محررو لقطة AI – 19
لقطة AI
6 نوفمبر 2026
لم تعد هجمات الطائرات المسيّرة على قطاع الكهرباء في السودان حوادث متفرقة تستهدف منشأة بعينها، بل تحولت خلال عشرة أيام إلى موجة واسعة امتدت عبر جغرافيا البلاد، من النيل الأبيض وولايات الوسط والشرق إلى العاصمة ومناطق الشمال. وتكشف خريطة أعدتها وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة أن 15 محطة كهرباء في تسع ولايات تعرضت لهجمات بين 20 أكتوبر والأول من نوفمبر 2026، في تصعيد يضع واحدة من أكثر البنى الخدمية أهمية أمام اختبار قاسٍ في ظل استمرار الحرب.
واستندت الخريطة إلى بيانات رسمية وتقارير إعلامية ومشاهد ميدانية، إلى جانب صور أقمار صناعية استُخدمت لرصد بعض مواقع الاستهداف وآثار الحرائق. وتبرز أهميتها في أنها لا تكتفي بتسجيل حوادث منفصلة، وإنما ترسم مساراً جغرافياً متدرجاً للهجمات، وتوضح كيف انتقلت الضربات من محطات في وسط البلاد إلى منشآت في العاصمة والشمال والشرق.
بدأت الموجة في 20 أكتوبر باستهداف محطة تندلتي التحويلية غربي ولاية النيل الأبيض. وأدى الهجوم، وفق المعلومات التي أوردتها الجزيرة، إلى اندلاع حريق داخل المحطة وانقطاع الكهرباء عن تندلتي ومناطق مرتبطة بخطوط الإمداد، بينها أم روابة والأبيض في ولاية شمال كردفان. وأظهرت مقارنة صور فضائية التُقطت يومي 18 و20 أكتوبر تغيراً واضحاً في الموقع، مع ظهور آثار حريق ودخان داخل حدود المنشأة. ونقلت تقارير محلية عن تدمير محولين رئيسيين وخروج المحطة عن الخدمة.
وفي 26 أكتوبر، اتسعت الهجمات بصورة لافتة، بعدما أعلنت شركة كهرباء السودان القابضة تعرض خمس محطات تحويلية للاستهداف. وشملت المواقع محطات سنجة بولاية سنار، والحواتة والفاو بولاية القضارف، ومشكور بولاية النيل الأبيض، والجنيد بولاية الجزيرة. وقالت الشركة إن الهجمات ألحقت أضراراً بمكونات المحطات، وأدت إلى خروج الشبكة الجنوبية الشرقية عن الخدمة وانقطاع التيار الكهربائي عن ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة بسبب تزامن استهداف خمس منشآت في مناطق مختلفة خلال يوم واحد. فمحطات التحويل تؤدي دوراً أساسياً في نقل الكهرباء وتوزيعها، وأي خلل يصيب عدداً منها في وقت متقارب يمكن أن ينعكس على أجزاء واسعة من الشبكة، حتى المناطق التي لم تتعرض منشآتها لهجوم مباشر.
وفي 27 أكتوبر، انتقلت الهجمات إلى محطة المرخيات التحويلية في أم درمان، غربي العاصمة الخرطوم. وأعلنت السلطات تعرض المحطة لضربات بطائرات مسيّرة وخروجها عن الخدمة. كما أظهرت صورة فضائية التُقطت في اليوم التالي آثار حريق في الجزء الأوسط من المنشأة. وزار رئيس الوزراء كامل إدريس المحطة في 29 أكتوبر، وأوضح وزير الطاقة خلال الزيارة أهمية الموقع في نقل الكهرباء إلى الخرطوم والمناطق المجاورة.
وامتدت الاستهدافات في النيل الأبيض إلى محطة أم دباكر الحرارية والتحويلية. وأفادت الجزيرة بأن زيارة والي الولاية في 29 أكتوبر كشفت عن أضرار كبيرة شملت تدمير أربعة محولات رئيسية وإصابة إحدى وحدات التوليد البخارية، ما أدى إلى خروج المحطة عن الخدمة. ونُقل عن مدير شبكة كهرباء النيل الأبيض وشمال كردفان أن الأضرار تسببت في انقطاع واسع للتيار عن الولايتين، مع تحذيرات من أن الإصلاح قد يستغرق عدة أشهر.
وبحلول 30 أكتوبر، وصلت الهجمات إلى محطة شندي التحويلية بولاية نهر النيل، وأدى الاستهداف إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة. وفي اليوم التالي، تعرضت منشآت في منطقة هيا بولاية البحر الأحمر لهجمات، شملت محطة تحويل قيد الإنشاء ومنشأة مرتبطة بضخ النفط، وفق تقارير ومشاهد ميدانية. ولم تتوفر تفاصيل فنية رسمية مكتملة تسمح بتحديد حجم الأضرار في محطة هيا أو أثرها المباشر على الإمداد الكهربائي.
وفي الأول من نوفمبر، سُجل استهداف محطتي الدبة بالولاية الشمالية وأبو حمد بولاية نهر النيل. وأفادت تقارير بأن الهجومين تسببا في انقطاع الكهرباء عن المدينتين، فيما تحدثت السلطات المحلية عن أضرار كبيرة في محطة أبو حمد. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن محطة الدبة تعرضت للحريق، وأن أحد حراسها قُتل، في حين أدت الضربات على المحطتين إلى إضافة مواقع جديدة إلى قائمة المنشآت المتضررة.
وتشمل الولايات التي رصدت الخريطة تعرض محطات فيها للهجمات: النيل الأبيض، وسنار، والقضارف، والجزيرة، والخرطوم، والبحر الأحمر، ونهر النيل، والشمالية، وجنوب كردفان. ويعكس هذا التوزيع اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً، مع تفاوت طبيعة المنشآت والأضرار المبلغ عنها، بين محطات تحويلية ومحطة مرتبطة بالتوليد وأخرى قيد الإنشاء.
ولا تقف آثار هذه الهجمات عند انقطاع التيار عن المنازل. فالكهرباء عنصر أساسي في تشغيل المستشفيات ومراكز غسيل الكلى وبنوك الدم، وحفظ الأدوية واللقاحات، وضخ المياه وتشغيل المخابز والمنشآت التجارية. كما تتأثر الزراعة، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الكهرباء لتشغيل مضخات الري، بينما يحد نقص الوقود من قدرة المولدات الاحتياطية على تعويض الانقطاع.
وحذرت وكالة أسوشيتد برس من أن الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة باتت تضغط على الخدمات الأساسية، مشيرة إلى أن إنتاج الكهرباء في السودان تراجع من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاواط، وأن سد مروي أصبح يوفر أكثر من 70% من الكهرباء المتاحة. وتعني هذه الأرقام أن خروج محطات إضافية عن الخدمة يفاقم الاعتماد على مصادر محدودة، ويزيد هشاشة الإمداد في الولايات التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات.
سياسياً، اتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا بالتورط في الهجمات، وقال مسؤولون في مؤتمر صحفي عقد في 28 أكتوبر إن بياناتهم تشير إلى انطلاق مسيّرات من مواقع داخل الأراضي الإثيوبية، بينها مطار بحر دار. كما وجهت الخرطوم اتهامات إلى أطراف إقليمية بتقديم الدعم والإسناد لقوات الدعم السريع. وهذه اتهامات حكومية تتطلب التعامل معها بوصفها مواقف معلنة من طرف في الحرب، لا حقائق مستقلة محسومة بشأن مصدر كل هجوم أو الجهة التي نفذته.
وتواجه فرق الكهرباء تحديات تتجاوز إعادة توصيل التيار بعد كل هجوم؛ فإصلاح المحولات الرئيسية ووحدات التوليد يتطلب معدات متخصصة وقطع غيار ووقتاً كافياً، كما أن تكرار الاستهدافات يضع عمليات الصيانة في بيئة أمنية صعبة. وقد يؤدي تعطل منشأة واحدة ذات موقع محوري إلى استمرار الانقطاع لفترة طويلة، خصوصاً إذا لم تتوفر بدائل فنية أو قدرة كافية على تحويل الأحمال إلى محطات أخرى.
وتكشف حصيلة الأيام العشرة أن قطاع الكهرباء أصبح جزءاً مباشراً من تداعيات الحرب على حياة المدنيين، وأن اتساع الهجمات جغرافياً يجعل معالجة آثارها أكثر تعقيداً من إصلاح محطة منفردة. وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية، تبقى الحاجة ملحة إلى حماية المنشآت المدنية وضمان عدم تحول خدمات الطاقة والمياه والصحة إلى ضحايا إضافيين للصراع.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات