محررو لقطة AI – 13
8 أغسطس 2026
لم يعد الوصول إلى المحتاجين في مناطق الحرب السودانية مرتبطًا فقط بسلامة الطرق أو توافر الغذاء والدواء، بل بات العاملون في المجال الإنساني أنفسهم يواجهون خطر الاعتقال والتحقيق والاحتجاز داخل المناطق التي يُفترض أن يمارسوا فيها مهمتهم المدنية.
وتكشف تقارير حديثة عن حملة اعتقالات نفذتها استخبارات الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، وطالت موظفين في منظمات إنسانية ومدنيين ورجال دين في منطقة كاودا بولاية جنوب كردفان، وسط تصاعد التوترات الأمنية واتساع دائرة القيود المفروضة على النشاط المدني والإنساني.
اعتقال أربعة موظفين في منطقة الدار
بحسب مصادر محلية نقل عنها موقع «دارفور24»، اعتقلت استخبارات الحركة الشعبية–شمال، في 30 يوليو 2026، أربعة موظفين يعملون مع منظمات إنسانية في منطقة الدار، الواقعة قرب الحدود بين السودان ودولة جنوب السودان.
وذكرت المصادر أن المعتقلين هم: أيمن موسى، وهازقيل أيوب يعقوب، وجلال عبد الكريم، ومقبول كريم تاما، مشيرة إلى اقتيادهم إلى مقر تابع لاستخبارات الحركة.
ولم تتوافر حتى الآن معلومات موثقة بشأن طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم، أو الجهة التي تتولى التحقيق معهم، أو ما إذا كان قد سُمح لأسرهم ومحاميهم بالتواصل معهم. كما لم يُعلن عن تقديمهم إلى محكمة أو تحديد وضعهم القانوني.
ويثير غياب المعلومات الرسمية مخاوف متزايدة من تحول الإجراءات الأمنية الاستثنائية داخل مناطق سيطرة الحركة إلى نمط من الاحتجاز المفتوح، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعملون في قطاعات الإغاثة والصحة وبناء السلام.
اعتقال رجل دين والإفراج عنه
وفي سياق الحملة نفسها، أفادت المصادر بأن قوة عسكرية تابعة للحركة اعتقلت المبشر زكريا سليمان جانا، وهو رجل دين في كنيسة المسيح السودانية، أثناء خروجه من الكنيسة، قبل إطلاق سراحه في اليوم ذاته.
وعلى الرغم من قصر فترة احتجازه، فإن الواقعة أضافت بُعدًا جديدًا إلى المخاوف المتعلقة باتساع نطاق الملاحقات لتشمل، إلى جانب العاملين الإنسانيين، رجال الدين والفاعلين المدنيين داخل المجتمعات المحلية.
وتأتي هذه التطورات بينما تشهد كاودا ومناطق أخرى من جبال النوبة توترات بدأت بخلافات حول ترسيم الحدود بين بعض المجموعات القبلية منذ مارس 2026، قبل أن تتطور إلى مواجهات بين الحركة الشعبية وأفراد من قبيلة الأطورو، تصفهم الحركة بأنهم مجموعة متمردة.
وفي مثل هذه البيئات، كثيرًا ما تتداخل النزاعات المحلية مع الحسابات العسكرية والسياسية، ما يرفع منسوب الشك تجاه العاملين في المنظمات والوسطاء الأهليين والناشطين الذين يتحركون بين المجتمعات المتنازعة.
قضية نجوى موسى كاوندا
لا تبدو اعتقالات يوليو حادثة منفصلة، إذ سبقتها قضية الناشطة الإنسانية والمدافعة عن حقوق المرأة نجوى موسى كاوندا، التي اعتقلتها استخبارات الحركة الشعبية–شمال في كاودا في الأول من أبريل 2026.
وترتبط كاوندا بتاريخ طويل من العمل الإنساني والدفاع عن حقوق النساء وبناء السلام في جبال النوبة. كما شاركت سابقًا ضمن وفد الحركة الشعبية في مفاوضات السلام مع الحكومة السودانية، وأسهمت في تنفيذ خطة عمل أممية تهدف إلى إنهاء تجنيد الأطفال في مناطق سيطرة الحركة.
وقالت شبكة المبادرة الاستراتيجية للمرأة في القرن الأفريقي «صيحة» إن اعتقالها جاء عقب مشاركتها في جهود لمعالجة نزاع قبلي في منطقة ديبي بجبال النوبة. وأشارت الشبكة إلى أن أسرتها لم تتمكن، خلال مرحلة من احتجازها، من الاطمئنان عليها، وسط تقارير عن تدهور وضعها الصحي ورفض طلبات الزيارة.
وفي 14 يوليو 2026، أصدرت محكمة عسكرية حكمًا بسجن كاوندا لمدة عام، على خلفية منشور منسوب إليها في وسائل التواصل الاجتماعي انتقد انتهاكات قيل إن قوات تابعة للحركة ارتكبتها.
وقالت «لجنة العدالة» إن كاوندا ظلت محتجزة ثلاثة أشهر قبل صدور الحكم، وإنها لم تُبلّغ رسميًا بالتهم خلال فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة. وأضافت أنها محتجزة في سجن تبانيا، جنوب كادوقلي، وسط ظروف إنسانية صعبة وقيود على الزيارات والحصول على الدواء والرعاية الصحية.
وطالبت اللجنة بإطلاق سراحها وضمان حصولها على الرعاية الطبية، معتبرة أن محاكمة المدنيين أمام محكمة عسكرية واحتجازهم بسبب التعبير السلمي عن الرأي يتعارضان مع ضمانات المحاكمة العادلة والقواعد الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
العمل الإنساني بين الضرورة والاشتباه
تواجه المنظمات الإنسانية العاملة في مناطق سيطرة الحركات المسلحة معادلة بالغة التعقيد؛ فهي مطالبة بالوصول إلى مجتمعات تعاني نقص الغذاء والدواء والخدمات، لكنها تعمل في بيئة تنظر فيها الأجهزة العسكرية أحيانًا إلى الحركة بين المناطق أو التواصل مع جهات خارجية باعتباره نشاطًا أمنيًا محتملًا.
وتمنح الطبيعة المغلقة لمناطق النزاع، وضعف وجود المؤسسات القضائية المستقلة، الأجهزة العسكرية والاستخباراتية سلطة واسعة في توقيف الأفراد والتحقيق معهم، فيما تصبح فرص الرقابة القانونية والطعن في قرارات الاحتجاز محدودة للغاية.
ولا تتوقف آثار هذه الاعتقالات عند الأشخاص المحتجزين وعائلاتهم، بل تمتد إلى المجتمعات المستفيدة من خدماتهم. فاعتقال موظف إغاثة أو عامل صحي قد يؤدي إلى توقف برنامج غذائي أو إغلاق مركز صحي أو تعليق نشاط لحماية النساء والأطفال.
كما تدفع مثل هذه التطورات المنظمات إلى تقليص وجودها أو سحب موظفيها من المناطق عالية المخاطر، وهو ما يضاعف عزلة السكان في وقت تتزايد فيه حاجتهم إلى المساعدات.
سوابق في السودان وجنوب السودان
شهدت مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق، خلال مراحل سابقة من النزاع، حوادث احتجاز لعاملين إنسانيين وطواقم صحية وموظفين مرتبطين بوكالات دولية، غالبًا بدعوى دخول مناطق عسكرية دون تنسيق أو الاشتباه في صلاتهم بالأجهزة الحكومية. وانتهى بعض تلك الحوادث بالإفراج عن المحتجزين بعد تدخل المنظمات الدولية أو الوسطاء المحليين.
وفي جنوب السودان، سجلت حوادث مشابهة نفذتها قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة. ففي يونيو 2023 احتُجز أربعة موظفين تابعين لمنظمة «Women Training and Promotion» في منطقة بقاري بولاية غرب بحر الغزال أثناء توجههم إلى موقع يُبنى فيه مرفق صحي، قبل إطلاق سراحهم لاحقًا.
لكن من الضروري التمييز بين التنظيمين: الحركة الشعبية–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو تنشط داخل السودان، بينما الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة بقيادة رياك مشار طرف سياسي وعسكري في جنوب السودان. وتشابه الأسماء والجذور التاريخية لا يعني أنهما تنظيم واحد أو قيادة عسكرية واحدة.
صمت رسمي وأسئلة مفتوحة
حتى تاريخ إعداد هذه المادة، لم يُنشر رد رسمي مفصل من الحركة الشعبية–شمال يوضح أسباب اعتقال الموظفين الأربعة، أو طبيعة التهم المنسوبة إليهم، أو مكان احتجازهم، أو الضمانات القانونية المتاحة لهم.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تستند الاعتقالات إلى وقائع جنائية محددة يمكن إخضاعها لمحاكمة مدنية عادلة، أم أنها جزء من إجراءات أمنية موسعة تستهدف الحد من حركة المنظمات والناشطين داخل مناطق سيطرة الحركة؟
إن سيطرة أي قوة مسلحة على إقليم أو سكان لا تمنحها حق الاحتجاز بلا تهمة أو حرمان المعتقلين من المحامين والرعاية الطبية والزيارات العائلية. بل تفرض عليها مسؤولية أكبر في حماية المدنيين وضمان استمرار الخدمات الإنسانية بعيدًا عن الصراعات السياسية والعسكرية.
ومع اتساع رقعة الحرب وتراجع مؤسسات الدولة، يصبح العامل الإنساني أحد آخر الجسور التي تربط المجتمعات المحاصرة بالعالم الخارجي. وعندما يتحول هذا العامل من ناقل للمساعدة إلى معتقل مجهول المصير، فإن المتضرر الأول ليس المنظمة وحدها، بل المدني الذي ينتظر الدواء والغذاء والحماية.
المصادر
- حملة اعتقالات جديدة في كاودا – دارفور24
- لجنة العدالة تدين الحكم على نجوى موسى كاوندا
- نداء شبكة صيحة للإفراج عن نجوى موسى كاوندا
- احتجاز عمال إغاثة في بقاري بغرب بحر الغزال – راديو تمازج
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات