محررو لقطة AI
24 أكتوبر 2026
حذر صندوق النقد الدولي من دخول اقتصادات رئيسية في منطقة الخليج مرحلة ركود حاد خلال عام 2026، بعدما تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في اضطرابات واسعة بإنتاج النفط والغاز وحركة الملاحة والتجارة والاستثمار، في تحول اقتصادي يعكس اتساع تكلفة المواجهة العسكرية إلى دول لم تكن تعاني قبل اندلاع الحرب من أزمات إنتاجية بهذا الحجم.
وكشف التقرير الإقليمي الجديد، الصادر في دبي الخميس 22 أكتوبر 2026، عن توقعات بانكماش الناتج الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3% خلال العام الحالي، مقابل توقعات بانتعاش يبلغ 6.6% في عام 2027، شريطة تراجع حدة المواجهات وعودة التجارة وإنتاج الطاقة تدريجيًا إلى مستويات أقرب إلى طبيعتها.
لكن الصندوق حذر من أن التعافي المتوقع لن يعني بالضرورة تعويض جميع الخسائر، إذ يُرجح أن تظل مستويات الإنتاج في اقتصادات عديدة دون التقديرات التي كانت متوقعة قبل الحرب.
ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه يكشف أن ارتفاع أسعار النفط لا يعني تلقائيًا تحسن أوضاع الدول المنتجة، خصوصًا عندما تتعرض منشآت الإنتاج والتصدير نفسها للتعطيل.
فقد تضررت بعض الاقتصادات الخليجية من انخفاض كميات النفط والغاز التي تستطيع إنتاجها أو تصديرها، رغم ارتفاع الأسعار العالمية.
وبحسب التقرير، تواجه الكويت وقطر والبحرين والعراق انكماشات اقتصادية تتجاوز عشرة في المئة، بينما يُتوقع أن تسجل السعودية والإمارات تراجعًا في الناتج المحلي خلال العام الحالي.
أما سلطنة عمان، فتبدو أقل تعرضًا للاضطرابات المباشرة في حركة صادرات الطاقة، بسبب موقعها الجغرافي ووجود منافذ بحرية خارج مضيق هرمز.
كيف تحولت الحرب إلى أزمة اقتصادية؟
لم تقتصر تداعيات الحرب على الضربات العسكرية والخسائر المباشرة في المنشآت، وإنما امتدت إلى تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتراجع الثقة في استقرار المنطقة.
فقد أدى اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز إلى تقليص حركة بعض صادرات الطاقة، بينما زادت الهجمات على المنشآت النفطية والمطارات والموانئ من صعوبة المحافظة على النشاط الاقتصادي المعتاد.
وتأثرت كذلك قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، التي تمثل جزءًا متزايد الأهمية في اقتصادات دول الخليج.
ويعني ذلك أن الأزمة لا ترتبط بالنفط وحده.
فحتى الدول التي تمتلك احتياطيات مالية كبيرة تواجه تحديات عندما تتراجع حركة السفر والاستثمار وتزداد تكاليف حماية المنشآت والبنية التحتية.
وقد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى تأجيل مشروعات استثمارية أو زيادة تكاليف تنفيذها، خصوصًا المشروعات التي تعتمد على المعدات المستوردة والتمويل الدولي.
أرقام تكشف تفاوت الخسائر
أظهرت التوقعات التي تناولتها التقارير الاقتصادية أن الكويت قد تواجه انكماشًا بنحو 16.7%، وقطر بنسبة 15.6%، والبحرين بنسبة 11.3%.
كما يُتوقع انكماش الاقتصاد الإماراتي بنسبة 3.9% والسعودي بنسبة 3.3%.
وتعكس هذه الفوارق اختلاف حجم تعرض كل دولة لاضطرابات الطاقة والتجارة، وقدرتها على استخدام مسارات بديلة للتصدير.
لكن ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها توقعات اقتصادية قابلة للمراجعة، وليست نتائج نهائية للناتج المحلي الإجمالي.
فالتوقعات تعتمد على افتراضات تتعلق بمدة الحرب وحجم الإنتاج النفطي وقدرة الدول على إصلاح المنشآت واستعادة النشاط التجاري.
وأي تغير جوهري في هذه العوامل قد يؤدي إلى تعديل التقديرات صعودًا أو هبوطًا.
مفارقة النفط المرتفع والإنتاج المنخفض
تظهر المفارقة الاقتصادية الأبرز في أن ارتفاع أسعار النفط، الذي يفترض أن يدعم إيرادات الدول المنتجة، يتزامن مع انخفاض قدرة بعض تلك الدول على إيصال إنتاجها إلى الأسواق.
فقد تجاوز خام برنت مستوى 114 دولارًا للبرميل خلال تعاملات الجمعة، مدفوعًا بالمخاوف من استمرار الهجمات على منشآت الطاقة وتعطل الملاحة.
لكن ارتفاع السعر لا يعوض بالضرورة خسارة كميات كبيرة من الإنتاج أو زيادة تكاليف النقل والتأمين.
كما أن توقف بعض المنشآت أو تضررها قد يفرض تكاليف إضافية لإعادة التشغيل والصيانة.
ولهذا فإن الاقتصاد النفطي لا يعتمد على السعر وحده، وإنما على حجم الإنتاج والصادرات واستقرار البنية التحتية وقدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها التجارية.
ويكشف التقرير أن الحرب أصبحت تهدد هذه العناصر مجتمعة.
السودان أمام تداعيات غير مباشرة
رغم أن التقرير يركز على اقتصادات المنطقة، فإن تداعيات الاضطرابات الخليجية تستحق اهتمامًا خاصًا في السودان.
فالسعودية والإمارات ودول خليجية أخرى ترتبط بالسودان بعلاقات تجارية واستثمارية، كما تمثل أسواق عمل لمواطنين سودانيين يعتمد بعض أفراد أسرهم على تحويلاتهم المالية.
وقد يؤدي تباطؤ النشاط الاقتصادي في دول الخليج إلى ضغوط على بعض قطاعات التوظيف والاستثمار، إذا استمر الركود لفترة طويلة.
لكن لا توجد بيانات تثبت حتى الآن أن توقعات صندوق النقد الجديدة أدت بالفعل إلى انخفاض تحويلات السودانيين العاملين في الخليج.
وتظل هذه المسألة أحد المؤشرات التي ينبغي مراقبتها خلال الأشهر المقبلة.
أما التأثير الأكثر وضوحًا فيرتبط بتكاليف الوقود والشحن.
فالسودان يعاني أصلًا تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الاستيراد وتعطل قطاعات واسعة من الإنتاج نتيجة الحرب.
وقد تؤدي زيادة أسعار الطاقة والنقل البحري إلى رفع تكلفة وصول السلع المستوردة، بما فيها بعض المواد الغذائية ومدخلات الإنتاج.
لكن حجم التأثير النهائي سيعتمد على أسعار التعاقدات الفعلية ومسارات الشحن والسياسات الجمركية والقدرة على توفير النقد الأجنبي.
ولهذا لا يمكن نسبة أي ارتفاع جديد في الأسعار السودانية إلى الأزمة الخليجية وحدها، دون فحص بقية العوامل المحلية.
هل يكون عام 2027 بداية التعافي؟
يتوقع صندوق النقد الدولي انتعاشًا اقتصاديًا قويًا في المنطقة خلال عام 2027، لكنه يربط ذلك بافتراض أساسي يتمثل في تراجع حدة الحرب خلال مطلع العام المقبل وعودة التجارة تدريجيًا.
ويعني ذلك أن توقعات النمو المرتفعة ليست ضمانًا لتعافٍ سريع، وإنما سيناريو مشروط بتحسن الأوضاع الأمنية.
كما أن النمو المرتفع بعد عام من الانكماش الحاد قد يعكس عودة الإنتاج من مستويات منخفضة، وليس بالضرورة تحقيق توسع اقتصادي جديد يتجاوز مستويات ما قبل الأزمة.
فإذا انكمش اقتصاد بنسبة كبيرة ثم عاد إلى النمو، فقد يحتاج إلى سنوات لاستعادة حجم النشاط الذي فقده.
ولهذا فإن تقييم التعافي يجب أن يعتمد على مستوى الناتج الفعلي وفرص العمل والاستثمار، وليس على معدل النمو السنوي وحده.
اختبار الاستقرار الإقليمي
حذر جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، من أن استمرار الحرب يمثل الخطر الأكبر على التوقعات الاقتصادية.
كما دعا الصندوق الحكومات إلى المحافظة على استقرار الأسعار والمالية العامة، وتجنب السياسات التي قد تزيد التضخم أو تضعف الثقة في المؤسسات الاقتصادية.
وتزداد أهمية هذه التوصيات في الدول التي تعاني ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
فالحكومات تواجه معادلة صعبة بين حماية المواطنين من ارتفاع الأسعار والمحافظة على الموارد المالية اللازمة لاستمرار الخدمات والاستثمار.
وقد يصبح اللجوء إلى الدعم الموجه للفئات الأكثر احتياجًا أكثر فاعلية من الإجراءات العامة المكلفة، خصوصًا عندما تطول الأزمة.
إن التقرير الجديد لصندوق النقد الدولي يكشف أن الحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد تهديد محتمل للاقتصاد الإقليمي، وإنما أصبحت عاملًا مباشرًا في تراجع الإنتاج والنشاط التجاري والاستثماري.
فالدول التي كانت تراهن على استمرار النمو وتنويع اقتصاداتها تواجه اليوم تحديات تتعلق بحماية المنشآت وإعادة تشغيل القطاعات المتضررة والمحافظة على ثقة المستثمرين.
أما بالنسبة إلى السودان، فإن هذه التطورات تضيف مصدرًا خارجيًا جديدًا للمخاطر الاقتصادية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الوطني ضغوطًا أشد ارتباطًا بالحرب وتراجع الإنتاج وانهيار العملة.
وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة مرتبطًا بمدى قدرة دول المنطقة على استعادة استقرار الطاقة والتجارة، وما إذا كانت المواجهات العسكرية ستتراجع قبل أن تتحول الخسائر المؤقتة إلى أضرار اقتصادية طويلة الأجل.
فالحروب لا تُقاس تكلفتها بعدد المنشآت التي تُدمّر فقط، وإنما كذلك بالاستثمارات التي تتوقف، وفرص العمل التي تضيع، والموارد التي تُستهلك في مواجهة آثارها بدلًا من توجيهها إلى التنمية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات