محررو لقطة AI – 19
4 أغسطس 2026
أخطر ما خرج من مدينة النهود بعد سقوطها لم يكن المقاتلين أو الآليات العسكرية وحدها، بل الشاحنات التي غادرت محملة بمحاصيل كان يفترض أن تتحول إلى غذاء ودخل للمزارعين وعائدات للاقتصاد السوداني. ففي الحرب، لا تبقى البضائع بضائع، ولا تظل السيارات وسائل نقل؛ إذ يمكن لشحنة من الفول السوداني أو الصمغ العربي أن تتحول خلال أيام إلى وقود وذخائر وقطع غيار وأموال نقدية تموّل جولة جديدة من القتال.
من هنا، لا تكمن مأساة النهود في تعرض سوقها ومنازلها ومخازنها للنهب فقط، وإنما في انتقال جزء من ثروتها إلى دورة اقتصادية جديدة، لا تخضع للدولة أو الضرائب أو التجارة القانونية، بل لقواعد القوة المسلحة والتهريب والمقايضة والجبايات.
لقد سقطت المدينة عسكرياً، ثم سقط اقتصادها مرة أخرى عندما تحولت أصول المدنيين ومحاصيل المنتجين ومركبات التجار إلى موارد قابلة لإعادة الاستخدام في الحرب.
مدينة كانت قيمتها في السوق قبل الميدان
لم تكن النهود مجرد نقطة عسكرية على خريطة غرب كردفان. فالمدينة تمثل بوابة تربط مناطق الإنتاج الزراعي في غرب كردفان وأجزاء من دارفور بأسواق وسط السودان وطرقه المؤدية إلى موانئ التصدير.
وفي أسواقها وبورصة محاصيلها كانت تتجمع كميات كبيرة من الفول السوداني والصمغ العربي والحبوب والماشية، إلى جانب شبكة واسعة من التجار والسائقين وأصحاب المخازن وشركات النقل والخدمات المصرفية.
هذه البنية جعلت السيطرة على النهود ذات قيمة تتجاوز الاستيلاء على مقر عسكري أو رفع راية فوق مبنى حكومي. فالطرف الذي يسيطر على المدينة يستطيع التحكم في الطرق، وحركة الشاحنات، ومسارات المحاصيل، والرسوم المفروضة على التجار، فضلاً عن الوصول إلى مخزون اقتصادي جاهز يمكن نقله أو بيعه من دون انتظار موسم إنتاج جديد.
وعندما سيطرت قوات الدعم السريع على النهود في الأول من مايو 2025، عقب معارك دفعت الجيش إلى الانسحاب من مقر اللواء 18، تزامن دخول القوات مع تقارير واسعة عن قتل مدنيين ونهب السوق والمستشفى والمحال التجارية والممتلكات الخاصة.
لكن ما حدث بعد انتهاء المعركة يكشف أن القضية لم تكن انفلاتاً مؤقتاً أعقب القتال، بل بداية عملية أوسع لإعادة توزيع ثروة المدينة خارج أصحابها الأصليين.
من النهب العشوائي إلى سلسلة اقتصادية
يُنظر عادة إلى النهب باعتباره جريمة تنتهي بمجرد الاستيلاء على الممتلكات. غير أن اقتصاد الحرب يعمل بطريقة أكثر تعقيداً؛ إذ تبدأ العملية بالاستيلاء على السلعة، ثم نقلها إلى منطقة أخرى، وبيعها أو مقايضتها، قبل إعادة استثمار عائداتها في احتياجات القوات.
وتشير شهادات جمعها تحقيق صحفي حديث إلى أن عمليات الاستيلاء في النهود شملت المنازل والمخازن والسيارات الخاصة والشاحنات والمحاصيل الزراعية، واستمرت لأكثر من أسبوعين بعد سقوط المدينة، في ظل غياب جهة قادرة على حماية المدنيين أو إعادة ممتلكاتهم.
ولا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية شاملة لحجم الخسائر، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة. غير أن إفادات مصادر شاركت في تأمين القوافل تحدثت عن وصول ما لا يقل عن 80 شاحنة محملة بالفول السوداني المقشور إلى مدينة نيالا بعد أيام من السيطرة على النهود، إلى جانب نقل كميات من الصمغ العربي وممتلكات أخرى إلى أسواق دارفور.
وهنا تظهر الحلقة الأولى في تحويل المنهوبات إلى مورد حرب: إخراج المحصول من سوقه الطبيعي، ثم إدخاله في سوق تسيطر عليه شبكات مسلحة أو تجار يعملون في مناطق نفوذها.
الحلقة الثانية تتمثل في تحويل المحصول إلى سيولة أو مقايضته مباشرة. فبدلاً من بيع الفول السوداني أو الصمغ العربي عبر القنوات الرسمية، يمكن استخدامهما للحصول على الوقود أو قطع غيار المركبات أو المواد الغذائية أو خدمات النقل والحماية.
أما الحلقة الثالثة فهي إعادة استخدام المركبات نفسها. فالشاحنة المنهوبة ليست مجرد أصل يمكن بيعه، بل وسيلة جاهزة لنقل المؤن والوقود والمقاتلين. والسيارة ذات الدفع الرباعي يمكن أن تتحول مباشرة من ملكية مدنية إلى مركبة تستخدم في العمليات العسكرية.
وبذلك تصبح عملية النهب ذات عائد مزدوج: الاستيلاء على الحمولة أولاً، ثم الاستفادة من وسيلة نقلها ثانياً.
الصمغ العربي.. سلعة عالمية بلا هوية واضحة
تزداد خطورة ما جرى في النهود بسبب طبيعة السلع الموجودة في أسواقها، وفي مقدمتها الصمغ العربي، الذي لا يُستهلك محلياً فقط، بل يدخل في سلاسل إنتاج عالمية تشمل الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل.
وينتج السودان نحو 80% من الإمدادات العالمية من الصمغ العربي، لكن الحرب غيرت طرق تجارته بصورة كبيرة، مع انتقال جزء من المحصول عبر أسواق حدودية ومسارات غير رسمية إلى دول الجوار، قبل إعادة تصديره وكأنه منتج جاء من دولة أخرى.
وكشفت تحقيقات دولية أن تجاراً عُرضت عليهم شحنات بأسعار تقل عن الأسعار المعتادة، ومن دون مستندات كافية تثبت مصدرها أو خلوها من الارتباط بالنزاع. كما تحدث منتجون وتجار عن فرض رسوم حماية وعبور على حركة الصمغ في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وتقول قوات الدعم السريع، من جانبها، إنها تحمي التجارة ولا تحصل سوى على رسوم محدودة، وتنفي الاتهامات المتعلقة بإدارة عمليات تهريب غير قانونية. غير أن غياب المؤسسات الرقابية والقضائية والجمارك الرسمية يجعل التحقق من مصدر السلعة ومسار عائداتها أمراً بالغ الصعوبة.
وفي هذه البيئة، يمكن لشحنة خرجت من مخزن منهوب في النهود أن تعبر عدة مدن وحدود، ثم تدخل السوق العالمية بعد تغيير أوراقها وبلد منشئها، بينما يفقد المزارع والتاجر السودانيان أي حق في قيمتها.
وقد أظهرت خرائط بحثية لمسارات تجارة الصمغ انتقال جزء من المحصول غرباً نحو تشاد وأفريقيا الوسطى، وجنوباً عبر جنوب السودان، ثم إلى موانئ وأسواق خارجية، بدلاً من الطريق التقليدي الذي كان ينتهي في بورتسودان.
الحرب لا تسرق المحصول فقط
المشكلة الأكبر أن اقتصاد النهب لا يكتفي بسرقة الإنتاج الموجود، بل يدمر القدرة على إنتاج موسم جديد.
فالمزارع الذي يفقد محصوله لن يمتلك المال الكافي لشراء البذور أو الوقود أو أدوات الزراعة. والتاجر الذي يفقد مخزنه وشاحناته قد يغادر السوق نهائياً. والسائق الذي تُصادر مركبته يفقد مصدر رزقه، بينما تتعطل حركة القرى والمنتجين نحو المدن.
وهكذا تتحول المنطقة تدريجياً من اقتصاد منتج إلى مجتمع يعتمد على المساعدات، في الوقت الذي تُستخدم فيه أصوله السابقة لتمويل الأطراف التي ساهمت في إفقاره.
ولا يقتصر الأمر على النهب المباشر؛ إذ أصبحت الرسوم المفروضة على الطرق والقوافل شكلاً آخر من أشكال التمويل. ففي مارس 2026، اتهمت غرفة طوارئ دار حمر قوات الدعم السريع بتحصيل مبالغ من تجار وأصحاب شاحنات تحت مسمى تأمين قافلة متجهة إلى الأبيض، قبل إحراق عدد من الشاحنات المحملة بالذرة والفول السوداني غرب النهود.
توضح هذه الواقعة أن التاجر قد يدفع أولاً مقابل السماح له بالحركة، ثم يخسر بضاعته ومركبته لاحقاً. وبهذا تتحول التجارة من نشاط يقوم على الإنتاج والمنافسة إلى مخاطرة تخضع لقرارات حاملي السلاح.
تفريغ المدينة من طبقتها المنتجة
كانت قوة النهود الاقتصادية قائمة على شبكة اجتماعية متكاملة: مزارعون ينتجون، وتجار يمولون الموسم، وأصحاب مخازن يحفظون المحصول، وسائقون ينقلونه، وعمال يفرزونه ويعبئونه، ومصارف تمول عمليات البيع والشراء.
عندما تتعرض هذه الشبكة للنهب والنزوح والانهيار، لا تفقد المدينة الأموال فقط، بل تفقد الخبرة والثقة والعلاقات التي بُنيت خلال عقود.
فالأسواق لا تعود إلى العمل بمجرد انتهاء المعارك، لأن رأس المال يمكن تعويضه جزئياً، لكن إعادة التجار والمنتجين والسائقين إلى مدينة فقدوا فيها ممتلكاتهم وأمنهم تحتاج إلى ضمانات سياسية وقانونية حقيقية.
وهذا هو الأثر الأعمق لاقتصاد الحرب: تحويل المدن إلى مساحات خالية من الطبقة المدنية القادرة على تمويل الحياة الطبيعية، مع إبقاء الطرق والمخازن والموارد تحت سيطرة القوى المسلحة.
النهود نموذج لا حادثة منفصلة
ما جرى في النهود ليس استثناءً سودانياً محدوداً، بل نموذج للطريقة التي تطيل بها الحروب الحديثة عمرها. فعندما تفقد القوات التمويل الرسمي، تبحث عن مصادر بديلة: الذهب، والمحاصيل، والمواشي، والرسوم، والسيارات، والوقود، وحتى المساعدات الإنسانية.
وكلما سيطر طرف مسلح على مدينة غنية بالموارد، تصبح لديه فرصة لتمويل عملياته من ممتلكات السكان، من دون الحاجة إلى اقتصاد وطني مستقر.
لذلك، فإن استعادة النهود مستقبلاً لا ينبغي أن تُختزل في تغيير السيطرة العسكرية عليها. فالمدينة تحتاج إلى عملية استعادة اقتصادية وقانونية تشمل توثيق الممتلكات المنهوبة، وتعقب الشاحنات والمحاصيل، وتعويض المنتجين والتجار، وإعادة فتح الطرق الرسمية، وملاحقة شبكات التهريب والبيع غير المشروع.
كما تحتاج تجارة الصمغ العربي السوداني إلى نظام تتبع دولي يحدد مناطق الإنتاج ومسارات النقل والمصدر الحقيقي للشحنات، حتى لا تتحول الشركات والأسواق الخارجية، بقصد أو من دون قصد، إلى المستفيد الأخير من اقتصاد الحرب.
المأساة المزدوجة
خسرت النهود مرتين: مرة عندما دخلتها الحرب، ومرة عندما خرجت ثروتها منها لتخدم الحرب نفسها.
تحولت محاصيل زرعها المزارعون تحت الشمس وانتظروا مواسمها أشهراً إلى وقود للسيارات العسكرية ومورد لشراء المؤن وتأمين طرق التهريب. وتحولت شاحنات التجار من أدوات تربط الريف بالأسواق إلى أصول تتنقل بين جبهات القتال والحدود.
أما السكان، الذين صنعوا قيمة المدينة الحقيقية، فقد تُرك كثير منهم أمام النزوح والفقر وفقدان الممتلكات.
إن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على النهود؟ بل من يملك محصولها وطرقها وأسواقها؟ ومن يحصل على الأموال المتولدة من ثرواتها؟ ومن يعيد الحقوق إلى أصحابها؟
فمن دون تفكيك اقتصاد النهب، ستظل استعادة المدن عسكرياً ناقصة، وسيبقى كل محصول جديد معرضاً لأن يتحول من مورد للحياة إلى مورد لحرب لا تنتهي.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التصنيف: تحليلات وتقارير
التعليقات
0 تعليقات