محررو لقطة AI
29 أغسطس 2026
تلوح بوادر أزمة غير مسبوقة في العلاقة بين قوات الدعم السريع والمملكة العربية السعودية، بعدما كشفت مصادر عن انسحاب عناصر تابعة للقوات من بعض مواقعها الأمامية المقابلة للحدود اليمنية وإعادة تجميعها داخل معسكراتها في السعودية، وسط اتجاه داخل قيادة الدعم السريع إلى بحث سحب قواتها من الأراضي السعودية ومن التحالف العربي.
وبحسب تقرير نشره موقع «دارفور24» السبت، فإن التحرك جاء على خلفية تصاعد التوتر عقب تصريحات المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة، عبد العزيز الواصل، التي أدان فيها الانتهاكات والهجمات التي تنفذها قوات الدعم السريع ضد المدنيين في السودان، ولا سيما في شمال وجنوب كردفان.
وتكتسب التطورات أهميتها من أن الأمر، وفق المصادر، لم يعد محصورًا في خلاف سياسي أو تراشق غير معلن، إذ انسحبت بالفعل قوات من بعض الارتكازات الأمامية على الحدود السعودية اليمنية وأعيد تجميعها داخل المعسكرات، بينما تنتظر توجيهات جديدة من قيادة الدعم السريع. ومع ذلك، لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي من الرياض أو الدعم السريع يؤكد اتخاذ قرار نهائي بمغادرة السعودية.
وتقول المصادر التي تحدثت إلى «دارفور24» إن قيادة الدعم السريع أبدت استياءها من الموقف السعودي، وأبلغت الرياض رفضها لما جاء في كلمة مندوب المملكة، بل وطالبت باعتذار رسمي. غير أن التقرير لم يشر إلى استجابة سعودية لهذا الطلب.
ويحتاج هذا الجانب إلى قدر من الحذر؛ فالمعلومات المتعلقة بطلب الاعتذار، وكذلك الرقم الذي أوردته المصادر عن وجود أكثر من خمسة آلاف عنصر من الدعم السريع ضمن قوات التحالف في السعودية، لم تتأكد حتى الآن من مصدر سعودي رسمي أو مصدر دولي مستقل. ولذلك تبقى في إطار المعلومات المنسوبة إلى مصادر التقرير، وليست حقائق مؤكدة بصورة مستقلة.
لماذا يمثل الموقف السعودي تحولًا مهمًا؟
العامل الأكثر أهمية في الأزمة ليس مجرد إعادة انتشار قوة عسكرية، وإنما التغير الظاهر في اللهجة السعودية تجاه الدعم السريع.
ففي جلسة مجلس الأمن بشأن السودان، لم يكتفِ المندوب السعودي بالدعوة العامة إلى وقف الحرب، وإنما أدان بصورة مباشرة انتهاكات وهجمات قوات الدعم السريع ضد المدنيين، خصوصًا في شمال وجنوب كردفان، وقال إن تلك الهجمات أسفرت عن سقوط ضحايا وإلحاق أضرار بالمنشآت المدنية وقوافل المساعدات الإنسانية. كما أعاد التأكيد على ضرورة تنفيذ الالتزامات التي توصل إليها الطرفان عبر منبر جدة.
وتحمل الإشارة إلى جدة دلالة خاصة. فالسعودية لعبت منذ الأسابيع الأولى لحرب السودان دور الوسيط، واستضافت إلى جانب الولايات المتحدة مفاوضات الجيش والدعم السريع التي أنتجت في مايو 2023 إعلان جدة واتفاقًا قصير الأجل لوقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية.
وبالتالي فإن انتقال الرياض إلى إدانة الدعم السريع بالاسم يمكن أن تقرأه قيادة القوات باعتباره ابتعادًا سعوديًا عن المسافة التي حاولت المملكة المحافظة عليها بين طرفي الحرب.
قوات جاءت من حرب اليمن وقد تعود إلى حرب السودان
وجود القوات السودانية في السعودية واليمن يعود إلى مرحلة مختلفة تمامًا من تاريخ السودان والمنطقة، عندما شاركت الخرطوم بقوات ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية في حرب اليمن.
وكانت قوات الدعم السريع جزءًا مهمًا من ذلك الانتشار، واكتسب عدد من عناصرها خبرة قتالية عبر العمليات على الأراضي اليمنية والمناطق الحدودية.
لكن المفارقة أن القوات الموجودة هناك منذ سنوات قد تجد نفسها الآن أمام احتمال العودة إلى السودان في وقت تشهد فيه الحرب الداخلية اتساعًا جديدًا في جبهات كردفان والنيل الأزرق.
وتذهب المصادر التي تحدثت إلى «دارفور24» إلى احتمال وجود صلة بين زيارة قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو إلى إثيوبيا وبين بحث ترتيبات لنقل القوات الموجودة في السعودية، عبر إحدى دول الجوار، إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور وكردفان. غير أنه لا يوجد حتى الآن دليل مستقل يؤكد هذه الصلة، ولذلك ينبغي التعامل معها كاحتمال طرحته مصادر التقرير وليس كمعلومة محسومة.
وهنا تصبح القضية أكثر حساسية عسكريًا. فإذا عاد بالفعل آلاف المقاتلين الموجودين في السعودية إلى السودان، فلن تكون الخطوة مجرد تعبير عن خلاف دبلوماسي؛ بل يمكن أن تتحول إلى إعادة ضخ قوة بشرية ذات خبرة قتالية في جبهات الحرب السودانية في لحظة تشهد فيها عدة محاور عمليات متزامنة.
أزمة تتجاوز الجنود إلى مستقبل العلاقة مع الرياض
هناك بعد آخر لا يقل أهمية: مستقبل العلاقة السياسية بين الدعم السريع والسعودية.
فالرياض ليست دولة عادية في ملف الحرب السودانية؛ فهي إحدى الدول القليلة التي احتفظت بقناة تفاوض مباشرة مع طرفي الصراع، كما أن منبر جدة ظل مرجعية دولية متكررة عند الحديث عن حماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية.
لذلك فإن تحول الخلاف الحالي إلى انسحاب كامل لقوات الدعم السريع من السعودية يمكن أن يكون مؤشرًا على تصدع أوسع في العلاقة بين الطرفين، وقد ينعكس لاحقًا على أي محاولة سعودية جديدة لإحياء مفاوضات جدة أو ممارسة ضغوط على أطراف الحرب.
وفي المقابل، فإن بقاء القوات داخل معسكراتها واحتواء الخلاف دبلوماسيًا سيعني أن الطرفين لا يزالان حريصين على عدم تحويل التوتر إلى قطيعة.
لهذا ستكون المؤشرات التالية هي الأهم: هل تصدر قيادة الدعم السريع قرارًا رسميًا بسحب قواتها؟ وهل تؤكد السعودية وجود إعادة انتشار فعلية؟ وهل تتحرك القوات خارج المملكة، وإذا حدث ذلك، إلى أين ستتجه؟
حتى الآن، المؤكد وفق التقرير هو إعادة تجميع عناصر من مواقع أمامية داخل المعسكرات. أما الانسحاب الكامل من السعودية فلم يحدث بصورة معلنة بعد.
وإذا انتقلت المسألة من التفكير إلى التنفيذ، فإن خبرًا بدأ بخلاف حول كلمة في مجلس الأمن قد يتحول سريعًا إلى تطور عسكري وسياسي مؤثر في حرب السودان نفسها.
الصورة: مقاتلون سودانيون ضمن القوات المشاركة في عمليات التحالف بقيادة السعودية على جبهة ميدي في اليمن، في صورة التقطتها وكالة فرانس برس عام 2021. صورة أرشيفية مرتبطة مباشرة بموضوع المشاركة العسكرية السودانية في حرب اليمن، وليست من تحركات القوات الحالية في السعودية.
التعليقات
0 تعليقات