محررو لقطة AI – 13
20 سبتمبر 2026
في الخارج، تتكثف الدعوات لإيقاف الحرب السودانية ولو مؤقتًا. وفي الداخل، تتحرك القوات وتُفتح المحاور وتُختبر خطوط الإمداد وكأن التفاوض يجري بلغة أخرى تمامًا.
هذه المفارقة عادت إلى الواجهة مع تجديد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس الدعوة إلى هدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، تسمح بوصول المساعدات دون عوائق، مؤكدًا أن واشنطن لا ترى حلًا عسكريًا للحرب. وأعلن بولس بالتزامن مساهمة أمريكية بقيمة 375 مليون دولار لدعم الجهود الإنسانية المرتبطة بالسودان. (Shorouk News)
لكن بينما كانت واشنطن تتحدث عن تسعين يومًا من الهدوء، كانت التطورات الميدانية في شمال كردفان والنيل الأزرق تشير إلى اتجاه مختلف.
الجيش السوداني أعلن تقدمه في محور سودري وسيطرته على الجمامة شمال شرقي المدينة، كما أعلن صد هجوم في منطقة مقجة بمحلية الكرمك في النيل الأزرق. وفي المقابل، تحدثت قوات الدعم السريع عن تقدم في أبو قعود غربي الأبيض واستمرار المواجهات على جبهات كردفان والنيل الأزرق. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع ادعاءات السيطرة الميدانية المتبادلة. (الجزيرة نت)
المشكلة، إذن، ليست في العثور على عبارة جديدة لوقف الحرب.
السودان سمع خلال أكثر من ثلاث سنوات عبارات كثيرة: هدنة إنسانية، وقف إطلاق نار، ممرات آمنة، مفاوضات مباشرة، حوار سوداني-سوداني، وقف دائم للأعمال العدائية.
لكن المسافة بين طاولة الوسيط والخندق ظلت أكبر من قدرة معظم المبادرات على عبورها.
لماذا تبدو 90 يومًا بسيطة على الورق؟
إنسانيًا، يصعب الاعتراض على الفكرة.
ثلاثة أشهر من توقف القتال يمكن أن تفتح الطرق أمام الغذاء والدواء، وتسمح للمنظمات بالوصول إلى مناطق يصعب الوصول إليها، وتمنح المدنيين فرصة للخروج من مناطق الخطر، وربما تسمح بإعادة تشغيل بعض المستشفيات والأسواق وشبكات المياه.
لكن عسكريًا، ينظر كل طرف إلى الأيام التسعين بحساب مختلف.
وقف النار لا يعني فقط توقف إطلاق الرصاص.
إنه يعني أيضًا تثبيت خطوط السيطرة عند نقطة معينة، وتعليق عمليات هجومية جرى الإعداد لها، وإعطاء الخصم فرصة لإعادة تنظيم قواته، وإصلاح آلياته، وتعويض خسائره وربما تعزيز مواقعه.
ولهذا تصبح الجملة الإنسانية البسيطة — «أوقفوا الحرب ثلاثة أشهر» — سؤالًا عسكريًا بالغ التعقيد:
من سيستفيد أكثر من اليوم الأول للهدنة وحتى اليوم التسعين؟
العقدة الحقيقية: أين تقف القوات في اليوم الأول؟
هذه واحدة من أصعب نقاط التفاوض.
فالمباحثات الأمريكية السابقة بشأن الهدنة اصطدمت بخلافات جوهرية تتجاوز مجرد توقيت وقف إطلاق النار.
وفق تفاصيل نشرتها «سودان تربيون» عن المقترحات المتداولة، أبدت قوات الدعم السريع قبولًا بمبدأ هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، لكنها رفضت مقترحًا أمريكيًا يتضمن انسحابًا تدريجيًا وجزئيًا من بعض المواقع التي تسيطر عليها، خصوصًا في شمال دارفور وشمال كردفان.
وفي المقابل، يتمسك الجانب الحكومي بمطلب انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب. (Sudan Tribune)
وهنا تظهر العقدة.
إذا توقفت الحرب بينما يحتفظ كل طرف بمواقعه، فقد يعتبر أحدهما أن الهدنة كرّست مكاسب خصمه.
وإذا اشترط وقف النار انسحابات مسبقة، يصبح السؤال: من ينسحب أولًا؟ وإلى أين؟ ومن يراقب التنفيذ؟
لهذا فإن الاتفاق على وقف إطلاق النار قد يكون أسهل من الاتفاق على الجغرافيا التي يبدأ عندها وقف إطلاق النار.
الميدان يريد تحسين شروط الطاولة
ما يحدث في شمال كردفان يقدم مثالًا واضحًا.
الجيش يحاول، بحسب روايته المعلنة، الضغط على خطوط إمداد الدعم السريع بين كردفان ودارفور، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى تثبيت مواقعها وتحقيق تقدم في مناطق أخرى. (الجزيرة نت)
كل كيلومتر يُكسب قبل الهدنة قد يتحول لاحقًا إلى ورقة تفاوض.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتزامن الدعوات الدولية لوقف النار مع زيادة العمليات العسكرية بدل انخفاضها.
عندما يعتقد طرف أن المفاوضات تقترب، قد يصبح لديه دافع إضافي لتحسين موقعه قبل تثبيت خطوط القتال.
وهذه ليست خصوصية سودانية؛ إنها واحدة من المفارقات المعروفة في الحروب: اقتراب التفاوض يمكن أحيانًا أن يرفع حرارة الميدان قبل أن يخفضها.
واشنطن نفسها تحذر من إعلان اتفاق قبل أوانه
حتى الوساطة الأمريكية تبدو مدركة لحجم الفجوة.
بولس سبق أن حذر من التعامل مع التسريبات التي تتحدث عن اقتراب اتفاق نهائي باعتبارها حقائق، وقال إن عدة مسائل جوهرية ما تزال قيد النقاش، وإن بعضها لم يُقبل أو رُفض من الأطراف، مؤكدًا أن أي اتفاق رسمي سيعلن عندما يتم التوصل إليه. (Sudan Tribune)
وهذا مهم لأنه يضع سقفًا واقعيًا للتوقعات.
هناك مقترح لهدنة، لكن ذلك لا يعني أن هناك هدنة متفقًا عليها.
وهناك اتصالات ومفاوضات، لكن ذلك لا يعني أن الأطراف حسمت شروط وقف الحرب.
أزمة الوسطاء أيضًا
المشكلة الثانية أن السودان لا يعاني نقصًا في الوسطاء، بل ربما يعاني كثرتهم.
منذ اندلاع الحرب تحركت الولايات المتحدة والسعودية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ودول الجوار وأطراف دولية وإقليمية أخرى عبر مسارات متعددة.
وقد دعت «إيغاد» إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مع التحذير من تشتت مسارات الوساطة. (الجزيرة نت)
كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة زيادة فرص السلام.
إذا كان لكل مسار رعاته وأولوياته وعلاقاته المختلفة بأطراف الحرب، فقد يستطيع الطرف المتحارب الانتقال من مبادرة إلى أخرى بدل اتخاذ القرار الأصعب.
وهو: ماذا سيقدم مقابل وقف القتال؟
الثقة شبه غائبة
هناك مشكلة ثالثة لا تقل صعوبة.
حتى إذا وافق الجيش والدعم السريع على كلمة «هدنة»، يبقى السؤال: من يضمن أن الطرف الآخر سيلتزم بها؟
تجارب الحرب السابقة لا تساعد.
في نوفمبر 2025، أعلنت قوات الدعم السريع هدنة إنسانية من جانب واحد لمدة ثلاثة أشهر، بعد تحركات دولية لوقف الحرب، لكن رويترز أشارت وقتها إلى أن إعلانًا سابقًا بقبول وقف النار تبعته هجمات بطائرات مسيرة على مناطق يسيطر عليها الجيش. (Reuters)
ولهذا لا يكفي توقيع الورقة.
أي هدنة قابلة للحياة تحتاج إلى آلية مراقبة، وطريقة لتسجيل الخروقات، وتحديد الجهة التي تحقق فيها، ثم إجراءات واضحة إذا خالف أحد الطرفين الاتفاق.
من دون ذلك يستطيع كل طرف أن يتهم الآخر بإطلاق الرصاصة الأولى، ثم تعود الحرب.
المدنيون لا يملكون رفاهية الحساب العسكري
وسط هذه الحسابات توجد الحقيقة التي تضيع بسهولة بين الخرائط.
الهدنة بالنسبة للوسيط مشروع سياسي.
وبالنسبة للقادة العسكريين هي حساب للمكاسب والخسائر.
لكنها بالنسبة للمدني قد تعني شاحنة غذاء تصل إلى قرية، أو طريقًا يمكن عبوره، أو مستشفى يستطيع استقبال الدواء، أو أسرة تستطيع مغادرة منطقة القتال.
ولهذا تكتسب الدعوة الأمريكية إلى هدنة إنسانية أهميتها حتى إذا كانت فرص تنفيذها غير واضحة.
فالمطلوب إنسانيًا ليس حل كل قضايا السودان خلال تسعين يومًا، وإنما خلق مساحة يتوقف فيها الموت بما يكفي لإدخال المساعدات وحماية المدنيين.
لكن حتى هذا الهدف المحدود يصطدم بالسؤال العسكري نفسه: من يثق بمن؟
اجتماع نيويورك يقترب
ويزداد الملف أهمية مع اقتراب اجتماع مخصص للسودان في نيويورك في 21 سبتمبر على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تحركات أمريكية ودولية لإعادة تنشيط مسار وقف الحرب. (القدس العربي)
هذا الاجتماع قد يكشف ما إذا كانت دعوة التسعين يومًا ستنتقل من رسالة سياسية إلى صيغة عملية تتضمن شروطًا وآلية مراقبة وضمانات تنفيذ.
وسيكون الأهم مراقبة موقف طرفي الحرب، لا بيانات الوسطاء وحدها.
فالاختبار الحقيقي لأي مبادرة ليس عدد الدول التي تؤيدها، وإنما ما إذا كان الذين يحملون السلاح مستعدين لدفع ثمنها السياسي والعسكري.
السودان لا يحتاج هدنة مكتوبة فقط
الدرس الذي تكرر منذ اندلاع الحرب واضح.
وقف إطلاق النار الذي لا يملك وسيلة للوصول إلى الجندي في الميدان يظل نصًا دبلوماسيًا.
والهدنة التي لا تحسم قضية المواقع العسكرية والحركة والإمداد والمراقبة والخروقات تحمل داخلها أسباب انهيارها.
أما الوساطة التي لا تستطيع تحويل وقف القتال إلى خيار أقل تكلفة للطرفين من استمرار الحرب، فستظل تطارد الأحداث بدل أن تغيرها.
لذلك فإن السؤال خلال الأيام المقبلة ليس ما إذا كان العالم يريد هدنة في السودان.
هذا معروف.
السؤال الأصعب هو: هل وصلت الحرب إلى النقطة التي يعتقد فيها طرفاها أن تسعين يومًا بلا قتال تخدم مصالحهما أكثر من تسعين يومًا أخرى من محاولة تغيير الخريطة؟
حتى الآن، صوت المدافع يوحي بأن الإجابة لم تُحسم.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات