الإثنين، 7 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

بعد أعوام  من الصمت.. صحافة السودان تبحث عن الحرية والقارئ قبل المطبعة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

بعد أعوام  من الصمت.. صحافة السودان تبحث عن الحرية والقارئ قبل المطبعة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13

لقطة AI

7 سبتمبر 2026

في شارع الصحافة وسط الخرطوم، ما تزال الأوراق القديمة مبعثرة داخل بعض المكاتب، والمطابع التي كانت تدور طوال الليل يعلوها الغبار. غابت أصوات المحررين والعمال وباعة الصحف، ولم تعد السيارات تخرج عند الفجر محملة بالنسخ إلى الأكشاك.

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، توقفت الصحف الورقية السودانية للمرة الأولى منذ أكثر من 120 عامًا. وبعد نحو 40 شهرًا من الغياب، بدأ ناشرون وصحفيون يناقشون إمكان عودتها.

لكن السؤال الحقيقي لم يعد: متى تدور المطابع؟ بل: هل ما تزال هناك صناعة قادرة على العودة؟ وهل يستطيع السوداني الذي تغيّرت حياته واقتصاده وطريقة حصوله على الأخبار أن يشتري صحيفة يومية؟

الأزمة بدأت قبل الرصاصة الأولى

لم تكن الصحافة الورقية السودانية في أفضل أحوالها عندما اندلعت الحرب.

فخلال سنوات ما قبل القتال، تراجع عدد الصحف السياسية والرياضية والاجتماعية من 49 إلى نحو 12 صحيفة فقط. وكانت غالبية المؤسسات الباقية تعاني ارتفاع أسعار الورق والأحبار والطباعة، وتراجع الإعلانات والتوزيع والقوة الشرائية للقراء.

كما أضعفت المصادرات والرقابة الأمنية والملاحقات المهنية استقلال الصحف، وحولت بعضها إلى مؤسسات مثقلة بالديون، تصدر بأعداد محدودة وتعتمد على تمويل سياسي أو تجاري غير مستقر.

ثم جاءت الحرب لتمنح صناعة متعثرة الضربة الأخيرة.

توقفت المطابع، ونُهبت المقار، وانقطعت شبكات التوزيع، وتفرّق الصحفيون بين النزوح واللجوء والبحث عن أعمال أخرى. وبحسب تقرير حديث، ترك التوقف نحو 90% من العاملين في قطاع الصحافة، المقدر عددهم بنحو ثلاثة آلاف شخص، بلا عمل منتظم. الجزيرة نت

مؤسسات تحولت إلى ركام

لا يتعلق استئناف الصدور بتوفير الورق وتشغيل ماكينة طباعة فحسب. فكثير من دور الصحف في الخرطوم تعرض للنهب أو الحريق أو التخريب، وفقدت المؤسسات أجهزة الحاسوب والأرشيف والأثاث ومعدات الإنتاج.

وتقول نقابة الصحفيين السودانيين إن 27 صحيفة و32 محطة إذاعية وثماني قنوات تلفزيونية توقفت بعد اندلاع الحرب، بينما فقد نحو ألف صحفي وظائفهم.

كما قُتل عشرات الصحفيين والإعلاميين، ولا يزال آخرون في عداد المفقودين أو رهن الاحتجاز. وتختلف الحصيلة بين الجهات التي ترصد الانتهاكات بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال، لكن المؤكد أن السودان أصبح واحدًا من أخطر البيئات لممارسة العمل الصحفي.

ووثقت لجنة حماية الصحفيين مقتل صحفيين وعاملين في الإعلام، إضافة إلى حالات اختفاء واعتقال وملاحقات طالت صحفيين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع وكذلك المناطق الخاضعة للجيش. لجنة حماية الصحفيين

هل ما يزال القارئ ينتظر الجريدة؟

خلال 40 شهرًا من الغياب، لم يتوقف السودانيون عن متابعة الأخبار. انتقلوا إلى الهواتف ومواقع التواصل والمنصات الرقمية ومجموعات «واتساب» و«تلغرام».

ونشأت مئات المواقع والصفحات الإخبارية، بعضها يعمل بمهنية وبموارد محدودة، بينما يرتبط بعضها الآخر بأطراف سياسية أو عسكرية تستخدم الإعلام جزءًا من المعركة.

وأوجد هذا التحول واقعًا متناقضًا: الخبر أصبح أسرع وصولًا، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر دقة. وفي ظل ضعف المؤسسات الصحفية المستقلة، انتشرت الشائعات والصور القديمة والمعلومات المضللة، واختلط الخبر بالدعاية والتحريض القبلي والسياسي.

من هنا يرى مؤيدو عودة الصحف أن الجريدة، بما تملكه من هيئة تحرير ومراجعة ومسؤولية قانونية وأرشيف ثابت، يمكن أن تستعيد مساحة من الثقة المفقودة.

لكن معارضي العودة بالشكل القديم يسألون: من سيشتري نسخة مطبوعة مرتفعة السعر في بلد يواجه سكانه أزمة معيشية عميقة؟ وكيف ستصل الصحيفة إلى الولايات وسط الطرق المتضررة وارتفاع تكاليف النقل واستمرار القتال؟

الحكومة والمال.. بابان للعودة أم السيطرة؟

تثير محاولات إحياء الصحف مخاوف إضافية بشأن الاستقلال.

فأي مؤسسة تحتاج اليوم إلى إعفاءات جمركية للورق والأحبار، وكهرباء مستقرة، ومبانٍ، وتمويل لإصلاح المطابع، وشبكة توزيع. وفي ظل انهيار سوق الإعلانات، قد تجد الصحف نفسها معتمدة بصورة كبيرة على الدعم الحكومي أو أموال رجال الأعمال والأطراف السياسية.

وهذا الدعم لا يأتي دائمًا بلا ثمن.

فالصحيفة التي تعود بأموال السلطة قد تجد صعوبة في مراقبة السلطة نفسها. والمؤسسة التي يمولها طرف من أطراف الحرب يمكن أن تتحول إلى واجهة دعائية، حتى لو احتفظت بشكل الجريدة التقليدي.

لذلك، فإن معيار نجاح العودة ليس عدد الصحف التي ستظهر على الأكشاك، بل مقدار الاستقلال الذي ستتمتع به، وقدرتها على تغطية انتهاكات جميع الأطراف من دون خوف أو انتقائية.

الورقي والرقمي في مؤسسة واحدة

خرجت ندوة إعلامية نظمها مركز الفضاء للثقافة والإعلام في الخرطوم بتوصية تدعو إلى إعادة الصحف تدريجيًا، مع تبني نموذج يجمع النسخة المطبوعة بالموقع الإلكتروني والمنصات الرقمية.

وقد يكون هذا النموذج هو الأكثر واقعية. فالعودة اليومية الواسعة تبدو مكلفة وصعبة، بينما يمكن البدء بصحف أسبوعية أو دورية تقدم التحقيقات والملفات والتحليلات التي لا يجدها القارئ وسط التدفق السريع للأخبار.

أما الموقع الرقمي، فيتولى التغطية اليومية والعاجلة، ويصل إلى السودانيين داخل البلاد وخارجها، بينما تمنح النسخة الورقية المؤسسة حضورًا موثقًا وأرشيفًا لا يختفي بتعطل موقع أو إغلاق حساب.

لكن الدمج بين الورق والرقمي يحتاج إلى نموذج اقتصادي جديد: اشتراكات، وعضويات، وإعلانات شفافة، وتمويل مستقل، وتعاون بين المؤسسات بدل محاولة إعادة صناعة ما قبل الحرب كما كانت.

الصحافة المطلوبة ليست نسخة من الماضي

لا يحتاج السودان إلى إعادة طباعة الصحف القديمة بأسمائها وأزماتها وانحيازاتها نفسها. فهو يحتاج إلى صحافة تستطيع توثيق الحرب، والتحقيق في الانتهاكات والفساد، ومقاومة خطاب الكراهية، وإعطاء صوت للضحايا والنازحين والمناطق التي غابت طويلًا عن مركز الخبر.

ويحتاج كذلك إلى قانون جديد يضمن حرية الصحافة، ويحمي الصحفيين من الاعتقال والملاحقة، وينظم المؤسسات الرقمية من دون تحويل التنظيم إلى وسيلة للحجب والسيطرة.

فالورق في حد ذاته لا يصنع صحافة حرة، كما أن المنصة الرقمية ليست دليلًا تلقائيًا على الحداثة أو المهنية.

بعد أعوام  من الصمت، تستطيع المطابع أن تدور من جديد إذا توفر المال والكهرباء والورق. لكن إعادة الصحافة أصعب من إعادة المطبعة.

الصحافة تعود عندما يجد الصحفي مساحة آمنة للسؤال، وعندما تقبل السلطة بالنقد، وعندما يعرف القارئ أن ما بين يديه ليس منشورًا دعائيًا مدفوع الثمن.

أما إذا عادت الصحف بالوجوه القديمة والقيود القديمة والتمويل الغامض، فقد يظهر الورق على الأكشاك مرة أخرى، لكن الصحافة نفسها ستظل غائبة.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً