محررو لقطة AI – 19
11 أغسطس 2026
لم يعد التحالف بين الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، وقوات الدعم السريع مجرد تفاهم سياسي وُقّع بعيداً عن ميادين القتال. ففي جنوب كردفان، حيث تتداخل مواقع الطرفين مع طرق الإمداد والمدن المحاصرة، تحوّل التحالف إلى واقع عسكري ثقيل تدفع ثمنه المجتمعات المحلية، بينما يواجه الحلو أسئلة متزايدة حول مستقبل مشروعه السياسي والحدود التي يمكن أن يبلغها التعاون مع قوة ارتبط اسمها بانتهاكات واسعة خلال الحرب السودانية.
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان الحلو قد حقق مكاسب تكتيكية من التحالف، بل ما إذا كانت هذه المكاسب تساوي الفاتورة الإنسانية والعسكرية والأخلاقية التي بدأت تتراكم في جبال النوبة وجنوب كردفان.
فالحركة التي بنت جانباً كبيراً من مشروعها على الدفاع عن المهمشين ومقاومة سلطة المركز، أصبحت شريكاً سياسياً وعسكرياً لقوات الدعم السريع، ودخل قائدها نائباً لرئيس المجلس الرئاسي في الحكومة الموازية التي أعلنها «تحالف السودان التأسيسي». وبين شعارات «السودان الجديد» وواقع الحصار والقصف والنزوح، يجد الحلو نفسه أمام أصعب اختبار في مسيرته.
من الحياد الحذر إلى التحالف المفتوح
عند اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، حاولت الحركة الشعبية–شمال المحافظة على قدر من الاستقلال عن طرفي الصراع، مقدمة نفسها باعتبارها قوة ثالثة لها مشروعها الخاص، وليست امتداداً للجيش السوداني أو قوات الدعم السريع.
لكن هذا الموقف لم يستمر على حاله. فقد دخلت الحركة في مواجهات مع الجيش في جنوب كردفان، قبل أن تتقارب تدريجياً مع قوات الدعم السريع، وصولاً إلى توقيع ميثاق نيروبي في فبراير 2025 ضمن القوى التي أسست لاحقاً «تحالف السودان التأسيسي».
وفي يوليو 2025، أُعلن تشكيل حكومة موازية برئاسة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» للمجلس الرئاسي، وتولي عبد العزيز الحلو منصب نائب الرئيس، بينما عُيّن محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء.
بهذه الخطوة انتقل الحلو من التقاطع الميداني مع الدعم السريع إلى شراكة سياسية كاملة، ولم يعد ممكناً التعامل مع العلاقة باعتبارها تنسيقاً عسكرياً مؤقتاً فرضته ظروف المعركة.
جنوب كردفان تدفع الثمن
تمثل مدينتا كادقلي والدلنج أبرز وجوه الكارثة التي عاشتها جنوب كردفان خلال الحرب. فقد تعرضتا لحصار طويل وعمليات عسكرية متكررة أدت إلى تعطيل طرق الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء، وانهيار الخدمات الصحية، ونزوح أعداد كبيرة من السكان.
وتحدثت تقارير إنسانية عن مشاركة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال في تطويق المدينتين وقطع بعض الطرق المؤدية إليهما، بينما نفذ الجيش السوداني وحلفاؤه عمليات عسكرية متعاقبة لفتح الممرات واستعادة المناطق المحيطة.
وفي يناير وفبراير 2026، أعلن الجيش كسر الحصار عن الدلنج ثم كادقلي، لكن الطرق ظلت عرضة للقطع مجدداً، واستمرت الهجمات بالطائرات المسيّرة والمدفعية، مما جعل وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية عملية محفوفة بالمخاطر.
كما شهدت الدلنج في مارس 2026 هجوماً نُسب إلى قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، أسفر، وفق شبكة أطباء السودان، عن مقتل وإصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال. وأدى القصف المتبادل والعمليات العسكرية اللاحقة إلى تعميق الأزمة في مدينة كانت قد عاشت بالفعل أكثر من عامين تحت ظروف قريبة من المجاعة.
ولا تقع المسؤولية عن جميع معاناة جنوب كردفان على طرف واحد؛ فالجيش السوداني متهم بدوره بتنفيذ غارات جوية وقصف مناطق مدنية، كما تسببت سنوات الحرب السابقة وسياسات المركز في تهميش الإقليم وإضعاف بنيته الصحية والاقتصادية. لكن دخول الحركة الشعبية في تحالف عسكري مباشر مع الدعم السريع جعلها طرفاً مسؤولاً عن نتائج العمليات التي يشنها الحلف الجديد، ولم يعد ممكناً إعفاؤها من المساءلة بمجرد استدعاء تاريخ مظالم الإقليم.
الحاضنة الاجتماعية بين الخوف والانقسام
أخطر ما يواجهه الحلو لا يتمثل في خسارة موقع عسكري أو طريق إمداد، وإنما في احتمال تآكل علاقته بالمجتمعات التي قدّمت للحركة الحماية والمقاتلين والشرعية السياسية طوال عقود.
فجبال النوبة ليست كتلة سياسية واحدة، وسكانها لا يمكن اختزالهم في الحركة الشعبية أو اعتبارهم مؤيدين تلقائياً لكل قرارات قيادتها. داخل الإقليم تيارات اجتماعية وأهلية ودينية وسياسية متعددة، بينها من ظل متمسكاً بمشروع الحركة، ومنها من رفض التحالف مع الدعم السريع، ومنها من يحاول البقاء بعيداً عن أطراف الحرب كلها.
وقد وضع تمدد القتال السكان أمام خيارات قاسية. فبعض المدنيين نزحوا نحو مناطق سيطرة الجيش، بينما اتجه آخرون إلى المناطق الخاضعة للحركة، وفرّت مجموعات إلى شمال كردفان أو إلى جنوب السودان. وفي جميع الحالات، لم يعد المدني يجد منطقة آمنة بصورة كاملة.
وبالنسبة إلى عائلات فقدت أبناءها أو منازلها نتيجة الحصار والقصف، لن تكون الشعارات السياسية كافية لتبرير التحالف. فالناس يحاكمون القوى المسلحة بما يحدث في الأسواق والمستشفيات والطرق، لا بما يرد في المواثيق السياسية وحدها.
التناقض الأخلاقي الأكبر
بنت الحركة الشعبية–شمال خطابها على الدفاع عن ضحايا التهميش، والمطالبة بدولة علمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وإنهاء هيمنة المركز السياسي والعسكري.
غير أن تحالفها مع قوات الدعم السريع وضع هذا الخطاب أمام تناقض عميق. فالدعم السريع يواجه اتهامات موثقة بارتكاب عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وتهجير ونهب في مناطق واسعة من السودان، خصوصاً دارفور والجزيرة والخرطوم وكردفان.
ويقول منتقدو الحلو إن الحركة لا تستطيع المطالبة بالعدالة لضحايا جبال النوبة، ثم الدخول في شراكة مع قوة متهمة بصناعة ضحايا جدد في أقاليم أخرى. كما لا يمكنها الاحتفاظ بصورتها بوصفها حركة تحرر، إذا أصبحت جزءاً من مشروع عسكري يسعى إلى فرض ترتيبات سياسية بقوة السلاح.
ولا يعني ذلك بالضرورة تطابق الحركة الشعبية والدعم السريع في التاريخ أو الأيديولوجيا والبنية التنظيمية. فالحركة نشأت من سياق مختلف وتحمل برنامجاً سياسياً أكثر وضوحاً بشأن العلمانية وإعادة بناء الدولة. لكن التحالفات لا تُقاس فقط بخلفيات أطرافها، وإنما أيضاً بالنتائج التي تنتجها على الأرض.
كيف يبرر الحلو التحالف؟
من منظور الحلو وأنصاره، لا يُنظر إلى التحالف باعتباره تخلياً عن مشروع «السودان الجديد»، بل محاولةً لتوفير قوة عسكرية وسياسية قادرة على مواجهة الدولة المركزية وإعادة تشكيلها.
وتقوم هذه الرؤية على أن الجيش السوداني ليس مؤسسة محايدة، وإنما امتداد تاريخي للدولة التي خاضت حروباً طويلة في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور. ولذلك ترى الحركة أن هزيمة البنية العسكرية القديمة شرط سابق لبناء دولة جديدة تقوم على المساواة.
كما يقدم أنصار التحالف قوات الدعم السريع باعتبارها قوة خرجت بدورها من الأطراف السودانية، وأن مقاتليها ينتمون إلى مجتمعات عانت من التهميش الاقتصادي والاجتماعي.
لكن هذا التبرير يواجه مشكلة أساسية: الانتماء الجغرافي إلى الهامش لا يمنح أي قوة حصانة أخلاقية، ولا يحوّل الانتهاكات إلى أعمال تحرر. فالمهمش يمكن أن يصبح أداةً لتهميش آخرين، وضحية الأمس قد تتحول إلى طرف في صناعة ضحايا جدد.
ومن هنا يصبح السؤال: هل تحالف الحلو مع مشروع يعيد بناء الدولة لمصلحة المهمشين، أم دخل في شراكة عسكرية تستخدم خطاب الهامش لتبرير صراع جديد على السلطة؟
مكاسب عسكرية قصيرة الأجل
لا يمكن إنكار أن التحالف منح الحركة بعض المكاسب التكتيكية. فقد أتاح لها توسيع نطاق عملياتها، وربط بعض مناطق نفوذها بمحاور تتحرك فيها قوات الدعم السريع، وزيادة الضغط على مواقع الجيش في جنوب كردفان.
كما منح الحلو موقعاً متقدماً داخل الحكومة الموازية، وحوّل الحركة من قوة إقليمية تسيطر على أجزاء من جبال النوبة والنيل الأزرق إلى شريك معلن في مشروع ينازع سلطة بورتسودان على تمثيل السودان.
لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة بقدرة الدعم السريع على الصمود عسكرياً والاحتفاظ بمناطق سيطرته. فإذا تراجع حليف الحلو أو فقد طرق إمداده، قد تجد الحركة نفسها مكشوفة أمام ضغط عسكري واسع، بعدما فقدت في الوقت نفسه مساحة كبيرة من قدرتها على المناورة السياسية.
كذلك فإن تولي الحلو منصب نائب رئيس مجلس تقوده قوات الدعم السريع قد يمنحه نفوذاً شكلياً، لكنه لا يضمن أن تكون الحركة صاحبة القرار الحقيقي داخل التحالف، خصوصاً في ظل التفاوت الكبير في الموارد والتسليح والعلاقات الخارجية.
الخسارة السياسية تتجاوز الميدان
أكبر فواتير التحالف قد تظهر بعد توقف الحرب، لا أثناءها. فإذا دخل السودان مرحلة تفاوض شاملة، ستواجه الحركة الشعبية أسئلة حول مشاركتها في الحصار والعمليات العسكرية، ومدى مسؤوليتها عن الانتهاكات التي ارتُكبت في مناطق عمل القوات المتحالفة معها.
كما قد تجد صعوبة في استعادة علاقاتها مع قوى مدنية كانت تنظر إلى مشروع الحلو باهتمام، خصوصاً بسبب مواقفه السابقة من العلمانية وحق تقرير المصير وإعادة هيكلة الدولة.
فالحركة كانت تمتلك رصيداً سياسياً يتجاوز حجم سيطرتها العسكرية، لأنها طرحت أسئلة حقيقية بشأن هوية الدولة وعلاقة الدين بالسياسة والمساواة بين الأقاليم. لكن اقتران مشروعها بالدعم السريع قد يحوّل النقاش من أفكار الحلو إلى طبيعة حليفه وسجل قواته.
وهنا تكمن المفارقة: التحالف الذي أراد الحلو من خلاله نقل الحركة إلى قلب السلطة قد ينتهي بتقليص قدرتها على التأثير في مستقبل السودان.
هل يستطيع الحلو الانفصال عن الدعم السريع؟
من الناحية السياسية، يستطيع الحلو مراجعة التحالف أو إعادة تعريفه. لكن كلفة الانفصال ترتفع كلما تعمق التنسيق العسكري وتداخلت هياكل الحكم الموازي.
فالانسحاب قد يعني خسارة طرق الإمداد والمكاسب السياسية التي حصلت عليها الحركة، بينما يعني الاستمرار تحمل مزيد من المسؤولية عن نتائج الحرب وأفعال الحليف.
وقد يحاول الحلو تقديم نفسه لاحقاً بوصفه الضامن السياسي داخل التحالف، أو القوة القادرة على ضبط الدعم السريع وإقناعه بتبني مشروع مدني علماني. غير أن نجاح هذه الرواية يحتاج إلى أدلة عملية، مثل حماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والتحقيق في الانتهاكات، ومنع استهداف القرى والمدن.
حتى الآن، يبدو أن منطق الحرب هو الذي يفرض شروطه على التحالف، وليس البرنامج السياسي المعلن.
فاتورة مؤجلة أم رهان على النصر؟
نعم، بدأ عبد العزيز الحلو دفع فاتورة تحالفه مع قوات الدعم السريع. تظهر هذه الفاتورة في اتساع الحرب داخل جنوب كردفان، ومعاناة المدنيين، والضغط العسكري على مناطق الحركة، وتراجع صورتها الأخلاقية لدى قطاعات سودانية كانت تتعامل معها باعتبارها صاحبة مشروع مختلف.
لكنه لا يزال يراهن على أن المكاسب النهائية ستتجاوز الخسائر الحالية، وأن التحالف قادر على كسر احتكار الجيش للسلطة وفرض صيغة جديدة للدولة السودانية.
إنه رهان بالغ الخطورة؛ لأن الحلو لا يخاطر فقط بموقعه السياسي، بل بتاريخ حركة كاملة وبمستقبل مجتمع حمل السلاح لعقود طلباً للحماية والعدالة.
فإذا انتهى التحالف إلى إعادة إنتاج العنف والحصار وفرض السلطة بالقوة، فلن يكون قد أسقط نموذج «السودان القديم»، وإنما غيّر أسماء حاملي السلاح وأبقى الدولة القديمة حاضرة في سلوكهم.
وفي جنوب كردفان، حيث يسبق الجوع البيانات السياسية وتصل أصوات القذائف قبل وعود الحكومات، لن تُقاس خيارات الحلو بعدد المناصب التي حصل عليها، بل بعدد المدنيين الذين حماهم، والطرق التي فتحها، والحروب التي أوقفها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات