هل يتعرض السودان لتآمر إقليمي بدعم دولي؟
قراءة في الوقائع بين نظرية المؤامرة وحسابات المصالح
: عبود النصيح
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يتوقف الجدل حول سؤال يتردد في المجالس السياسية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي: هل ما يجري في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة والنفوذ، أم أن البلاد أصبحت ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الأزمة المحلية؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة عليه ليست سهلة. فالتاريخ الحديث يخبرنا أن الدول الواقعة في مناطق ذات أهمية استراتيجية نادراً ما تكون بمنأى عن التدخلات الخارجية، غير أن تحويل كل أزمة داخلية إلى مؤامرة كاملة قد يحجب أيضاً مسؤولية الفاعلين المحليين عن صناعة الكارثة.
السودان في قلب الجغرافيا السياسية ( جيوسياسي )
يصعب العثور على دولة إفريقية وعربية تمتلك الموقع الذي يتمتع به السودان.
فالسودان يطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، ويجاور سبع دول إفريقية وعربية، ويملك موارد زراعية ومعدنية ضخمة، إضافة إلى موقع يجعله نقطة وصل بين إفريقيا والشرق الأوسط.
هذه المعطيات جعلت السودان، لعقود طويلة، محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية التي تنظر إليه باعتباره أكثر من مجرد دولة تعاني اضطرابات داخلية.
في عالم السياسة لا تتحرك الدول بدافع الصداقة أو العداوة فقط، بل وفق حسابات المصالح والأمن القومي والنفوذ الاقتصادي.
لماذا يعتقد كثيرون بوجود تآمر؟
هناك عدة عوامل تدفع قطاعات واسعة من السودانيين إلى الاعتقاد بأن بلادهم تتعرض لمخططات خارج بدأت أول هذه العوامل هو تعدد الأطراف الأجنبية التي أبدت اهتماماً مباشراً بالأزمة السودانية، سواء عبر الوساطات أو المبادرات السياسية أو المواقف المعلنة تجاه أطراف النزاع.
وثانيها أن السودان شهد خلال العقود الماضية صراعات متكررة تداخلت فيها مصالح دول مختلفة، مما جعل فكرة التدخل الخارجي جزءاً من الوعي السياسي السوداني العام.
أما العامل الثالث فهو استمرار تدفق السلاح والتمويل والتأثير الإعلامي في محيط إقليمي مضطرب، الأمر الذي يجعل كثيرين يتساءلون عن الجهات المستفيدة من استمرار الحرب.
بين المؤامرة والمصلحة
مع ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين “المؤامرة” و”المصلحة”.
ففي العلاقات الدولية لا تحتاج الدول دائماً إلى التآمر السري لتحقيق أهدافها، إذ يكفي أحياناً أن تسعى كل دولة لحماية مصالحها الخاصة حتى تتولد نتائج تضر بدولة أخرى.
بمعنى آخر، قد لا يكون هناك اجتماع سري لتقسيم السودان، لكن قد توجد مصالح متعارضة تدفع أطرافاً مختلفة إلى دعم سياسات أو مواقف لا تخدم استقرار البلاد.
وهنا يصبح السؤال الأدق: من المستفيد من ضعف السودان؟
المستفيدون من دولة ضعيفة
تاريخياً، تمثل الدول القوية والمستقرة منافساً اقتصادياً وسياسياً أكبر من الدول المنهكة بالصراعات.
فالدولة التي تمتلك مؤسسات فعالة واقتصاداً مستقراً تستطيع حماية مواردها والتفاوض من موقع قوة.
أما الدولة التي تستنزفها الحروب فغالباً ما تصبح أكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية وأكثر عرضة للتأثيرات السياسية والاقتصادية القادمة من الخارج.
ومن هذه الزاوية أعتقد أن استمرار حالة الضعف وعدم الاستقرار في السودان يحقق مكاسب غير مباشرة لبعض القوى الإقليمية والدولية، حتى إن لم تكن هي من أشعلت الحرب.
المسؤولية الداخلية أولاً
ورغم أهمية العامل الخارجي، فإن اختزال الأزمة كلها في التدخلات الأجنبية يظل تفسيراً ناقصاً.
فالحروب لا تستمر سنوات طويلة بسبب الخارج وحده، بل لأنها وجدت بيئة داخلية خصبه تسمح لها بالاستمرار.
لقد كشفت الأزمة السودانية عن هشاشة مؤسسات الدولة، وضعف التوافق السياسي، وعمق الانقسامات الاجتماعية، وعجز النخب عن بناء مشروع وطني شامل .
وهذه عوامل محلية لا يمكن تحميل مسؤوليتها للخارج وحده.
هل يوجد دليل على مؤامرة دولية شاملة؟
حتى الآن لا توجد أدلة معلنة وحاسمة تثبت وجود تحالف دولي موحد يعمل وفق خطة واحدة لتفكيك السودان أو تقسيمه.
لكن في المقابل توجد مؤشرات واضحة على وجود تنافس إقليمي ودولي حول النفوذ والمصالح في السودان، وهو أمر لا يختلف كثيراً عما يحدث في مناطق أخرى ذات أهمية استراتيجية.
لذلك فإن القراءة الأكثر اتزاناً لا تنفي وجود التدخلات الخارجية، لكنها ترفض أيضاً إعفاء القوى المحلية من مسؤوليتها التاريخية.
الخلاصة
ربما لا يكون السؤال الصحيح هو: هل هناك مؤامرة على السودان؟
بل: لماذا أصبح السودان قابلاً لهذا القدر من التدخلات؟
فالدول القوية لا تمنع الآخرين من السعي وراء مصالحهم، لكنها تمتلك مؤسسات تجعل تلك المصالح تمر عبر القنوات المشروعة لا عبر الفوضى والحروب.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين ليس فقط كشف طبيعة التدخلات الخارجية، بل بناء دولة قادرة على حماية نفسها من أي نفوذ خارجي، أياً كان مصدره أو حجمه.
وفي عالم تحكمه المصالح، قد يكون أقوى رد على أي مخطط حقيقي أو متخيل هو بناء دولة مستقرة وعادلة وقادرة على الدفاع عن ذاتها ..



إرسال التعليق