محررو لقطة AI – 19
9 أغسطس 2026
المفارقة القاسية في أزمة الخرطوم أن المياه لم تختفِ من المدينة، لكنها ابتعدت عن المضخات التي يفترض أن تنقلها إلى المنازل. فقد تراجع مجرى النيل عشرات الأمتار في بعض المواقع، تاركًا مآخذ محطات رئيسية معلقة فوق مستوى المياه، تسحب الهواء بدلًا من ضخ مياه الشرب إلى الأحياء.
ومع البنية التحتية التي أنهكتها الحرب، وانقطاع الكهرباء، ونهب المعدات، وتضرر شبكات التوزيع، تحول الانحسار المفاجئ في منسوب النيل من مشكلة فنية إلى أزمة بقاء تهدد ملايين السكان، خصوصًا مع تزايد أعداد العائدين إلى العاصمة.
هبوط تجاوز المتر في الخرطوم
بدأت الأزمة الحالية بعد انخفاض مفاجئ في كميات المياه الواردة إلى خزان الروصيرص على النيل الأزرق.
ووفق بيانات وزارة الزراعة والري السودانية، تراجع الوارد اليومي إلى بحيرة الخزان بين 7 و9 يوليو 2026 من 207 ملايين إلى 129 مليون متر مكعب، بانخفاض قدره 76 مليون متر مكعب يوميًا.
وانعكس ذلك على التصريف خلف خزان الروصيرص، الذي انخفض بنحو 100 مليون متر مكعب يوميًا، كما تراجع التصريف خلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يوميًا.
وأدى هذا التغير إلى هبوط مناسيب النيل في عدد من محطات القياس، بلغ 1.50 متر في الروصيرص، و1.70 متر في ود العيس، و1.60 متر في ود مدني، و1.08 متر في الخرطوم، و94 سنتيمترًا في الحلفايا، و54 سنتيمترًا في شندي.
وعزت الوزارة الانخفاض المؤقت إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض التصريف من سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة، مؤكدة أن الجهات الفنية تراقب الوضع وتدير الخزانات لضمان استقرار إمدادات المياه والري.
ولا تعني هذه الأرقام أن السودان يواجه نقصًا شاملًا في موارده المائية، فالوزارة قالت إن بعض المناطق شمال الخرطوم ظلت عند مستويات أعلى من العام السابق. لكن الانخفاض السريع يمثل مشكلة تشغيلية خطرة للمحطات التي صُممت مآخذها للعمل ضمن نطاق محدد من مناسيب النهر.
محطة الصالحة خارج الخدمة
كانت محطة الصالحة، التي تغذي مناطق واسعة جنوب أم درمان، من أبرز المنشآت المتأثرة بالانحسار.
وأظهرت صور أقمار صناعية التقطها القمر الأوروبي «سنتينال-2» خلال يونيو ويوليو 2026 انكماش المجرى المائي وظهور مساحات واسعة من اليابسة بمحاذاة المحطة، ما أدى إلى ابتعاد المياه عن مضخات السحب.
ومع انخفاض المنسوب، أصبحت بعض المضخات والبيارات أعلى من سطح المياه، وفقدت قدرتها على تغذية المحطة بالكميات المطلوبة.
وأعلنت حكومة ولاية الخرطوم خطة طوارئ لإزالة الإطماء وفتح قناة جديدة تقود المياه نحو المضخات، إلى جانب تمديد خطوط شفط إلى مناطق أعمق في النهر وتسيير صهاريج لتزويد الأحياء والقرى المتضررة.
لكن المعالجة لم تعد مجرد عملية فنية مؤقتة، لأن استمرار التذبذب في مناسيب النيل قد يفرض إعادة تصميم مآخذ بعض المحطات أو إنشاء أنظمة شفط مرنة تستطيع التكيف مع ارتفاع النهر وانخفاضه.
شبكة أصابها الشلل
تضم شبكة مياه العاصمة 13 محطة رئيسية على النيل وسبع محطات تعزيز، لكن جزءًا كبيرًا منها يعمل بأقل من طاقته أو يواجه أعطالًا شديدة.
وبحسب إفادات فنية نقلتها «سودان تريبيون»، تعرضت محطتا بري والصالحة لتوقف جزئي، بينما تواجه محطة المقرن في الخرطوم ومحطة التمانيات في شمال بحري اضطرابات تشغيلية حادة.
وظلت محطات المنارة وبيت المال في أم درمان، والشجرة والجريف وجبل أولياء في الخرطوم، ضمن المحطات التي استمرت في العمل، لكن قدرتها لا تكفي لتعويض النقص الناتج عن خروج المحطات الأخرى.
ولا يرتبط توقف الإنتاج بانحسار النهر وحده. فقد تضررت المنشآت وخطوط الكهرباء وشبكات الأنابيب خلال المعارك التي شهدتها العاصمة منذ أبريل 2023، كما تعرضت معدات ومولدات وأسلاك للنهب.
وكانت محطتان رئيسيتان قد خرجتا من الخدمة في بداية الحرب بعد نهب معدات منهما واستخدام وقودهما في تشغيل مركبات عسكرية، وفق مسؤولين في ولاية الخرطوم تحدثوا إلى وكالة رويترز.
وحتى عندما تنجح المحطة في إنتاج المياه، لا يعني ذلك وصولها إلى المنازل؛ إذ تعرضت أجزاء من الشبكات المدفونة للكسر والتآكل، ما يؤدي إلى تسرب كميات كبيرة قبل وصولها إلى المستهلكين.
الكهرباء ضلع أساسي في الأزمة
تحتاج محطات تنقية المياه إلى كهرباء مستقرة لتشغيل مضخات السحب والمعالجة والضخ إلى الشبكات. كما تحتاج الآبار الجوفية إلى الطاقة لرفع المياه إلى الخزانات.
لكن الخرطوم تعاني انقطاعات طويلة ومتكررة بعد تدمير محطات ومحولات وخطوط نقل خلال الحرب والهجمات اللاحقة على منشآت الطاقة.
وعند انقطاع الكهرباء، تعتمد محطات المياه على مولدات تعمل بالوقود. ومع ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة نقله ونقص قطع الغيار، تتوقف بعض المضخات أو تعمل لساعات محدودة.
وهكذا ترتبط أزمة الماء بأزمة الكهرباء بصورة مباشرة: قد يكون النهر موجودًا والمضخة سليمة، لكن غياب الطاقة يكفي لإبقاء صنابير أحياء كاملة جافة.
رحلة البحث عن برميل
في شمال بحري وجنوب أم درمان ومناطق أخرى، أصبحت مهمة الحصول على الماء جزءًا أساسيًا من يوم الأسرة.
ويضطر السكان إلى السير أو استخدام عربات «الكارو» والدواب لنقل البراميل من آبار بعيدة. وفي منطقة الجيلي بشمال بحري، يقطع بعض الأهالي مسافات طويلة للحصول على مياه جوفية خام، بينما لجأت أحياء قديمة إلى حفر آبار محلية بعد فشل الشبكة العامة.
ومع ارتفاع الطلب ونقص المعروض، قفزت أسعار البراميل المنقولة بواسطة العربات والصهاريج إلى مستويات لا تستطيع كثير من الأسر تحملها بصورة يومية.
ولا يكفي برميل واحد عادة لتلبية احتياجات الأسرة من الشرب والطهي والاستحمام والتنظيف، ما يضطر السكان إلى تقليص الاستهلاك إلى أدنى مستوى، أو استخدام مياه مجهولة المصدر.
وتزداد المعاناة بالنسبة إلى كبار السن وذوي الإعاقة والأسر التي تعيلها نساء، إذ يصعب عليهم الانتقال لمسافات طويلة أو دفع تكاليف المياه التجارية.
المستشفيات والمدارس أمام خطر التعطل
لا تتوقف تداعيات الأزمة عند المنازل. فالمستشفيات تحتاج إلى إمدادات مستمرة لإجراء العمليات وتنظيف الأقسام وغسل المعدات ومكافحة العدوى، كما تحتاج مراكز غسيل الكلى إلى كميات كبيرة من المياه المعالجة.
ويعني انقطاع الإمداد الاعتماد على الصهاريج، وهي وسيلة مكلفة وغير مضمونة، خصوصًا إذا لم تخضع المياه المنقولة لفحوص الجودة والتعقيم.
كما تواجه المدارس والأسواق والمخابز والمطاعم صعوبات مشابهة. وقد يؤدي نقص المياه في المرافق العامة إلى تعطيل العمل أو خلق بيئة تساعد على انتشار الأمراض.
وتصبح الأزمة أكثر خطورة مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يحتاج الأطفال وكبار السن والمرضى إلى مياه آمنة بكميات كافية لتجنب الجفاف والإجهاد الحراري.
الخطر الصحي المختبئ داخل الماء
لا تتمثل المشكلة في كمية المياه فقط، بل في سلامتها.
فالاعتماد على الآبار غير المفحوصة أو مياه النيل الخام أو الصهاريج غير النظيفة يرفع مخاطر الإصابة بالكوليرا والإسهالات المائية والتيفوئيد والتهاب الكبد المنقول عبر المياه.
كما يمكن لتضرر الأنابيب وانخفاض الضغط داخل الشبكة أن يسمح بتسرب مياه الصرف أو الملوثات إلى خطوط الشرب، خصوصًا في المناطق التي تعرضت بنيتها الأرضية للقصف والحفر والنهب.
وحذرت مصادر طبية من أن جزءًا كبيرًا من المياه المتداولة في الخرطوم لا يطابق معايير الجودة، فيما يصعب على الأسر غلي المياه بسبب ارتفاع أسعار الغاز والفحم والحطب.
ولجأ بعض السكان إلى ترك أوعية المياه تحت أشعة الشمس ساعات طويلة في محاولة لتقليل التلوث. ويمكن للتطهير الشمسي أن يساعد في حالات محددة إذا طُبق بطريقة صحيحة باستخدام عبوات شفافة ومياه غير عكرة ومدة كافية، لكنه لا يزيل الملوثات الكيميائية، ولا يمكن اعتباره بديلًا دائمًا للمعالجة الموثوقة.
حلول الطوارئ
تعمل الكوادر الهندسية في هيئة مياه ولاية الخرطوم على تمديد خطوط الشفط إلى أجزاء أعمق من النهر وفتح مسارات مائية جديدة نحو المضخات.
كما يجري تأهيل بعض الآبار الجوفية وربط عدد منها بأنظمة الطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على شبكة الكهرباء والوقود.
وتوفر الصهاريج حلًا مؤقتًا للأحياء التي انقطع عنها الإمداد تمامًا، لكن قدرتها محدودة أمام احتياجات مدينة ضخمة مثل الخرطوم، كما تتطلب رقابة على مصدر المياه ونظافة الخزانات وأسعار البيع.
وتحتاج المعالجة المستدامة إلى أكثر من إعادة تشغيل محطة أو حفر بئر. فهي تتطلب إصلاح شبكات التوزيع، وتأمين الكهرباء ومواد التعقيم وقطع الغيار، وتطوير مآخذ مرنة، وإنشاء نظام معلن لفحص جودة المياه، مع حماية المحطات باعتبارها منشآت مدنية لا يجوز استهدافها أو استخدامها عسكريًا.
كما بات تبادل البيانات التشغيلية بشأن تصريفات سد النهضة وإدارة الخزانات السودانية ضرورة فنية، لأن التغير المفاجئ في التدفقات يمكن أن يؤثر خلال أيام في محطات الشرب والزراعة وتوليد الكهرباء.
أزمة عودة إلى مدينة غير جاهزة
تأتي أزمة المياه بينما يستعد عدد كبير من النازحين للعودة إلى الخرطوم. لكن المدينة التي يعودون إليها لا تزال تعاني الدمار وانقطاع الكهرباء وضعف المستشفيات وتلوث البيئة ومخلفات الحرب.
وقدّرت جهات رسمية سابقًا أن ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص قد يعودون إلى العاصمة، وهو ما يرفع الطلب على المياه قبل اكتمال إصلاح الشبكات.
ومن دون تدخل عاجل، قد تتحول العودة نفسها إلى ضغط إضافي على منظومة عاجزة، وتنتقل الأزمة من شح في المياه إلى موجة جديدة من الأمراض والنزوح الداخلي.
فالخرطوم لا تعاني نقصًا عابرًا يمكن علاجه بصهريج أو تمديد أنبوب إضافي. إنها تواجه انهيارًا متداخلًا يجمع بين تغير تدفقات النهر ودمار الحرب وأزمة الطاقة وضعف شبكات التوزيع.
وفي مدينة تقوم عند ملتقى النيلين، تصبح صورة المضخات المعلقة في الهواء أكثر من عطل هندسي؛ إنها تلخص دولة تمتلك المورد، لكنها فقدت الوسيلة الآمنة لإيصاله إلى مواطنيها.
المصادر
- سودان تريبيون: أزمة مياه حادة في الخرطوم مع انخفاض مناسيب النيل
- وزارة الزراعة والري عبر سودان تريبيون: أسباب الانخفاض المؤقت في النيل
- الجزيرة: صور فضائية تكشف انحسار النيل وخروج محطة الصالحة
- الجزيرة: معاناة سكان الخرطوم بعد انخفاض إنتاج مياه الشرب
- رويترز: الحرب تدمر البنية التحتية للمياه والكهرباء في الخرطوم
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات