته باعتباره مجرد برنامج جديد للتدريب العسكري قراءة ناقصة.
ففي 27 أغسطس، وقّع وزير الدفاع الكويتي الشيخ عبد الله علي عبد الله السالم الصباح ونظيره الباكستاني خواجة محمد آصف في باكستان ما أطلق عليه «اتفاق البروتوكول 2026»، لتوسيع إطار التعاون العسكري القائم منذ اتفاق الدفاع الموقع بين البلدين في 2023. ووفق البيان الرسمي الباكستاني، ستقدم القوات المسلحة الباكستانية مساعدات للكويت تشمل التدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود، إلى جانب مجالات دفاعية أخرى يتفق عليها الطرفان.
هذه البنود وحدها ليست ثورية، فالعلاقات العسكرية بين الكويت وباكستان ليست وليدة اللحظة. لكن الجديد هو أن التعاون يتحرك في اتجاه أكثر تنظيماً ووضوحاً، في وقت تبحث فيه دول الخليج عن خيارات إضافية لحماية أمنها، ولا سيما بعد سلسلة أزمات وضعت المنطقة أمام أسئلة صعبة حول الصواريخ والطائرات المسيّرة وأمن الحدود والموانئ والمنشآت الحيوية.
البيان الكويتي نفسه وصف الاتفاق بأنه خطوة مهمة في مسار التعاون العسكري، وقال إنه يوفر إطاراً لتعزيز التنسيق العملياتي وتبادل الخبرات ورفع مستوى الجاهزية والتكامل بين القوات المسلحة في البلدين. وهي لغة تتجاوز إلى حد ما فكرة إرسال مدربين أو استقبال ضباط في الأكاديميات العسكرية، وتوحي برغبة في بناء علاقة دفاعية أكثر مؤسسية واستمراراً.
لماذا باكستان؟
السؤال هنا ليس لماذا تتعاون الكويت عسكرياً مع دولة أخرى، بل لماذا تزداد أهمية باكستان تحديداً في الحسابات الخليجية؟
إسلام آباد تملك واحداً من أكبر الجيوش في العالم، ولديها خبرة طويلة في التدريب والعمليات العسكرية وحماية الحدود. كما أن علاقاتها مع دول الخليج ليست جديدة، وشارك عسكريون باكستانيون طوال عقود في مهام تدريبية واستشارية في المنطقة.
لكن وزن باكستان لا يأتي من حجم جيشها فقط. فهي قوة نووية، ولديها قاعدة متنامية للصناعات الدفاعية، كما تحافظ على علاقات وثيقة مع الصين، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات مع الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج. هذه القدرة على التحرك بين دوائر سياسية متباينة تمنحها مساحة لا تتوافر بسهولة أمام كثير من القوى الإقليمية.
والأهم أن الاتفاق الكويتي يأتي بعد تطور أكبر حدث خلال الشهر نفسه. ففي السابع من أغسطس وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، ونص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً عليها جميعاً.
عند وضع الاتفاقين جنباً إلى جنب، يبدأ المشهد في الظهور بصورة مختلفة. فباكستان لم تعد تتحرك فقط باعتبارها دولة تقدم التدريب العسكري للخليج، وإنما أصبحت طرفاً في ترتيبات أمنية تتفاوت في قوتها من دولة إلى أخرى.
الكويت ليست السعودية.. حتى الآن
مع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار الاتفاق الكويتي نسخة من اتفاق مكة.
المعلومات الرسمية المنشورة بشأن الاتفاق مع الكويت لا تتضمن بنداً للدفاع المشترك، ولا تنص على أن تعرض أحد الطرفين لهجوم يعني دخول الطرف الآخر الحرب. ما أُعلن يدور حول التدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود والتنسيق العسكري وتبادل الخبرات. لذلك فالأدق وصفه بأنه توسيع للشراكة الدفاعية وليس تحالفاً عسكرياً ملزماً.
لكن ذلك لا يقلل من أهميته.
فالاتفاقات الدفاعية لا تبدأ دائماً بمادة تتحدث عن الحرب المشتركة. أحياناً تبدأ بالتدريب، ثم الاستخبارات، ثم المناورات، ثم الدفاع الجوي وحماية الحدود، قبل أن تتطور ـ إذا تطابقت المصالح ـ إلى ترتيبات أكثر عمقاً.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي هو: هل ما يحدث بين الكويت وباكستان حالة ثنائية منفصلة، أم أنه جزء من اتجاه خليجي أوسع نحو إشراك باكستان بصورة أكبر في أمن المنطقة؟
المؤشرات الحالية تسمح بطرح السؤال، لكنها لا تكفي بعد للقول إن مظلة أمنية باكستانية شاملة للخليج قد تشكلت.
الخليج يبحث عن أكثر من باب
لأكثر من نصف قرن ظل الأمن الخليجي مرتبطاً بصورة كبيرة بالولايات المتحدة وشبكتها العسكرية في المنطقة. ولا توجد مؤشرات جدية حتى الآن على أن دول الخليج تستعد للاستغناء عن هذه العلاقة أو أن باكستان تستطيع أن تحل محلها.
لكن ثمة فرقاً بين الاستغناء عن واشنطن وبين تقليل الاعتماد على طرف واحد.
وهنا ربما يكمن جوهر التحول.
دول الخليج باتت أكثر اهتماماً بتوسيع شبكة علاقاتها الدفاعية: الولايات المتحدة موجودة، لكن تركيا موجودة أيضاً، وباكستان تتقدم، كما تتوسع الشراكات العسكرية والصناعية مع قوى أخرى. والفكرة ليست بالضرورة استبدال تحالف بتحالف آخر، وإنما امتلاك خيارات متعددة إذا تغيرت الظروف السياسية أو العسكرية.
بالنسبة للكويت، الدولة الصغيرة جغرافياً والموجودة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، فإن زيادة عدد الشركاء القادرين على المساهمة في التدريب وحماية الحدود ورفع الجاهزية تبدو خياراً مفهوماً، خصوصاً في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
وماذا تريد إسلام آباد؟
باكستان بدورها ليست طرفاً يقدم الخدمات العسكرية بلا مقابل سياسي أو اقتصادي.
التوسع في الخليج يمنحها ثقلاً دبلوماسياً أكبر، ويفتح الباب أمام استثمارات وفرص اقتصادية وعلاقات أعمق مع دول تملك موارد مالية وطاقة كبيرة. كما يمنح الجيش الباكستاني حضوراً خارج حدود جنوب آسيا ويجعل إسلام آباد أكثر تأثيراً في الملفات الإقليمية.
لكن المكاسب تحمل معها مشكلة محتملة: إيران.
باكستان تشترك مع إيران في حدود طويلة، وتحاول في الوقت نفسه لعب دور سياسي في خفض التوتر بينها وبين خصومها. وفي الأيام الأخيرة تحركت إسلام آباد دبلوماسياً بين طهران وواشنطن في محاولة للمساعدة على احتواء التصعيد الإقليمي.
لذلك لن يكون من السهل على باكستان أن تتحول إلى جزء من محور عسكري خليجي موجه بوضوح ضد إيران من دون أن تدفع ثمناً على حدودها الغربية وفي علاقاتها الإقليمية.
وقد تكون هذه هي المعادلة التي تريد إسلام آباد الحفاظ عليها: أن تكون شريكاً أمنياً للخليج من دون أن تصبح خصماً مباشراً لإيران.
الدور يتسع.. لكن المظلة لم تكتمل
الاتفاق الكويتي الجديد لا يعني أن باكستان أصبحت حامية للخليج، ولا أن القوات الباكستانية ستنتشر غداً في كل دولة خليجية، ولا أنه توجد مظلة نووية باكستانية ممتدة إلى الكويت.
لكن من الصعب أيضاً التعامل معه باعتباره اتفاقاً عادياً معزولاً عن السياق.
السعودية انتقلت إلى دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، والكويت توسع تعاونها العسكري مع إسلام آباد، وباكستان نفسها تتحرك سياسياً وأمنياً بوتيرة متزايدة داخل الشرق الأوسط. هذه الوقائع تقول إن مكانة باكستان في معادلة الأمن الخليجي تتغير.
ربما لا نرى ولادة بديل للمظلة الأمريكية، بقدر ما نشهد ولادة طبقة أمنية إضافية تريد دول المنطقة من خلالها ألا تضع كل أوراقها في يد حليف واحد.
ولهذا فإن أهمية الاتفاق بين الكويت وباكستان قد لا تكمن فقط فيما كُتب في بنوده، وإنما فيما قد يأتي بعده.
فإذا تبعته ترتيبات مماثلة مع دول خليجية أخرى، أو تطور التعاون إلى انتشار عسكري أو دفاع جوي أو تبادل استخباراتي أكثر عمقاً، عندها سيكون بالإمكان الحديث عن تحول حقيقي في بنية الأمن الخليجي.
أما الآن، فالمؤكد أن الدور الباكستاني يتسع.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة هو: إلى أين؟
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات