محررو لقطة AI – 7
25 أكتوبر 2026
أعادت مطالبات سودانية بإخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية للرقابة المدنية ملف الإصلاح الأمني والعسكري إلى واجهة النقاش السياسي، في وقت لا تزال فيه الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 تكشف حجم التعقيدات التي ترتبت على تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل السلطة العسكرية مع النفوذ السياسي والاقتصادي.
وطالب المشاركون في المنتدى الرابع لـ«نداء سلام السودان»، الذي نُظمت فعالياته عبر الإنترنت وأُعلنت مخرجاته الجمعة 23 أكتوبر 2026، بوضع المواطنين في صميم أي عملية مستقبلية لإصلاح القطاع الأمني والعسكري، والتأكيد على خضوع الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية لسيادة القانون والرقابة المدنية.
ولم تقتصر المطالبات على إعادة تنظيم القوات أو دمج التشكيلات المسلحة، بل امتدت إلى طرح أسئلة تتعلق بطبيعة الدولة السودانية، والجهة التي تمتلك الحق في استخدام القوة، والضمانات اللازمة لمنع عودة المؤسسات العسكرية إلى التدخل في الحياة السياسية.
وتكتسب هذه الدعوات أهميتها من توقيتها ومضمونها؛ فهي تأتي بينما يستمر القتال، لكنها تحاول نقل النقاش من سؤال كيفية إنهاء الحرب إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن بناء منظومة أمنية تمنع اندلاع حرب جديدة بعد توقف القتال؟
الإصلاح العسكري بين تعقيدات الماضي ومخاطر المستقبل
لم يكن ملف الإصلاح الأمني والعسكري جديدًا على المشهد السوداني. فقد احتل موقعًا محوريًا في المفاوضات التي أعقبت سقوط نظام الرئيس عمر البشير في أبريل 2019، وبرز بصورة أكثر حدة خلال الفترة الانتقالية، خصوصًا بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
وكانت قضية دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني واحدة من أكثر القضايا خلافًا بين الأطراف العسكرية والسياسية، سواء بشأن الجدول الزمني للدمج أو ترتيبات القيادة والسيطرة أو الجهة التي تمتلك سلطة الإشراف على العملية.
ومع اقتراب المرحلة الانتقالية من نهايتها المتعثرة، تحولت الخلافات حول مستقبل القوات النظامية إلى أزمة سياسية وعسكرية متصاعدة، قبل أن تنفجر الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023.
غير أن اختزال أسباب الحرب في الخلاف بشأن الدمج وحده يتجاهل عوامل أخرى، بينها التنافس على السلطة والموارد، وتعدد مراكز النفوذ العسكري، وضعف المؤسسات المدنية القادرة على إدارة الخلافات داخل الدولة.
وقد كشفت الحرب أن امتلاك الدولة قوات مسلحة متعددة، لكل منها قيادتها ومصادر تمويلها وتحالفاتها، يمثل تحديًا مباشرًا لاستقرار النظام السياسي، خصوصًا عندما لا توجد مؤسسات دستورية قادرة على تنظيم العلاقة بين هذه القوات ومحاسبة قياداتها.
وهنا تبرز أهمية الدعوات الحالية إلى التعامل مع الإصلاح الأمني بوصفه عملية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، لا مجرد ترتيبات إدارية لإعادة توزيع الجنود والأسلحة.
المواطن ليس متفرجًا على مستقبل المؤسسة العسكرية
ركز المشاركون في المنتدى على ضرورة تجاوز المقاربة التقليدية التي تحصر الإصلاح في المفاوضات بين القيادات العسكرية والسياسية.
فالمواطن الذي تعرض للنزوح أو فقد منزله أو شهد انهيار الخدمات الأمنية والقضائية يمتلك مصلحة مباشرة في تحديد طبيعة المؤسسات التي ستتولى حمايته مستقبلًا.
وتشمل هذه المصلحة ضمان عدم تعرض المدنيين للاعتقال التعسفي، ومنع استخدام القوات النظامية في الصراعات السياسية، وتوفير آليات مستقلة للتحقيق في الانتهاكات، وضمان عدم تحول المؤسسات الأمنية إلى أدوات لحماية مصالح مجموعات محددة.
كما أن المجتمعات المحلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق المتأثرة بالحرب تمتلك تجارب مختلفة مع المؤسسات العسكرية والأمنية، وهو ما يجعل مشاركتها في النقاش ضرورية لفهم الاحتياجات الأمنية الفعلية للسكان.
فالأمن بالنسبة إلى سكان المدن قد يرتبط بعودة الشرطة والمحاكم وحماية الممتلكات، بينما يرتبط بالنسبة إلى المجتمعات الريفية بحماية طرق التنقل والمزارع ومصادر المياه ومنع الاعتداءات المسلحة.
ولهذا فإن أي مشروع إصلاح لا يستمع إلى هذه المجتمعات قد ينتهي إلى إعادة إنتاج مؤسسات مركزية لا تستجيب بصورة كافية للاحتياجات المختلفة للسكان.
وتتفق هذه المقاربة مع المبادئ التي تتبناها الأمم المتحدة بشأن إصلاح القطاع الأمني، والتي تربط نجاح العملية ببناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وتحترم حقوق الإنسان دون تمييز.
حقوق الجنود ومصالح القيادات.. تمييز ضروري
من أبرز القضايا التي ناقشها المنتدى ضرورة الفصل بين الحقوق المهنية لأفراد القوات النظامية والمصالح السياسية والاقتصادية لبعض القيادات.
فالجندي أو ضابط الشرطة الذي يعتمد على راتبه لإعالة أسرته يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالأجور والسكن والاستقرار الوظيفي والرعاية الاجتماعية.
أما القيادات التي قد ترتبط مصالحها بالاحتفاظ بالسلطة أو النفوذ الاقتصادي أو تجنب المساءلة، فتطرح أوضاعها تحديات مختلفة تتعلق بإصلاح هياكل الحكم وإدارة الموارد.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في السودان، حيث ارتبطت المؤسسات العسكرية والأمنية خلال عقود بأنشطة اقتصادية ومؤسسات تجارية واستثمارية أثارت نقاشات متكررة بشأن الشفافية والرقابة على المال العام.
ولا يمكن تجاهل الآثار الاجتماعية لأي عملية واسعة لتسريح المقاتلين أو إعادة هيكلة القوات.
فالتسريح دون برامج تأهيل وفرص عمل قد يترك آلاف الأفراد المدربين على استخدام السلاح دون مصادر دخل مستقرة، بما يزيد احتمالات انتشار الجريمة أو العودة إلى التشكيلات المسلحة.
وفي المقابل، فإن الإبقاء على جميع القوات والتشكيلات ضمن هياكل متوازية قد يؤدي إلى استمرار الأعباء المالية والتنافس على الصلاحيات.
ولهذا تتطلب عملية الإصلاح موازنة دقيقة بين الاحتياجات الأمنية والقدرات الاقتصادية للدولة وحقوق الأفراد.
لماذا تعثرت محاولات الإصلاح السابقة؟
أشار المشاركون في المنتدى إلى أن تعثر الاتفاقات السابقة لم يكن ناتجًا بالضرورة عن غياب المبادئ المتفق عليها، وإنما عن ضعف آليات التنفيذ والرقابة ونقص القدرات الفنية اللازمة لتحويل الالتزامات السياسية إلى مؤسسات تعمل وفق القانون.
وتعيد هذه الملاحظة النقاش إلى واحدة من المشكلات المتكررة في التجربة السودانية، وهي الفجوة بين الاتفاق على النصوص والقدرة على تنفيذها.
فقد تضمنت وثائق سياسية سابقة التزامات ببناء جيش مهني موحد وإبعاد المؤسسات العسكرية عن النشاط الحزبي، لكن الخلافات بشأن الصلاحيات والقيادة والجدول الزمني ظلت قائمة.
وتوضح الدراسات التي نشرها مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن «DCAF» بشأن السودان أن الإصلاح يحتاج إلى التزام سياسي، وجداول زمنية واقعية، وتخطيط مؤسسي، وآليات قانونية واضحة للرقابة المدنية.
ولا تعني الرقابة المدنية إضعاف المؤسسة العسكرية أو التدخل في تفاصيل عملياتها المهنية، وإنما إخضاع القرارات الاستراتيجية والميزانيات والسياسات الأمنية للمؤسسات الدستورية المختصة، مع الحفاظ على التسلسل القيادي والانضباط العسكري.
ويبرز هنا تحدٍّ آخر يتعلق بمدى قدرة المؤسسات المدنية نفسها على ممارسة الرقابة بصورة فعالة، خصوصًا بعد سنوات من الحرب والانقسام السياسي وتعطل مؤسسات الدولة.
العدالة الانتقالية جزء من الإصلاح
لا يمكن فصل مستقبل المؤسسات الأمنية عن ملف الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال الحرب.
فإعادة دمج القوات أو إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية دون معالجة قضايا المساءلة قد تترك أسباب انعدام الثقة قائمة بين المواطنين والمؤسسات المكلفة بحمايتهم.
وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع جميع أفراد القوات النظامية باعتبارهم مسؤولين بصورة جماعية عن الانتهاكات يتعارض مع مبدأ المسؤولية الفردية والضمانات القانونية.
ولهذا تحتاج العملية إلى إجراءات واضحة للتحقيق في الجرائم، وتحديد المسؤوليات، وضمان حقوق الضحايا، مع توفير مسارات مهنية وقانونية للأفراد الذين لا تثبت مسؤوليتهم عن انتهاكات.
ويكتسب هذا الملف حساسية خاصة في المناطق التي شهدت عمليات قتل وتهجير وانتهاكات واسعة، حيث قد تصبح عودة المؤسسات الأمنية دون ضمانات للمساءلة مصدرًا جديدًا للخوف بدلًا من استعادة الثقة.
كما أن إصلاح الشرطة والأجهزة العدلية لا يقل أهمية عن إصلاح الجيش، لأن الأمن اليومي للمواطنين يرتبط بقدرة الدولة على إنفاذ القانون وحماية الحقوق وتسوية النزاعات دون اللجوء إلى القوة المسلحة.
من النقاش إلى الورقة الاستراتيجية
أعلن منظمو المنتدى أنهم لم يعتمدوا حتى الآن نموذجًا نهائيًا أو خطة محددة للإصلاح الأمني والعسكري، وأن العمل سيستمر لمراجعة المخرجات التحليلية وتطويرها تمهيدًا لإعداد ورقة استراتيجية.
وتعني هذه الخطوة أن ما طُرح لا يزال في مرحلة النقاش وصياغة التصورات، ولم يتحول إلى اتفاق سياسي ملزم أو برنامج تنفيذي معتمد.
وتبقى الأسئلة المتعلقة بالجدول الزمني للإصلاح، ومصادر تمويله، والجهات المشرفة عليه، وضمانات مشاركة المواطنين، مفتوحة أمام مزيد من الحوار.
كما سيكون من المهم معرفة ما إذا كانت الورقة المرتقبة ستتضمن آليات محددة لإشراك النساء والشباب والنازحين والمجتمعات المتأثرة بالحرب، أم ستكتفي بتأكيد المبادئ العامة للمشاركة المدنية.
وتبرز أهمية إتاحة نتائج الدراسات والبيانات التي استند إليها المنتدى، حتى يتمكن الباحثون والمؤسسات المدنية من تقييم المقترحات ومناقشتها بصورة مستقلة.
هل يستطيع السودان بناء جيش يحمي الدولة ولا يحكمها؟
يتجاوز السؤال المطروح في المنتدى مستقبل القوات المسلحة إلى طبيعة العلاقة التي يريد السودانيون إقامتها بين السلطة السياسية والمؤسسات الأمنية.
فالدولة تحتاج إلى قوات مسلحة مهنية قادرة على حماية حدودها وسيادتها، كما تحتاج إلى شرطة وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون وتخضع للمساءلة.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب نظامًا دستوريًا يحدد الصلاحيات، ويمنع تضارب السلطات، ويوفر ضمانات لعدم استخدام السلاح في المنافسة السياسية.
كما يتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انتشار التشكيلات المسلحة، بما فيها النزاعات المحلية والتهميش وضعف مؤسسات الدولة وتفاوت فرص التنمية.
إن المطالبات التي خرج بها منتدى «نداء سلام السودان» لا تمثل حتى الآن مشروع إصلاح مكتملًا، لكنها تعيد طرح سؤال أساسي بشأن مستقبل البلاد: هل سيقتصر إنهاء الحرب على وقف المواجهات بين الأطراف المسلحة، أم سيشمل إعادة بناء المؤسسات التي يفترض أن تمنع تكرارها؟
وستتحدد القيمة الفعلية لهذه المبادرة بقدرتها على الانتقال من المبادئ العامة إلى مقترحات قابلة للتنفيذ، تستند إلى مشاركة مجتمعية واسعة، وتحترم حقوق العاملين في المؤسسات النظامية، وتضمن مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
فالسودان لا يواجه تحدي إنهاء حرب قائمة فحسب، بل يواجه أيضًا مهمة بناء نظام أمني لا تتحول فيه القوة المسلحة إلى وسيلة للتنافس على الحكم، وتصبح فيه حماية المواطن معيارًا أساسيًا لنجاح المؤسسات.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات