محررو لقطة AI – 9
لقطة AI
6 نوفمبر 2026
تتحرك الحكومة السودانية نحو إعادة تنظيم علاقاتها التجارية مع دول الجوار، عبر مراجعة البروتوكولات والاتفاقيات التي تحكم حركة الصادرات والواردات والتبادل عبر المعابر الحدودية، في خطوة تستهدف توحيد الإجراءات وتعزيز الرقابة على التجارة الخارجية وزيادة العائدات العامة، وسط تحديات اقتصادية فرضتها الحرب وتراجع النشاط التجاري الرسمي.
وجاءت هذه التحركات ضمن مناقشات لجنة متابعة الأداء الاقتصادي، التي ترأس اجتماعها عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر، واطلعت على تقرير بشأن قوائم الصادر والوارد، إلى جانب ملف مراجعة بروتوكولات التجارة مع دول الجوار وتطويرها. ونقل وكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، جراهام عبد القادر، أن الاجتماع تناول كذلك قضايا اقتصادية أخرى تتصل بتحويلات السودانيين العاملين بالخارج وتطوير الأنظمة الحكومية الإلكترونية.
ولا تنفصل مراجعة البروتوكولات عن مسار حكومي بدأ قبل ذلك بأشهر، حين ناقشت وزارة المالية ووزارة الصناعة والتجارة إعادة ضبط تجارة الحدود، وتقييم الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة مع الدول المجاورة. وكان اجتماع موسع برئاسة وزير المالية جبريل إبراهيم قد شدد في أغسطس الماضي على ضرورة مراجعة الاتفاقيات التي تنظم تجارة الحدود بين الولايات ودول الجوار، تمهيداً لرفعها إلى مجلس الوزراء واعتماد إطار قانوني وتنظيمي موحد على المستوى القومي.
وتتمثل إحدى المشكلات التي تسعى الحكومة لمعالجتها في تعدد المرجعيات والإجراءات المنظمة للتجارة الحدودية، خصوصاً عندما تختلف الضوابط بين الولايات أو تتداخل صلاحيات المؤسسات الاتحادية والمحلية. ويؤدي غياب التنسيق الموحد إلى تعقيد حركة السلع، وخلق تفاوت في إجراءات التصاريح والرسوم والرقابة، كما يفتح المجال أمام أنشطة تجارية خارج القنوات الرسمية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في السودان بسبب امتداد حدوده البرية مع عدد من الدول، وارتباط مناطق واسعة من البلاد بالتجارة العابرة للحدود، سواء في حركة المنتجات الزراعية والحيوانية أو السلع الاستهلاكية والوقود والمواد الصناعية. وتوفر هذه التجارة فرصاً للأسواق المحلية ومصادر دخل للتجار والمنتجين، لكنها تحتاج إلى قواعد واضحة توازن بين تسهيل حركة البضائع وحماية الاقتصاد الوطني.
ومن أبرز الملفات المطروحة ضبط الصادرات والواردات، وتحديد السلع التي يمكن تداولها عبر المعابر، ومراجعة الإجراءات الجمركية والمالية، إلى جانب الحد من التهريب والتعاملات غير الرسمية. فالتجارة التي تمر خارج النظام المصرفي والجمركي تحرم الدولة من جزء من الإيرادات، وتضعف قدرتها على معرفة حجم التدفقات السلعية والنقدية، كما تجعل تقدير احتياجات الأسواق أكثر صعوبة.
وفي أغسطس الماضي، ناقشت الحكومة اعتماد منصة «بلدنا» الرقمية لإدارة إجراءات الصادرات والواردات، بحيث تُستخدم في إصدار التصاريح والأذونات اللازمة للمصدرين والمستوردين. ويعكس هذا التوجه محاولة لربط تنظيم التجارة بالتحول الرقمي، وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية، وتوفير مسار أكثر وضوحاً لمتابعة حركة السلع والإجراءات المرتبطة بها. غير أن نجاح المنصة يظل مرتبطاً بقدرتها على العمل بصورة مستقرة، وربط الجهات المعنية، وتوفير خدمات يمكن للتجار الوصول إليها في مختلف الولايات.
وعلى المستوى الإقليمي، برزت خلال الفترة الأخيرة تحركات لإعادة تنشيط العلاقات التجارية الثنائية. ففي أغسطس، أجازت اللجنة العليا لتنظيم التبادل التجاري بين السودان ودول الجوار مسودة اتفاقية للتعاون التجاري والصناعي مع إريتريا، إلى جانب بروتوكول لتجارة العبور والاستثمار في المناطق الحرة. وتهدف المسودة، وفق ما أعلنته وزارة الصناعة والتجارة، إلى زيادة التبادل التجاري وتسهيل حركة السلع وتعزيز التعاون الصناعي والاستثمار.
كما بحثت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب، في إسطنبول خلال نوفمبر، مع وزير التجارة الليبي سهيل أبو شيحة تطوير العلاقات التجارية بين البلدين، بما يشمل تجارة الحدود ونقل البضائع والمحروقات وضبط حركة رؤوس الأموال. وتناول اللقاء أيضاً التعاون في مجال الأمن الغذائي، والاتفاق على تعزيز التواصل بين الوزارتين لمتابعة الملفات التجارية المشتركة.
وتشير هذه التحركات إلى أن المراجعة لا تتعلق فقط بتعديل نصوص اتفاقيات قديمة، وإنما ترتبط بمحاولة بناء شبكة علاقات تجارية أكثر انتظاماً مع الدول المحيطة. فالسودان يحتاج إلى استعادة دوره في حركة التجارة الإقليمية، والاستفادة من موقعه الجغرافي الذي يربط بين القرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، فضلاً عن إمكاناته الزراعية والحيوانية والموارد الطبيعية.
لكن تحويل هذه التوجهات إلى نتائج عملية يتطلب معالجة مشكلات تتجاوز الاتفاقيات نفسها. فالمعابر الحدودية تحتاج إلى بنية تحتية وخدمات جمركية ومصرفية فعالة، كما تحتاج الطرق التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق إلى الصيانة والتأمين. وتظل صعوبات النقل والتمويل وتذبذب سعر الصرف وتعدد الرسوم من العوامل التي قد تحد من استفادة المصدرين والمستوردين من أي تسهيلات جديدة.
كذلك، فإن توحيد القواعد التنظيمية ينبغي ألا يتحول إلى زيادة في الأعباء الإدارية على التجار، بل يفترض أن يؤدي إلى تبسيط الإجراءات وتقليل زمن عبور البضائع وتحديد الرسوم بصورة معلنة. كما أن إشراك القطاع الخاص في صياغة البروتوكولات يساعد على تحديد العقبات الفعلية التي تواجه حركة التجارة، بدلاً من الاكتفاء بالترتيبات الحكومية.
وفي المحصلة، تضع مراجعة البروتوكولات التجارية أمام الحكومة اختباراً يتعلق بقدرتها على الانتقال من القرارات والاجتماعات إلى نظام موحد قابل للتطبيق. فنجاح الخطوة لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي يجري تحديثها، بل بمدى انعكاسها على انسياب السلع، وزيادة الصادرات، وتقليص التهريب، وتحسين موارد الدولة، وتخفيف تكاليف التجارة على المواطنين والمنتجين.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات