محررو لقطة AI – 13
4 سبتمبر 2026
لم تعد حرب السودان، وفق أحدث تحقيق للأمم المتحدة، مواجهة تعتمد فقط على ما يملكه طرفاها داخل البلاد.
خلف خطوط القتال تمتد شبكة أوسع من السلاح والتكنولوجيا والمقاتلين الأجانب ومسارات النقل والتدريب، ساعدت في إبقاء الحرب مشتعلة، وفي الوقت نفسه وسعت قدرة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على ضرب مناطق مدنية بعيدة عن جبهات القتال بواسطة الطائرات المسيّرة.
هذا هو الاستنتاج الأخطر في التقرير الجديد لبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان.
وتقول البعثة إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن الدعم الخارجي عزز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، بينما تحولت المسيّرات إلى واحدة من أكثر أدوات الحرب فتكًا بالمدنيين، مع هجمات أصابت مستشفيات وأسواقًا ومدارس ودور عبادة ومواقع نزوح وشبكات كهرباء ومياه.
والتقرير لا يضع المسؤولية على طرف واحد.
فهو يوثق شبكات دعم خارجية مرتبطة بقوات الدعم السريع، وفي الوقت نفسه يقول إن الجيش السوداني وسع بصورة كبيرة قدراته في مجال المسيّرات باستخدام أنظمة موردة من الخارج، وإن بعض العمليات المنسوبة إليه أصابت أهدافًا مدنية وقد ترقى إلى جرائم حرب.
أكثر من ألف مدني في خمسة أشهر
تكشف الأرقام حجم التحول الذي أحدثته المسيّرات في الحرب.
فبين يناير و11 مايو 2026، وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أكثر من ألف وفاة بين المدنيين بسبب ضربات المسيّرات وحدها.
ولم تقتصر الضربات على ساحات المعارك.
وثقت الأمم المتحدة إصابة مستشفيات ومدارس وأسواق ومواقع للنازحين ودور عبادة وشبكات للطاقة والمياه، بل وتجمعات اجتماعية مثل حفلات الزفاف والجنازات.
المعنى هنا يتجاوز ارتفاع عدد الضحايا.
المسيّرة غيرت جغرافيا الحرب نفسها.
في المراحل الأولى للصراع، كان الخطر الأكبر مرتبطًا بالمناطق التي تتحرك فيها القوات على الأرض. أما الآن، فأصبح من الممكن استهداف موقع يبعد مئات الكيلومترات عن خط المواجهة.
وهذا يعني أن مفهوم «المنطقة الآمنة» يتآكل تدريجيًا.
شبكة خارج الحدود خلف الدعم السريع
في الجانب المتعلق بقوات الدعم السريع، تقول بعثة التحقيق إنها حددت سلسلة عابرة للحدود من الأفراد والكيانات شاركت في توفير مقاتلين أجانب وتدريب وأسلحة ومعدات وخدمات لوجستية.
وأشار التقرير إلى شبكات ومسارات تمر عبر الإمارات وتشاد وجنوب شرقي ليبيا ومدينة بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي.
وتحدثت البعثة عن معدات شوهدت أو عُثر عليها في مناطق سيطرة الدعم السريع، من بينها مدافع صينية الصنع من طراز AH-4 عيار 155 ملم، وأنظمة دفاع جوي ومركبات وذخائر ومعدات أخرى.
الإمارات نفت تقديم دعم عسكري إلى قوات الدعم السريع، وقالت إنها لا تشارك في الحرب السودانية ولا تقدم السلاح لأي من طرفيها. كما قالت للبعثة إنها حققت في مزاعم تتعلق بكيانات واقعة تحت ولايتها ولم تجد أدلة تربطها بأنشطة المرتزقة.
أما تشاد فأكدت حيادها ورفضت اتهامات باستخدام منشآتها لتقديم الدعم العسكري، بينما قالت البعثة إن شبكات خاصة استخدمت مناطق حدودية نائية للعبور.
هذه الفروق مهمة.
التقرير يتحدث عن شبكات وأفراد وكيانات ومسارات لوجستية، ولذلك لا ينبغي تحويل نتائجه آليًا إلى اتهام حكومي مباشر يتجاوز ما أثبته التحقيق.
ما يصل إلى ألفي متعاقد كولومبي
واحدة من أكثر النتائج إثارة في التقرير تتعلق بالمقاتلين والمتعاقدين الأجانب.
قدرت البعثة أن عدد العسكريين الكولومبيين السابقين الذين جرى تجنيدهم لدعم قوات الدعم السريع وصل إلى نحو ألفي شخص.
ولم يكن دور بعض هؤلاء مقتصرًا على القتال التقليدي.
وفق التقرير، شارك متعاقدون في تشغيل وصيانة طائرات الاستطلاع والمسيّرات الهجومية والذخائر الانتحارية، إضافة إلى المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي.
وهذا يفسر جانبًا من التحول التقني الذي شهدته الحرب.
فالطرف الذي يحصل على طائرة مسيّرة متطورة يحتاج أيضًا إلى شخص يعرف كيفية تشغيلها وصيانتها وتحديد أهدافها وتحليل البيانات التي تنتجها.
أي أن الدعم الخارجي لا يأتي دائمًا داخل صندوق سلاح.
أحيانًا يأتي في صورة خبرة بشرية تنقل الحرب إلى مستوى تقني جديد.
والجيش أيضًا حصل على قدرات أجنبية
لكن التقرير لا يتوقف عند الدعم السريع.
البعثة تقول إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن الجيش السوداني وسع منذ أواخر 2023 قدراته في مجال المسيّرات بدرجة كبيرة بواسطة منظومات موردة من الخارج.
وأظهر التحليل الفني لحطام من ضربات نُسبت إلى الجيش في دارفور وكردفان مكونات تتوافق مع طائرات Bayraktar Akıncı التركية الصنع، بينما رُصدت ذخائر جوالة من أصل صيني في النيل الأزرق وغرب كردفان.
ومن الوقائع التي تناولها التقرير هجوم على سوق يابوس في النيل الأزرق، حيث قالت البعثة إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد باستخدام الجيش طائرات مسيّرة وذخائر جوالة أجنبية الصنع في هجمات أصابت أهدافًا مدنية، وإن بعض هذه الوقائع قد يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني وجريمة حرب.
كما وثقت البعثة هجومًا مزدوجًا في 20 مارس 2026 على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، أصاب قسم الطوارئ وبنك الدم وأدى، وفق التقرير، إلى مقتل 70 شخصًا وإصابة 146.
كرتالا.. عندما ضُرب الأطفال ثم المسعفون
وفي الجانب الآخر، يورد التقرير نموذجًا بالغ القسوة لهجمات نسبت إلى الدعم السريع.
ففي 4 ديسمبر 2025 تعرضت منطقة كرتالا/كلوقي في جنوب كردفان لسلسلة ضربات بدأت باستهداف موقع يضم أطفالًا، ثم تلتها ضربات استهدفت أشخاصًا هرعوا للمساعدة ومنشأة صحية.
ووفق التحقيق، أسفرت الهجمات عن مقتل 114 شخصًا، بينهم نحو 60 طفلًا.
هذا النوع من الهجمات هو ما يجعل توصيف «جرائم الحرب المحتملة» جوهر التقرير وليس مجرد تعبير سياسي.
فالقانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، كما يمنح المستشفيات والمنشآت الطبية حماية خاصة، ويحظر استهداف الأشخاص المشاركين في عمليات الإنقاذ.
الحرب لم تعد سودانية بالكامل
وهنا يصل التقرير إلى دلالته السياسية الأهم.
الجيش والدعم السريع هما الطرفان اللذان يطلقان النار داخل السودان، لكن القدرة على استمرار الحرب بهذه الكثافة أصبحت مرتبطة أيضًا بما يأتي من خارج الحدود.
السلاح يحتاج إلى مورد.
المسيّرة تحتاج إلى مصنع وقطع غيار وتدريب.
المقاتل الأجنبي يحتاج إلى شبكة تجنيد ونقل.
والشحنة تحتاج إلى مطار أو ميناء أو طريق بري.
ولهذا تقول بعثة تقصي الحقائق إن حماية المدنيين لا يمكن أن تتحقق فقط بمطالبة الطرفين داخل السودان بوقف الانتهاكات، بل يجب أيضًا التحرك ضد الأفراد والشركات والوسطاء والشبكات التي تجعل استمرار الحرب ممكنًا.
مطلب جديد: حظر السلاح على السودان كله
التوصية السياسية الأبرز في التقرير هي مطالبة مجلس الأمن الدولي بتوسيع حظر الأسلحة المفروض حاليًا على دارفور ليشمل السودان كله.
كما طالبت البعثة الدول بوقف عمليات نقل السلاح عندما يوجد خطر حقيقي من استخدامه في ارتكاب انتهاكات جسيمة، والتحقيق مع الأفراد والكيانات المشاركة في شبكات الإمداد غير المشروعة.
وهذه النقطة قد تتحول إلى معركة دبلوماسية جديدة.
لأن توسيع الحظر إلى السودان كله لن يستهدف الدعم السريع وحده؛ بل سيطال نظريًا كل خطوط الإمداد العسكري إلى طرفي الحرب.
وهذا هو ربما الاستنتاج الأكثر حساسية في التقرير.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لا تقول الأمم المتحدة فقط إن السودانيين يدفعون ثمن صراع بين قوتين مسلحتين.
إنها تقول إن هناك منظومة أوسع تساعدهما على الاستمرار.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط:
من يرتكب الانتهاكات داخل السودان؟
بل أصبح أيضًا:
من يزود هذه الحرب بالأدوات التي تسمح لها بالاستمرار والوصول إلى المدنيين على بعد مئات الكيلومترات من الجبهات؟
إذا لم تُغلق تلك الشبكات، فإن وقف إطلاق النار — حتى لو تم التوصل إليه سياسيًا — سيظل هشًا ما دامت خطوط السلاح والتكنولوجيا والمقاتلين قادرة على إعادة تشغيل الحرب
التعليقات
0 تعليقات