الثقافة السودانية ترفض الصمت.. كيف يحمل الفنانون ذاكرة الوطن من المنافي إلى العالم؟
**خاص وحصري لموقع لقطة AI
في الوقت الذي تتصدر فيه أخبار الحرب والنزوح والعنف المشهد السوداني، يواصل الفنانون والمثقفون السودانيون كتابة رواية أخرى أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل أهمية عن المعارك الدائرة على الأرض. إنها رواية الذاكرة والهوية والثقافة، التي تجد طريقها إلى العالم عبر المعارض الفنية والعروض الموسيقية والفعاليات الثقافية المنتشرة في مدن مختلفة خارج السودان.
فعلى امتداد الأشهر الماضية، شهدت عواصم ومدن عالمية عدداً من الفعاليات التي حملت السودان إلى الجمهور الدولي بلغة الفن، في محاولة للحفاظ على الذاكرة الوطنية من الضياع، وتقديم صورة مختلفة عن بلد بات اسمه يرتبط في نشرات الأخبار بالحرب والأزمات الإنسانية.
الفن كوثيقة وطنية
في نيويورك، اجتمع عدد من المصورين السودانيين في معرض حمل عنوان “رؤى من السودان”، حيث عرضت عشرات الصور التي وثقت لحظات من الثورة السودانية والحرب والنزوح وحياة المدنيين.
ولم يكن الهدف من هذه الأعمال تقديم مشاهد إخبارية بقدر ما كان محاولة لحفظ الذاكرة الجماعية للسودانيين، وتحويل الصورة إلى وثيقة تاريخية تحفظ ما يجري للأجيال القادمة.
ويرى نقاد أن مثل هذه المعارض أصبحت تؤدي دوراً موازياً لدور المؤسسات الإعلامية، عبر نقل القصص الإنسانية التي قد تضيع وسط ضجيج الأحداث اليومية.
استدعاء الجذور
وفي فعاليات فنية أخرى، عاد الفنانون السودانيون إلى استحضار الرموز الحضارية القديمة المرتبطة بممالك كوش والنوبة والتراث الأفريقي السوداني.
فمعرض “كوشيات” الذي استضاف أعمالاً لفنانين سودانيين من أجيال مختلفة، قدم قراءة بصرية للهوية السودانية، وربط بين الماضي والحاضر في محاولة للإجابة على سؤال ظل مطروحاً بقوة خلال سنوات الحرب: من نحن؟ وما الذي يبقى من الوطن عندما تتشظى الجغرافيا؟
الموسيقى.. وطن لا تغلق حدوده
وفي الجانب الموسيقي، واصل الفنانون السودانيون تقديم عروض وحفلات في عدد من الدول، حافظت على حضور الأغنية السودانية وسط الجاليات السودانية والجمهور العربي والأفريقي.
وتحولت الموسيقى بالنسبة للكثيرين إلى وسيلة لمقاومة العزلة والنسيان، وإلى جسر يربط ملايين السودانيين الذين فرقتهم الحرب بين المنافي والمدن الجديدة.
ويقول متابعون للشأن الثقافي إن الأغنية السودانية لعبت خلال السنوات الأخيرة دوراً يتجاوز الترفيه، لتصبح حاملة للحنين والذاكرة والانتماء الوطني.
الثقافة في مواجهة الحرب
ورغم الظروف القاسية التي يمر بها السودان، إلا أن النشاط الثقافي السوداني خارج البلاد يكشف عن حقيقة مهمة؛ وهي أن الحروب قد تدمر المدن والمؤسسات، لكنها لا تستطيع بسهولة إيقاف حركة الثقافة والإبداع.
فالفنانون والكتاب والموسيقيون السودانيون وجدوا أنفسهم أمام مسؤولية جديدة تتمثل في الدفاع عن صورة السودان الإنسانية والحضارية أمام العالم، في وقت تتراجع فيه مساحة الاهتمام بالثقافة داخل البلاد بسبب الأولويات المعيشية والأمنية.
ما بعد الحرب
يبقى السؤال المطروح اليوم: ماذا سيحدث لهذه الطاقة الثقافية عندما تتوقف الحرب؟
يرى مثقفون أن ما يجري حالياً قد يؤسس لمرحلة جديدة من الإبداع السوداني، تستفيد من التجارب التي عاشها السودانيون في الداخل والخارج، وتعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة الوطنية بصورة أكثر عمقاً.
فالثقافة ليست ترفاً في حياة الشعوب، بل إحدى أدوات بقائها. وربما تكون المعارض واللوحات والأغاني التي يقدمها السودانيون اليوم في المنافي، جزءاً من عملية أكبر لحفظ روح الوطن حتى يحين موعد عودته إلى الاستقرار .



إرسال التعليق