محررو لقطة AI – 2
9 أغسطس 2026
لا يحتاج الوباء في السودان إلى بداية جديدة؛ فهو يجد كل عام البيئة نفسها جاهزة لاستقباله: مياه ملوثة، أمطار متراكمة، بعوض يتكاثر قرب المنازل، مستشفيات منهكة، وأدوية لا تصل في الوقت المناسب.
ومع دخول موسم الخريف واشتداد الأمطار والسيول، تتصاعد تحذيرات النقابات واللجان الطبية من اتساع رقعة الكوليرا وحمى الضنك والملاريا والحصبة، في وقت تعجز فيه منظومة الترصد الوبائي عن إظهار الحجم الحقيقي للإصابات داخل مناطق الحرب والنزوح.
وتكمن خطورة الوضع في أن السودان لا يواجه مرضًا واحدًا، بل عدة أوبئة متزامنة تتغذى من انهيار مصادر المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات وتعطل المستشفيات وصعوبة وصول المساعدات.
الكوليرا تعود بعد إعلان انتهاء الوباء
في مارس 2026، أعلنت السلطات الصحية انتهاء موجة الكوليرا التي استمرت أكثر من عام، بعد حملات تطعيم واسعة شملت نحو 24.5 مليون شخص.
لكن هذا النجاح لم يصمد طويلًا أمام استمرار الظروف التي تسببت في ظهور المرض. ففي 27 يونيو 2026، أُعلن عن تفشٍ جديد للكوليرا، بدأ بصورة حادة في ولايتي غرب وشمال كردفان، قبل ظهور حالات مشتبه بها في جنوب دارفور والخرطوم.
وحذرت منظمة الصحة العالمية في يوليو من أن التفشي قد يتفاقم مع موسم الأمطار واستمرار النزاع والنزوح وصعوبة وصول العاملين الإنسانيين إلى المناطق المتضررة.
وبحسب المنظمة، سجلت الموجة الجديدة، خلال مراحلها الأولى، أكثر من 1,300 إصابة و114 وفاة، مع ارتفاع شديد في معدل الوفيات بين الحالات المبلغ عنها.
ولا يعني ارتفاع نسبة الوفيات بالضرورة أن سلالة المرض أصبحت أكثر فتكًا، بل قد يعكس تأخر وصول المرضى إلى مراكز العلاج، وعدم تسجيل الحالات الخفيفة، ونقص المحاليل الوريدية وأملاح الإرواء والأدوية والكوادر الصحية.
المزروب تتحول إلى بؤرة للوباء
كانت منطقة المزروب، الواقعة في غرب السودان، من أكثر المناطق تضررًا خلال الأسابيع الأولى للتفشي.
وقالت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان إن مستشفى المزروب استقبل 418 حالة إصابة بالكوليرا، بينما بقيت 61 حالة داخل مركز العزل، وتوفي 14 شخصًا نتيجة مضاعفات المرض.
وفي تقارير أخرى، ارتفع تراكمي الإصابات في غرب كردفان وغربي بارا بولاية شمال كردفان إلى 1,547 حالة، وسط مخاوف من انتقال العدوى إلى مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها.
كما حذرت شبكة أطباء السودان من أن أكثر من 200 ألف شخص في غربي بارا، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، يواجهون أزمة مركبة تجمع بين نقص الغذاء والدواء وانتشار الكوليرا والحصبة.
ولا تقتصر الخطورة على عدد الإصابات، بل تشمل محدودية مراكز العزل وبعدها عن القرى، وانقطاع الطرق خلال الأمطار، وارتفاع تكلفة الانتقال، ما قد يؤدي إلى وفاة بعض المرضى قبل وصولهم إلى الرعاية الطبية.
حالات مشتبه بها في أربع ولايات
أعلنت وزارة الصحة السودانية في يوليو رصد حالات مشتبه بإصابتها بالكوليرا في شمال كردفان وغرب كردفان وجنوب دارفور والخرطوم، من دون نشر حصيلة تفصيلية لكل ولاية.
ويعكس اتساع الخريطة قابلية المرض للانتقال عبر حركة السكان والنازحين ووسائل النقل ومصادر المياه المشتركة.
فالكوليرا تنتقل غالبًا عبر تناول مياه أو أغذية ملوثة ببكتيريا «ضمة الكوليرا»، ولا تنتشر عادة عبر المخالطة العادية بالطريقة نفسها التي تنتشر بها أمراض الجهاز التنفسي.
لكن الاكتظاظ وغياب المراحيض الآمنة ونقص المياه النظيفة تجعل انتقال العدوى أسرع داخل مخيمات النزوح والأحياء المحاصرة والقرى التي تعتمد على الآبار المكشوفة والبرك ومياه الأودية.
حمى الضنك تتقدم مع الأمطار
بالتزامن مع الكوليرا، تواجه مناطق أخرى موجات من حمى الضنك، وهو مرض فيروسي ينتقل بواسطة بعوض «الزاعجة» الذي يتكاثر في المياه الراكدة داخل الأوعية والخزانات والإطارات والعلب المكشوفة.
وقالت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان في يوليو إن إقليم النيل الأزرق سجل 350 إصابة مؤكدة بحمى الضنك و39 وفاة، بينها 76 إصابة و13 وفاة في مدينة الدمازين، بينما توزعت بقية الوفيات على مدن وقرى أخرى.
لكن النقابة حذرت من أن الحصيلة المسجلة لا تمثل بالضرورة الحجم الحقيقي للتفشي، بسبب نقص الفحوص وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية وتشابه الأعراض مع الملاريا وأمراض الحمى الأخرى.
وفي الخرطوم، كانت اللجنة قد أعلنت في يناير تسجيل 211 إصابة جديدة بحمى الضنك، بينها 39 وفاة، محذرة من منحنى وبائي متصاعد في ظل تدهور البيئة وضعف المكافحة.
ولا يمكن جمع الأرقام الصادرة في فترات ومناطق مختلفة باعتبارها حصيلة وطنية واحدة، لكنها تشير إلى استمرار انتقال المرض ووجود فجوات كبيرة في التشخيص والتسجيل.
الخريف ليس السبب الوحيد
ترتبط زيادة الأمراض بموسم الأمطار، لكن الخريف وحده لا يصنع الكارثة. فالبلدان التي تمتلك شبكات مياه وصرف صحي فعالة وأنظمة ترصد قوية تستطيع احتواء آثار الأمطار بدرجة أكبر.
أما في السودان، فتأتي السيول فوق بنية تحتية دمرتها الحرب. فقد خرجت مستشفيات ومراكز صحية من الخدمة، وتعرضت سيارات إسعاف ومخازن أدوية للقصف والنهب، بينما غادر آلاف العاملين الصحيين مناطقهم أو اضطروا إلى العمل من دون أجور أو معدات كافية.
ووفق منظمة الصحة العالمية، ما زالت 37% من المرافق الصحية في السودان غير عاملة، وترتفع النسبة في بعض مناطق النزاع.
كما تحققت المنظمة من 217 هجومًا على مرافق وعاملين ووسائل صحية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أسفرت عن آلاف القتلى والمصابين.
وتعني هذه الأرقام أن النظام الصحي الذي يُفترض أن يواجه الوباء أصبح هو نفسه أحد ضحايا الحرب.
أزمة المياه في الخرطوم تضاعف الخطر
تتزامن التحذيرات الطبية مع أزمة حادة في مياه الشرب بالعاصمة، بعد تراجع مناسيب النيل وخروج محطات رئيسية من الخدمة أو انخفاض إنتاجها.
ويضطر سكان في شمال بحري وجنوب أم درمان ومناطق أخرى إلى الحصول على المياه من آبار غير مفحوصة أو صهاريج ومصادر بديلة، بينما تعرضت أجزاء من شبكات التوزيع للكسر والتلوث.
ويرفع تخزين المياه داخل المنازل، من دون تغطية محكمة، خطر تكاثر البعوض الناقل لحمى الضنك. وهكذا يصبح الإجراء الذي تلجأ إليه الأسرة لمواجهة العطش عاملًا قد يزيد انتشار مرض آخر.
أما استخدام المياه غير المعالجة للشرب والطهي، فيرفع احتمالات الكوليرا والإسهالات المائية والتيفوئيد والتهاب الكبد.
وتكشف هذه الحلقة أن مكافحة الأوبئة لا يمكن أن تنجح داخل المستشفيات وحدها؛ فهي تبدأ من توفير مياه نظيفة وتصريف آمن للنفايات والسيول.
الأرقام الرسمية قد تكون قمة جبل الجليد
تعتمد الإحصاءات الوبائية على وصول المريض إلى منشأة صحية، وتشخيص حالته، وتسجيلها، ثم إرسال التقرير إلى السلطات المختصة.
لكن كل حلقة في هذه السلسلة تواجه مشكلة في السودان. فبعض القرى معزولة بسبب الحرب أو الأمطار، وبعض المراكز لا تملك فحوصًا، والاتصالات منقطعة في مناطق واسعة، بينما يعالج مرضى داخل المنازل أو لدى متطوعين ولا يدخلون السجلات الرسمية.
كما أن الأعراض المتشابهة بين حمى الضنك والملاريا وأمراض فيروسية أخرى قد تؤدي إلى تشخيص غير دقيق عند غياب المختبرات.
ولهذا يجب التعامل مع الحصائل الرسمية باعتبارها الحالات التي أمكن رصدها، لا العدد النهائي لكل المصابين.
لكن هذا لا يعني رفض الأرقام الرسمية أو استبدالها بتقديرات غير موثقة، وإنما قراءتها ضمن واقع محدودية الترصد والتشخيص.
نقص المحاليل يحول المرض القابل للعلاج إلى قاتل
يمكن علاج معظم حالات الكوليرا بنجاح إذا حصل المريض بسرعة على محاليل الإرواء المناسبة. وتحتاج الحالات الشديدة إلى سوائل وريدية، وقد تستفيد بعض الحالات من المضادات الحيوية وفق التقييم الطبي.
لكن نقص أملاح الإرواء والمحاليل الوريدية والأسرة والكوادر يجعل مرضًا قابلًا للعلاج سببًا للوفاة خلال ساعات، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والحوامل والأشخاص المصابين بسوء التغذية.
وفي مناطق النزاع، لا يتعلق الخطر بنقص الدواء فقط؛ فقد يفصل المريض عن مركز العلاج حاجز عسكري أو طريق مقطوع أو اشتباكات أو تكلفة نقل لا تستطيع الأسرة دفعها.
أما حمى الضنك، فلا يوجد لها علاج نوعي مباشر في معظم الحالات، وتعتمد الرعاية على المراقبة والسوائل والتعامل المبكر مع علامات الخطر. وقد يكون تناول بعض المسكنات، مثل الأسبرين والإيبوبروفين، خطرًا بسبب زيادة احتمال النزيف، لذلك يُنصح بعدم استخدامها عند الاشتباه في حمى الضنك إلا بتوجيه طبي.
ما علامات الخطر؟
تتطلب الإسهالات المائية المتكررة والقيء والعطش الشديد والخمول وجفاف الفم وقلة التبول التوجه السريع إلى أقرب مركز صحي، مع بدء إعطاء محلول الإرواء الفموي عند توافره.
أما في حالات الحمى المشتبه بأنها حمى ضنك، فتشمل علامات الخطر ألم البطن الشديد، والقيء المستمر، والنزيف، وصعوبة التنفس، والخمول أو الاضطراب، وبرودة الأطراف.
ولا ينبغي انتظار تدهور الحالة، خصوصًا لدى الأطفال والحوامل وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.
استجابة تتجاوز وزارة الصحة
تطالب النقابات واللجان الطبية المنظمات الدولية بتوفير المحاليل الوريدية وأملاح الإرواء والفحوص والأدوية ومعدات الحماية ودعم مراكز العزل.
لكن وقف التفشي يتطلب أيضًا تدخلات واسعة في المياه والصرف الصحي وإصحاح البيئة، تشمل كلورة مصادر المياه، وفحص الآبار والصهاريج، وإزالة النفايات، وتجفيف البرك، ورش مواقع تكاثر البعوض، وتغطية خزانات المياه المنزلية.
كما تحتاج المناطق المعزولة إلى عيادات متنقلة وفرق ترصد سريعة ومسارات آمنة تسمح بوصول الإمدادات والعاملين الصحيين من دون عوائق.
وتُعد حملات التطعيم الفموي ضد الكوليرا أداة مهمة للحد من الإصابات والوفيات، لكنها لا تغني عن توفير المياه المأمونة والصرف الصحي. فاللقاح يقلل الخطر، لكنه لا يصلح مصدر المياه الملوث الذي يعيد إنتاج الوباء.
حرب ثانية بلا جبهات واضحة
يواجه السودان، إلى جانب الحرب العسكرية، حربًا صحية تتحرك من ولاية إلى أخرى من دون خطوط جبهة ثابتة.
فالكوليرا تتبع المياه الملوثة وحركة السكان، والضنك يتبع البعوض والمياه الراكدة، والحصبة تجد طريقها عبر فجوات التطعيم، بينما تنتشر الملاريا مع الأمطار وتراجع أعمال المكافحة.
وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وأن 21 مليونًا يفتقرون إلى الخدمات الصحية. كما يفتقر نحو 17 مليون شخص إلى مياه شرب آمنة، بينما لا يحصل 24 مليونًا على خدمات صرف صحي كافية.
وفي ظل هذه الأرقام، لا تبدو التحذيرات الطبية مبالغة. فالكارثة لا تبدأ عندما تمتلئ مراكز العزل، بل عندما تتوافر جميع شروط الوباء ويظل التدخل أقل بكثير من حجم الخطر.
المصادر
- منظمة الصحة العالمية: الحرب تعمق الأزمة الصحية في السودان
- رويترز: تحذير من تفاقم الكوليرا بسبب الحرب والأمطار
- وزارة الصحة: حالات مشتبه بها في أربع ولايات
- اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء: إصابات ووفيات الكوليرا في المزروب
- اليونيسف: أزمة الغذاء والمياه والأوبئة في السودان
- تقارير تفشي حمى الضنك في إقليم النيل الأزرق
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات