×

أين الدراما السودانية في زمن الحرب؟

أين الدراما السودانية في زمن الحرب؟

عندما يغيب المجتمع والدولة… هل يغيب الفن أيضاً؟

لقطة AI

في الظروف الطبيعية، تُقاس قوة الدراما بقدرتها على الوعي  وكسب الجمهور وتحقيق النجاح الفني . لكن في اللحظات الاستثنائية من تاريخ الشعوب، تتحول الدراما إلى أكثر من مجرد وسيلة للكوميديا  وولكي تصبح  مرآة للوجع الجماعي، وذاكرة تحفظ ما جرى، وصوتاً يحاول أن يمنح المعنى وسط الفوضى.

ومن هنا يبرز سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه شديد التعقيد في جوهره: أين الدراما السودانية من أكبر كارثة وطنية شهدها السودان في تاريخه الحديث؟

السؤال لا يُطرح من باب الاتهام أو النقد السهل، لأن الدراما ليست كائناً منفصلاً عن المجتمع. فالممثلون والكتاب والمخرجون والمنتجون هم أبناء هذا الواقع نفسه، يعيشون الحرب ذاتها ويواجهون النزوح والخوف وفقدان مصادر الرزق كما يفعل ملايين السودانيين.

لذلك ربما يكون السؤال الأدق ليس: لماذا غابت الدراما؟ بل: كيف يمكن لها أن تستمر في ظل انهيار كثير من مقومات الحياة العامة؟

فالحروب لا تدمر الجيوش والبنية التحتية فقط، بل تمتد آثارها إلى المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية. وعندما تتوقف المسارح، وتُغلق الاستديوهات، ويهاجر الفنانون، وتصبح الأولوية للأمان والغذاء والدواء، يغدو الإنتاج الفني تحدياً وجودياً.

ومع ذلك، تُظهر تجارب الشعوب أن الفنون كثيراً ما تنبثق من قلب المآسي. فقد أنتجت الحروب في دول عديدة أعمالاً أدبية وسينمائية ودرامية خالدة، لأن مبدعيها عاشوا التجربة ولم يكونوا بعيدين عنها.

وفي السودان، تبدو المفارقة أكثر قسوة وقوة . فالحرب الحالية خلّفت ملايين النازحين وآلاف الضحايا، وغيّرت ملامح مدن كاملة، وولّدت قصصاً إنسانية قادرة على تشكيل ذاكرة فنية ووثائقية لهذه المرحلة.

إن غياب الدراما اليوم لا يعني غياب الحكايات، بل يعكس ربما أن المأساة ما تزال أكبر من قدرة المجتمع على استيعابها وروايتها.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في توقف الإنتاج مؤقتاً، بل في ضياع فرصة توثيق ما حدث. فالأمم التي لا تروي قصصها بنفسها تترك المجال لغيرها كي يصوغ روايتها من منظوره.

ولهذا فإن الحاجة إلى الدراما ليست ترفاً ثقافياً، بل جزء من فهم التجربة الجماعية. فالفن لا يوقف الحروب، لكنه يساعد المجتمعات على استيعاب آثارها، ويمنح الضحايا حضوراً في الذاكرة العامة، ويحوّل الأرقام إلى وجوه وقصص إنسانية.

وربما يأتي يوم تنتهي فيه الحرب، وتعود الكاميرات إلى العمل، وتفتح المسارح أبوابها من جديد. وعندها لن يكون السؤال: أين كانت الدراما؟

بل سيكون السؤال الأهم: كيف ستروي الدراما السودانية هذه السنوات الثقيلة من تاريخ البلاد؟

فالحروب تنتهي، لكن آثارها تبقى في الذاكرة طويلاً وتحتاج إلى من يرويها بصدق. وهنا تبرز مسؤولية صناع الدراما والكتاب السودانيين في توثيق ما حملته هذه المرحلة من ألم وصمود وتحولات إنسانية، عبر أعمال تحفظ الذاكرة الوطنية وتساعد الأجيال القادمة على فهم ما جرى. فالتاريخ لا يُكتب بالوثائق وحدها، بل أيضاً بالقصص التي تُبقي الإنسان في قلب المشهد. وعندما يصمت الرصاص، يجب أن يبدأ السرد؛ لأن ما لا يُروى قد يُنسى، وما يُنسى قد يتكرر.

إرسال التعليق

You May Have Missed