تبدّل المواقع العسكرية لا يُسقط حقوق الضحايا أو المسؤولية الجنائية
محررو لقطة AI – 13
20 أغسطس 2026
أعادت انشقاقات قادة ميدانيين عن قوات الدعم السريع وانضمامهم إلى القوات المسلحة السودانية فتح ملف بالغ الحساسية، يتصل بمستقبل المقاتلين الذين يبدّلون مواقعهم خلال الحرب، ومدى خضوعهم للتحقيق بشأن الانتهاكات التي يُشتبه في ارتكابها قبل انتقالهم إلى الطرف الآخر.
ويبرز ضمن هذه الانشقاقات اللواء النور أحمد آدم، المعروف باسم «النور القبة»، أحد القادة الميدانيين السابقين في قوات الدعم السريع، الذي وصل إلى مناطق سيطرة الجيش برفقة قوة عسكرية وعربات قتالية بكامل عتادها، بعد خلافات داخلية مع قيادة الدعم السريع.
وشكّل انضمام القبة إلى الجيش تحولاً ميدانياً لافتاً بالنظر إلى موقعه السابق داخل الدعم السريع وعلاقته بالعمليات العسكرية في شمال دارفور، ولا سيما المعارك التي دارت حول مدينة الفاشر خلال فترة الحصار والهجمات الواسعة التي تعرضت لها المدينة ومحيطها.
وجاء الانشقاق ضمن سلسلة تحولات شهدتها صفوف الدعم السريع، شملت قادة وعناصر انتقلوا إلى جانب الجيش بعد تصاعد الخلافات حول القيادة وتوزيع النفوذ والموارد وإدارة العمليات العسكرية.
مكسب عسكري وأسئلة قانونية
عسكرياً، تمثل هذه الانشقاقات مكسباً للقوات المسلحة، إذ تحرم الدعم السريع من قادة يمتلكون معرفة بتحركاته وخطوط إمداده وتركيبته الداخلية، إلى جانب ما ينقلونه معهم من مقاتلين وعربات وأسلحة ومعلومات ميدانية.
لكن هذا المكسب لم يمنع تصاعد الاعتراضات الحقوقية والسياسية على الطريقة التي يُستقبل بها بعض القادة المنشقين، خصوصاً عندما يحصلون على رتب أو تكريم علني قبل إجراء تحقيقات مستقلة بشأن أدوارهم السابقة.
ويرى ناشطون وضحايا أن الانضمام إلى الجيش يجب ألا يتحول إلى وسيلة لغسل السجل السابق أو الإفلات من المساءلة، وأن أي شخص تحوم حوله اتهامات بالمشاركة في انتهاكات ضد المدنيين ينبغي إخضاعه للتحقيق، بصرف النظر عن موقعه العسكري الجديد.
وتستند هذه المطالب إلى قاعدة قانونية واضحة مفادها أن المسؤولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية مسؤولية فردية لا تسقط بتبدل الولاء أو الانتقال من قوة مسلحة إلى أخرى.
كما أن قبول المنشقين لأسباب عسكرية لا يمنحهم حصانة تلقائية من التحقيق أو المحاكمة، ولا يلغي حقوق الضحايا وأسر القتلى والمفقودين والناجين من التعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري.
الفاشر في قلب الجدل
تحتل مدينة الفاشر موقعاً مركزياً في هذا الجدل، بعدما تعرضت لحصار طويل وهجمات متكررة خلّفت أعداداً كبيرة من الضحايا وأجبرت مئات الآلاف على النزوح.
ووثقت منظمات حقوقية دولية عمليات قتل وتعذيب واغتصاب واستعباد واعتداءات ذات طابع عرقي ارتُكبت خلال الحملة العسكرية للسيطرة على المدينة ومحيطها، وطالبت بمحاسبة القادة الذين أصدروا الأوامر أو أشرفوا على العمليات أو أخفقوا في منع الجرائم المرتكبة بواسطة القوات التابعة لهم.
ولا تعني هذه التقارير إدانة كل من خدم في صفوف الدعم السريع بصورة جماعية، إذ تظل المسؤولية الجنائية فردية وتحتاج إلى أدلة وتحقيق ومحاكمة عادلة. لكنها تجعل التدقيق في سجل القادة المنشقين ضرورة قانونية وأخلاقية، وليس مجرد مطلب سياسي.
بين تفكيك الدعم السريع وتحقيق العدالة
قد تعتمد قيادة الجيش سياسة تشجيع الانشقاقات بهدف إضعاف الدعم السريع من الداخل وتقليل قدرته على مواصلة القتال. وهي سياسة يمكن أن تحقق نتائج ميدانية، خصوصاً إذا انتقلت مجموعات كاملة بأسلحتها وعرباتها إلى جانب القوات المسلحة.
غير أن نجاح هذه السياسة عسكرياً لا يعفي مؤسسات الدولة من وضع آلية قانونية واضحة للتعامل مع المنشقين، تفرّق بين من لم يشارك في الجرائم ومن توجد أدلة جدية على مسؤوليته المباشرة أو القيادية عنها.
وتتطلب هذه الآلية تسجيل أسماء العناصر المنضمة، والتحقق من مسارات خدمتهم السابقة، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وحفظ الأدلة، وإحالة المشتبه في تورطهم إلى جهات تحقيق مستقلة، بدلاً من دمجهم بصورة فورية ومنحهم مواقع جديدة.
كما ينبغي ألا تقتصر المساءلة على المنشقين عن الدعم السريع، بل تشمل أي شخص ينتمي إلى أي طرف وتثبت مشاركته في انتهاكات ضد المدنيين. فالعدالة التي تُطبّق بصورة انتقائية تتحول إلى أداة سياسية وتفقد ثقة الضحايا والمجتمع.
ويمثل تفكيك التشكيلات المسلحة خطوة مهمة باتجاه إنهاء الحرب وبناء جيش وطني واحد، لكن هذا الهدف لن يتحقق عبر إعادة تدوير قادة متهمين أو إدماج قوات كاملة من دون فحص أمني وقانوني ومهني.
وتبقى القضية الأساسية هي الفصل بين الترحيب بوقف القتال والانحياز إلى مؤسسات الدولة، وبين منح حصانة غير معلنة عن جرائم سابقة. فالانشقاق قد يغيّر مسار المقاتل في الحرب، لكنه لا يمحو الوقائع ولا يلغي حق الضحايا في العدالة.
عين ترصد الحدث.. وعقل يقرأ المشهد
للتدقيق: تؤكد تقارير رويترز وأسوشيتد برس هوية القائد المنشق والسياق العسكري والجدل الحقوقي، بينما وثقت منظمة العفو الدولية الانتهاكات المرتكبة خلال الهجوم على الفاشر.
التعليقات
0 تعليقات