محررو لقطة AI
24 أكتوبر 2026
شهدت مناطق واسعة من دارفور وكردفان تصعيدًا جديدًا في العمليات الجوية التي ينفذها الجيش السوداني ضد مواقع قوات الدعم السريع، بعدما أفاد شهود عيان بتعرض مواقع عسكرية ومقار إدارية داخل مدينة الفاشر لضربات بطائرات مسيّرة، أسفرت عن تدمير معدات عسكرية وأضرار في ممتلكات مدنية بالسوق الرئيسي، إلى جانب تضرر مسجد السلطان علي دينار التاريخي وسط المدينة.
ونقلت صحيفة سودان تربيون، الخميس 22 أكتوبر 2026، عن شهود في الفاشر أن الغارات استهدفت دار الضيافة، ومقر الحكومة السابق، ومجمع الوزارات، ومواقع انتشار قوات الدعم السريع في حي الدرجة غربي المدينة.
وأضاف الشهود أن الهجمات أدت إلى تدمير معدات عسكرية، لكنها تسببت كذلك في خسائر بالممتلكات المدنية داخل السوق الرئيسي، وأضرار بمسجد السلطان علي دينار.
ولم تتوفر حصيلة مستقلة للقتلى والجرحى نتيجة هذه الغارات، كما لم تُنشر صور حديثة موثقة تسمح بتحديد حجم الأضرار التي لحقت بالمسجد أو السوق.
وامتدت الضربات إلى منطقة أبو جابرة بشرق دارفور، حيث تحدث شهود عن احتراق شاحنات محملة بالوقود ومركبات عسكرية ومدنية، بينما تعرضت مواقع في بابنوسة بغرب كردفان لهجمات جوية مماثلة.
وقال مصدر عسكري للصحيفة إن الجيش يسعى من خلال تكثيف عملياته الجوية إلى إضعاف القدرات الدفاعية والهجومية لقوات الدعم السريع، تمهيدًا لعمليات برية محتملة.
وأضاف المصدر أن الضربات الأخيرة أدت إلى مقتل عشرات من عناصر الدعم السريع وتدمير مستودعات وقود وأنظمة دفاع جوي في نيالا والفاشر.
لكن هذه الحصيلة تستند إلى إفادة عسكرية لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، ولا تتوفر بيانات موثقة تحدد حجم الخسائر الفعلية أو تأثيرها في القدرات القتالية لقوات الدعم السريع.
الفاشر تعود إلى قلب المواجهة
تكتسب الغارات الأخيرة أهمية خاصة بسبب موقع الفاشر في خريطة الحرب السودانية.
فقد شكل سقوط المدينة في أكتوبر 2025 تحولًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، بعدما أصبحت قوات الدعم السريع تسيطر على عاصمة شمال دارفور، عقب حصار طويل رافقته انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت الفاشر إلى أحد المراكز التي تسعى قوات الدعم السريع إلى تثبيت سيطرتها عليها، بينما يحاول الجيش إضعاف مواقعها باستخدام الضربات الجوية.
ويشير استهداف مقار إدارية وعسكرية داخل المدينة إلى استمرار اعتبارها موقعًا استراتيجيًا، رغم مرور نحو عام على سقوطها.
لكن العمليات الجوية، مهما بلغت كثافتها، لا تعني بالضرورة اقتراب استعادة المدينة.
فإعادة السيطرة على منطقة حضرية واسعة تحتاج إلى قوات برية وخطوط إمداد مستقرة وقدرة على الاحتفاظ بالمواقع.
كما أن طبيعة الانتشار العسكري داخل المدن تجعل الفصل بين الأهداف العسكرية والمناطق المدنية أكثر تعقيدًا.
ولهذا فإن التقدم العسكري لا يمكن قياسه بعدد الغارات وحده، وإنما بمدى تأثيرها الفعلي في مواقع السيطرة والقدرات العسكرية.
السوق الرئيسي ومسجد السلطان علي دينار
تمثل الأضرار المبلغ عنها في السوق الرئيسي ومسجد السلطان علي دينار جانبًا مهمًا من التطورات الأخيرة.
فالسوق ليس مجرد مركز لبيع السلع، وإنما جزء أساسي من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للفاشر، التي عانت لسنوات من الحصار وتعطل الإمدادات ونزوح السكان.
وقد يؤدي تضرر المتاجر والمخازن إلى زيادة صعوبة الحصول على الغذاء والمواد الأساسية، خصوصًا إذا استمرت الغارات أو أدت إلى توقف النشاط التجاري.
أما مسجد السلطان علي دينار، فيرتبط بالذاكرة التاريخية والدينية للمدينة، التي كانت عاصمة لسلطنة دارفور قبل ضمها إلى السودان في عام 1916.
ويحمل اسم السلطان علي دينار مكانة بارزة في تاريخ الإقليم، باعتباره آخر سلاطين دارفور المستقلين.
ولهذا فإن الإبلاغ عن أضرار في مسجد يحمل اسمه يستدعي اهتمامًا يتجاوز الخسائر المادية، إلى ضرورة حماية المواقع ذات القيمة التاريخية والثقافية.
لكن ينبغي التأكيد أن المعلومات المتاحة لا تحدد طبيعة الأضرار أو مدى اتساعها، ولا تثبت أن المسجد كان هدفًا مقصودًا للغارات.
ومن الضروري الحصول على صور حديثة موثقة أو تقييم ميداني مستقل قبل إصدار أحكام بشأن حجم الضرر.
لماذا يستهدف الجيش الوقود والدفاعات الجوية؟
تشير طبيعة المواقع التي تحدثت عنها المصادر العسكرية إلى تركيز الجيش على إضعاف قدرات الدعم السريع اللوجستية والدفاعية.
فإمدادات الوقود تمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل المركبات العسكرية ونقل القوات والذخائر والمؤن.
كما أن أنظمة الدفاع الجوي تؤثر في قدرة الطائرات على تنفيذ عملياتها فوق مناطق سيطرة الخصم.
ولهذا فإن تدمير مستودعات الوقود أو منظومات الدفاع، إذا ثبت، قد يحد من قدرة القوات المستهدفة على المناورة أو التصدي للضربات الجوية.
لكن هذا التأثير يعتمد على حجم المخزون المتضرر ووجود بدائل للإمداد ومدى قدرة القوات على تعويض خسائرها.
وقد شهدت الحرب السودانية توسعًا كبيرًا في استخدام الطائرات المسيّرة، ما جعل منشآت الوقود والمطارات والمخازن العسكرية أهدافًا متكررة.
وفي المقابل، أصبحت الأسواق والمناطق السكنية معرضة لمخاطر أكبر عندما تقع بالقرب من مواقع عسكرية أو تستخدم بعض مرافقها لأغراض مرتبطة بالحرب.
ولا يلغي وجود هدف عسكري داخل منطقة مأهولة الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين وتجنب الهجمات غير المتناسبة.
أبو جابرة وبابنوسة في الحسابات العسكرية
لا تقتصر أهمية الغارات على الفاشر.
فمنطقة أبو جابرة بشرق دارفور ترتبط بمسارات الحركة والإمداد في الإقليم، بينما تمثل بابنوسة إحدى المناطق المهمة في غرب كردفان.
ويشير امتداد العمليات إلى هذه المواقع إلى أن الجيش لا يركز على مدينة واحدة، وإنما ينفذ ضربات متزامنة على عدة محاور.
وقد يكون الهدف تقليل قدرة قوات الدعم السريع على نقل الموارد والقوات بين مناطق سيطرتها.
لكن تحديد ما إذا كانت هذه العمليات تمهد فعلًا لهجوم بري واسع يحتاج إلى مؤشرات إضافية، بينها تحركات القوات البرية وتغير مواقع السيطرة وتطور خطوط الإمداد.
فقد تستخدم الضربات الجوية أيضًا لاستنزاف الخصم أو تعطيل عملياته دون أن تتبعها حملة برية مباشرة.
ولهذا فإن الحديث عن قرب حسم المعارك في دارفور أو كردفان لا يستند حتى الآن إلى أدلة كافية.
المدنيون يدفعون تكلفة التصعيد
تأتي الغارات الأخيرة بعد أسبوع شهد سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في هجمات بطائرات مسيّرة بمناطق مختلفة من السودان.
وقد وثقت تقارير دولية ومحلية هجمات نُسبت إلى طرفي الحرب، طالت أسواقًا ومنازل ومرافق صحية ومناطق تجمع للنازحين.
ويزيد استمرار استخدام المسيّرات داخل المدن خطر وقوع خسائر مدنية، خصوصًا عندما تكون المعلومات عن الأهداف محدودة أو عندما تتداخل المواقع العسكرية مع الأنشطة السكانية.
كما أن تكرار الغارات قد يدفع الأسر إلى النزوح مجددًا، ويؤدي إلى تعطيل الأسواق والخدمات، حتى عندما لا تقع إصابات مباشرة.
ويصبح الوضع أكثر تعقيدًا في الفاشر، التي تعرضت مؤسساتها الصحية لتدمير واسع خلال الحصار السابق.
فقد كشف تحقيق حديث لهيئة الإذاعة البريطانية عن عشرات الهجمات التي طالت مرافق صحية في المدينة خلال الفترة من مايو 2024 إلى أكتوبر 2025.
وهذا يعني أن أي تصعيد جديد يحدث في بيئة تعاني أصلًا ضعف القدرة على تقديم العلاج والإسعاف.
هل تتغير خريطة السيطرة؟
يمكن قراءة الغارات الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة الضغط العسكري على قوات الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها.
لكن تغيير خريطة الحرب يتطلب أكثر من تدمير معدات أو استهداف مقار عسكرية.
فالقوات التي تتعرض لضربات جوية قد تعيد توزيع مواقعها أو نقل معداتها أو استخدام طرق إمداد بديلة.
كما أن السيطرة على المدن تعتمد على عوامل تتعلق بالقوات البرية والطرق والموارد والعلاقات المحلية.
وسيكون من المهم خلال الأيام المقبلة معرفة ما إذا كانت الغارات ستتبعها عمليات برية، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغير ملموس في مواقع السيطرة.
كذلك ينبغي متابعة حجم الأضرار المدنية، خصوصًا في السوق الرئيسي ومسجد السلطان علي دينار، والحصول على معلومات مستقلة بشأن الخسائر البشرية.
إن التصعيد الجوي الجديد في الفاشر وشرق دارفور وغرب كردفان يكشف استمرار اعتماد الجيش السوداني على القوة الجوية لإضعاف مواقع الدعم السريع.
لكنه يكشف أيضًا حجم المخاطر التي تواجه المدن الواقعة تحت القصف، حيث يمكن أن تتداخل الأهداف العسكرية مع الأسواق والمواقع التاريخية والمناطق السكنية.
وبين الروايات العسكرية عن تدمير المعدات وشهادات المدنيين بشأن الأضرار، تبقى الحاجة إلى التحقق المستقل ضرورية لفهم النتائج الحقيقية لهذه العمليات.
فالمعركة لا تُقاس فقط بما تخسره القوات المتحاربة من أسلحة ومواقع، وإنما كذلك بما يخسره المواطنون من أرواح ومنازل وأسواق ومؤسسات تشكل أساس حياتهم.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات