محررو لقطة AI – 9
25 أكتوبر 2026
حذّر مسؤولون إثيوبيون ومبعوثون دوليون، الجمعة 23 أكتوبر 2026، من أن التصعيد العسكري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لم يعد تهديدًا لحركة السفن التجارية وحدها، بل أصبح عاملًا يزيد هشاشة الأمن في القرن الأفريقي، وسط مخاوف من تداخل أزمات الملاحة والطاقة مع الحروب الداخلية والتوترات الحدودية والتنافس الإقليمي على الموانئ والممرات البحرية.
وجاءت التحذيرات خلال أعمال الدورة الثانية عشرة لمنتدى تانا رفيع المستوى للأمن في أفريقيا، المنعقد بمدينة بحر دار الإثيوبية خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر، بمشاركة مسؤولين أفارقة ومبعوثين من الأمم المتحدة ودول أوروبية، تحت شعار «مسارات نحو السلام في أفريقيا: السيادة الاقتصادية والتحول الجيوسياسي».
وأكد مدير جهاز المخابرات والأمن الوطني الإثيوبي، رضوان حسين، أن تجدد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر يمثل تصعيدًا مقلقًا تتجاوز تداعياته حدود الدول المطلة عليه، مشددًا على أن أمن هذا الممر الاستراتيجي لا يمكن ضمانه بجهود عدد محدود من الدول، وإنما يحتاج إلى تعاون إقليمي وشراكات دولية موثوقة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل تصاعد المواجهات المرتبطة بالحوثيين في اليمن، واضطراب حركة الملاحة في مضيق باب المندب، واستمرار التوترات العسكرية في الخليج ومضيق هرمز، وهي تطورات تزيد الضغوط على اقتصادات دول القرن الأفريقي، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على التجارة البحرية واستيراد الوقود والسلع الأساسية.
من أزمة ملاحة إلى تهديد إقليمي
لم تعد المخاطر التي تواجه البحر الأحمر مقتصرة على احتمال تعرض ناقلة نفط أو سفينة حاويات لهجوم عسكري. فالممر البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس يمثل جزءًا أساسيًا من شبكات التجارة الدولية، وأي اضطراب طويل فيه ينعكس على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وتتضاعف هذه المخاطر بالنسبة إلى دول القرن الأفريقي، حيث تعتمد إثيوبيا، وهي دولة حبيسة، بصورة كبيرة على الموانئ الجيبوتية للوصول إلى الأسواق العالمية، بينما يرتبط اقتصاد جيبوتي نفسه بحركة الموانئ والخدمات اللوجستية.
أما السودان، فيواجه وضعًا أكثر تعقيدًا بسبب الحرب الداخلية التي أضعفت البنية الاقتصادية وشبكات النقل والتجارة، وجعلت استمرار عمل ميناء بورتسودان ذا أهمية كبيرة لتدفق السلع والمساعدات الإنسانية.
وفي هذا السياق، فإن ارتفاع تكاليف التأمين البحري أو اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها قد يضيف أعباء اقتصادية جديدة إلى دول تعاني أصلًا ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية.
لكن حجم التأثير يختلف من دولة إلى أخرى، ولا يمكن افتراض أن كل اضطراب بحري يؤدي تلقائيًا إلى نقص الإمدادات أو ارتفاع الأسعار بالنسبة نفسها.
إثيوبيا تربط أمنها الاقتصادي بالبحر الأحمر
أوضح رضوان حسين أن بلاده تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره قضية ترتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وليس مجرد شأن يخص الدول الساحلية.
ويعكس هذا الموقف أهمية الممرات البحرية بالنسبة إلى إثيوبيا، التي تعتمد على الوصول إلى الموانئ الخارجية لتأمين تجارتها الدولية.
غير أن الدعوة الإثيوبية إلى دور إقليمي أوسع في حماية الملاحة تأتي في بيئة سياسية حساسة، بعدما أثارت مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر خلافات مع بعض دول الجوار خلال السنوات الماضية.
ولهذا فإن التمييز بين التعاون المشروع لحماية التجارة البحرية والخلافات المتعلقة بالسيادة على الموانئ والسواحل يظل ضروريًا لمنع تحول المبادرات الأمنية إلى مصدر جديد للتوتر.
وتؤكد إثيوبيا أن أمن البحر الأحمر يتطلب تعاون الدول المعنية وشركائها الدوليين، بينما تتمسك الدول الساحلية بحقوقها السيادية وبضرورة احترام القانون الدولي في أي ترتيبات تتعلق بالممر البحري.
وقد أعاد بيان مشترك أصدرته الصين وجيبوتي في 21 أكتوبر التأكيد على حرية الملاحة واحترام سيادة الدول الساحلية، مع الدعوة إلى تجنب الإجراءات التي تزيد المخاطر الأمنية في المنطقة.
الأمم المتحدة تحذر من ترابط الحروب
قدم المبعوث الأممي الخاص إلى القرن الأفريقي، غوانغ كونغ، قراءة أوسع للأزمة، محذرًا من أن النزاعات التي تشهدها المنطقة لم تعد قابلة للمعالجة بمعزل عن بعضها.
وأشار إلى التداخل بين الهجمات البحرية المرتبطة بالحوثيين، والحرب السودانية، والتحديات السياسية والأمنية في الصومال وجنوب السودان، والتوترات بين إثيوبيا وإريتريا.
وتكشف هذه المقاربة عن تحول مهم في طريقة النظر إلى أمن القرن الأفريقي؛ فالحروب الداخلية لم تعد مجرد أزمات محلية، كما أن اضطراب الملاحة لم يعد شأنًا اقتصاديًا منفصلًا عن التوازنات العسكرية والسياسية.
فالتوتر بين دولتين قد يؤدي إلى تشديد الإجراءات الحدودية، بينما يرفع اضطراب الموانئ تكاليف التجارة، وقد يزيد نقص الموارد من حدة التنافس الداخلي في الدول الهشة.
كما أن استمرار النزاعات يفتح المجال أمام شبكات تهريب السلاح والاتجار غير المشروع، ويزيد صعوبة فرض الرقابة على الحدود والممرات التجارية.
لكن وجود هذه الروابط لا يعني أن جميع النزاعات تخضع لقيادة واحدة أو أنها نتجت عن سبب مشترك؛ بل يعني أن آثارها المتبادلة تستدعي تنسيقًا إقليميًا أوسع.
السودان حاضر في نقاش أمن البحر الأحمر
احتلت الحرب السودانية موقعًا مهمًا ضمن المناقشات المتعلقة بأمن المنطقة، باعتبارها واحدة من الأزمات التي تزيد هشاشة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وكشف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان عن إجرائه حوارات منفصلة مع قوى سودانية بهدف تقريب المواقف ودفع الجهود الرامية إلى إيجاد مخرج للأزمة.
وتشير هذه الاتصالات إلى استمرار المساعي الدبلوماسية، لكنها لا تعني التوصل إلى اتفاق بين الأطراف السودانية أو تحقيق تقدم حاسم في مسار وقف الحرب.
وتكمن أهمية مشاركة الملف السوداني في منتدى تانا في أن الحرب تؤثر في دول الجوار عبر النزوح وحركة التجارة والمخاطر الحدودية، بينما يتأثر السودان بدوره بالتحولات الأمنية والاقتصادية المحيطة بالبحر الأحمر.
فميناء بورتسودان لا يمثل منفذًا تجاريًا فحسب، بل يؤدي دورًا مهمًا في استقبال الواردات والمساعدات الإنسانية، خصوصًا بعدما أدت الحرب إلى تعطيل أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي داخل البلاد.
وأي اضطراب إضافي في حركة الشحن قد ينعكس على تكاليف السلع والوقود والإمدادات الإنسانية، وإن كان تحديد هذا التأثير يحتاج إلى بيانات فعلية عن حركة السفن وأسعار النقل والتأمين.
كما أن تزايد التنافس العسكري حول البحر الأحمر قد يجعل السودان أكثر تعرضًا لضغوط إقليمية، في وقت يحتاج فيه إلى ترتيبات مستقرة لحماية حدوده وممراته التجارية.
أوروبا تخشى انتقال الأزمة إلى أسواق الطاقة
من جانبه، حذر المبعوث الألماني الخاص إلى القرن الأفريقي، هايكو نيتشكه، من أن استمرار التهديدات التي تواجه مضيقي هرمز وباب المندب قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واسعة، خصوصًا في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه شركات الشحن مخاطر أمنية متزايدة، بينما تضطر بعض الشركات إلى إعادة تقييم مسارات السفن وتكاليف التأمين.
وتتأثر الدول المستوردة للوقود والمواد الغذائية بصورة خاصة بارتفاع تكاليف النقل، لأن جزءًا من هذه الزيادة قد ينتقل إلى أسعار المنتجات النهائية.
أما المبعوث الفرنسي إلى القرن الأفريقي، فريديريك كلافبيه، فدعا إلى إعطاء الأولوية للحوار والوساطة بدلًا من الحلول العسكرية، محذرًا من التدخلات الخارجية التي قد تزيد تعقيد النزاعات.
وتعكس هذه المواقف إدراكًا أوروبيًا بأن أمن البحر الأحمر يرتبط بمصالح دولية واسعة، لكنه لا يمكن فصله عن استقرار الدول الواقعة على جانبيه.
التوتر الإثيوبي الإريتري يزيد المخاوف
لم تقتصر مناقشات المنتدى على التهديدات البحرية، إذ برزت الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا باعتبارها أحد مصادر القلق الإقليمي.
واتهم مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي للشؤون الأفريقية الشرقية، غيتاشو ردا، إريتريا بتأجيج الأزمات وتفضيل استخدام القوة على الحلول السياسية.
وتعكس هذه التصريحات استمرار التوتر بين البلدين، خصوصًا في ظل التطورات العسكرية والسياسية في شمال إثيوبيا.
لكن الاتهامات الإثيوبية تمثل موقفًا صادرًا عن مسؤول حكومي، ولا تكفي وحدها لإثبات مسؤولية إريتريا عن الوقائع المشار إليها.
وتزداد خطورة هذا التوتر بسبب الموقع الجغرافي للدولتين، وارتباطه بالنقاش المستمر بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.
فأي مواجهة عسكرية جديدة بينهما قد تؤثر في حركة التجارة والحدود، وتضيف أزمة أخرى إلى منطقة تواجه بالفعل حرب السودان والاضطرابات الأمنية في الصومال واليمن.
هل يستطيع القرن الأفريقي حماية مصالحه البحرية؟
أعادت مناقشات منتدى تانا طرح سؤال يتعلق بقدرة دول القرن الأفريقي على صياغة ترتيبات أمنية مشتركة، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
فالبحر الأحمر يجمع مصالح دول ساحلية وغير ساحلية، كما يستقطب قوى دولية تمتلك قواعد عسكرية أو مصالح تجارية واستراتيجية في المنطقة.
لكن بناء منظومة تعاون فعالة يحتاج إلى احترام سيادة الدول، وتحديد مسؤوليات كل طرف، وتطوير آليات لتبادل المعلومات والتنسيق البحري والاستجابة للحوادث.
كما يتطلب معالجة النزاعات البرية التي قد تقوض أي ترتيبات أمنية في البحر.
فلا يمكن فصل أمن الموانئ عن استقرار الطرق التي تربطها بالمناطق الداخلية، ولا يمكن ضمان استمرار التجارة إذا كانت الدول المحيطة بها تعاني حروبًا أو توترات حدودية متكررة.
وهنا تبرز أهمية المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد»، في دعم الحوار وتنسيق الجهود بين الدول المعنية.
لكن المنتدى لم يعلن، وفق المعلومات المتاحة، اتفاقًا أمنيًا جديدًا ملزمًا بشأن البحر الأحمر، ولا ينبغي التعامل مع الدعوات إلى التعاون باعتبارها ترتيبات دخلت حيز التنفيذ.
السودان بين الحرب الداخلية والمخاطر الإقليمية
بالنسبة إلى السودان، يضيف التصعيد في البحر الأحمر تحديًا جديدًا إلى أزمة وطنية ممتدة.
فالبلاد تحتاج إلى استمرار تدفق الواردات والمساعدات الإنسانية، وإلى استعادة النشاط الاقتصادي وإصلاح البنية التحتية المتضررة من الحرب.
كما أن موقع السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر يمنحه أهمية استراتيجية، لكنه يضعه في الوقت نفسه أمام تداعيات التنافس الإقليمي والدولي حول هذا الممر.
وقد يؤدي استمرار الاضطرابات البحرية إلى زيادة تكاليف التجارة، بينما يفرض تصاعد التوترات بين دول القرن الأفريقي تحديات إضافية على الدبلوماسية السودانية.
ولهذا فإن متابعة نتائج منتدى تانا ينبغي ألا تقتصر على التحذيرات العامة، بل تشمل معرفة ما إذا كانت الدول المشاركة ستتفق على خطوات عملية لتخفيف التوترات، وتأمين التجارة، ودعم جهود إنهاء الحرب السودانية.
وسيكون من المهم أيضًا متابعة الاتصالات التي يجريها المبعوث الأممي مع القوى السودانية، وما إذا كانت ستنتقل من الحوارات المنفصلة إلى مسار تفاوضي أكثر وضوحًا.
إن الرسالة الأساسية التي خرجت من مناقشات بحر دار تتمثل في أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية بحرية معزولة، وإنما أصبح مرتبطًا بمستقبل الاستقرار السياسي والاقتصادي في القرن الأفريقي.
فالحروب الداخلية والتنافس على الموانئ واضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف الطاقة تمثل أزمات مختلفة، لكنها قد تضاعف آثار بعضها بعضًا.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الدول المعنية هو تحويل التحذيرات الدبلوماسية إلى تعاون يحمي المصالح المشتركة ويحترم سيادة الدول، بدلًا من السماح بتحول البحر الأحمر إلى ساحة إضافية للصراع.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات