محررو لقطة AI – 13
23 أغسطس 2026
توقف المستشفى الريفي في مدينة رهيد البردي بولاية جنوب دارفور عن تقديم خدماته الطبية، وأُغلق بالكامل منذ نحو أسبوع، وسط نقص حاد في الكوادر الطبية وانعدام التمويل اللازم للتشغيل، ما ترك آلاف السكان من دون رعاية صحية قريبة.
ولا تقتصر تداعيات الإغلاق على سكان رهيد البردي وحدهم، إذ كان المستشفى يستقبل المرضى القادمين من محليات كبم وعد الفرسان وأم دافوق وأم دخن، إضافة إلى قرى وبلدات مجاورة ومناطق حدودية مع جمهورية أفريقيا الوسطى.
ويمثل توقف المستشفى حلقة جديدة في سلسلة انهيار المرافق الصحية في إقليم دارفور، حيث أدت الحرب ونقص الإمدادات وهجرة الكوادر الطبية وتراجع تمويل المنظمات إلى خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة.
طبيب واحد وسبعة معاونين
كان المستشفى يعمل، قبل إغلاقه، بإمكانات محدودة للغاية، إذ لم يكن يضم سوى طبيب واحد وسبعة معاونين صحيين لتقديم الخدمات لآلاف المرضى القادمين من مساحة جغرافية واسعة.
وأدى مغادرة الطبيب الوحيد للمنطقة بغرض مواصلة دراساته العليا إلى تفاقم الأزمة، بعدما أصبح المستشفى من دون طبيب مقيم يمكنه التعامل مع الحالات الطارئة أو إجراء الفحوصات والإشراف على أقسام العلاج.
وحاول معاونون صحيون وعاملون محليون إبقاء بعض الخدمات الأساسية قيد التشغيل، لكن نقص الأدوية والمعدات والتمويل جعل استمرار العمل أمراً بالغ الصعوبة.
وقال أحد سكان رهيد البردي إن الإغلاق جاء نتيجة عدم توافر الدعم المالي الكافي، إلى جانب النقص الحاد في الكوادر الطبية وتدهور الأوضاع الاقتصادية للسكان، الذين لم يعد كثير منهم قادراً على تحمل تكاليف العلاج.
وكانت تقارير سابقة قد حذرت من أن المستشفى يواجه خطر التوقف بعد مغادرة طبيبه الوحيد، رغم المبادرات المجتمعية التي أُطلقت لإنقاذه. وبحسب شهادات محلية، كان المستشفى يعمل بطبيب واحد وسبعة معاونين فقط قبل إغلاقه.
منطقة واسعة بلا بديل قريب
يُعد مستشفى رهيد البردي من المرافق الصحية الأساسية في جنوب دارفور، نظراً إلى موقع المدينة وارتباطها بعدد من المحليات والمناطق الريفية والحدودية.
وكان المرضى يصلون إليه من كبم وعد الفرسان وأم دافوق وأم دخن، فضلاً عن بعض المناطق القريبة من الحدود مع أفريقيا الوسطى، للحصول على خدمات الطوارئ والعلاج العام ورعاية النساء والأطفال.
ويعني إغلاقه اضطرار المرضى إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مستشفيات بديلة، في ظل تدهور الطرق وارتفاع تكاليف النقل ونقص الوقود والمخاطر الأمنية المرتبطة بالحركة بين المدن.
وقد تكون رحلة الوصول إلى العلاج أكثر خطورة بالنسبة إلى النساء الحوامل والأطفال وكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة، إذ تحتاج هذه الفئات إلى رعاية منتظمة وسريعة لا تسمح بها المسافات الطويلة.
كما يهدد الإغلاق حياة المصابين في الحوادث وحالات النزيف والولادات المتعسرة، لأن تأخر التدخل الطبي في مثل هذه الحالات قد يحول مشكلة قابلة للعلاج إلى حالة مميتة.
الفقر يعمق الأزمة
لا ترتبط أزمة المستشفى بنقص الأطباء والتمويل وحدهما، بل تتداخل معها الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان المنطقة.
فقد أدى ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والوقود، إلى جانب فقدان مصادر الدخل وتراجع النشاط التجاري والزراعي، إلى إضعاف قدرة الأسر على دفع تكاليف العلاج أو شراء الأدوية من الأسواق الخاصة.
ويواجه كثير من السكان معادلة قاسية بين الإنفاق على الغذاء والعلاج، بينما تضطر أسر إلى تأجيل زيارة الطبيب أو الاعتماد على علاجات تقليدية بسبب انعدام المال.
وأثر ضعف القدرة المالية للسكان بدوره في إيرادات المستشفى، الذي كان يعتمد جزئياً على رسوم محدودة لتغطية النفقات اليومية وشراء الوقود وبعض المستلزمات.
لكن تحميل المجتمع المحلي وحده مسؤولية تمويل مرفق يخدم عدة محليات لا يمثل حلاً مستداماً، خصوصاً في منطقة تضررت اقتصادياً وإنسانياً من الحرب.
مبادرة مجتمعية لم تمنع الإغلاق
أطلق ناشطون وقيادات مجتمعية في رهيد البردي خلال الأسابيع الماضية مبادرة لإنقاذ المستشفى واستمرار خدماته، بعد ظهور مؤشرات على قرب توقفه.
واتفق المشاركون في المبادرة على إنشاء صندوق مجتمعي وتشكيل لجنة من 11 عضواً لإدارته والإشراف على جمع التبرعات، مع توجيه نداء إلى أبناء المنطقة داخل السودان وخارجه للمساهمة في دعم المستشفى.
وكان الهدف توفير الحوافز للكوادر الطبية وشراء الأدوية والمستلزمات وتغطية النفقات التشغيلية العاجلة، إلى حين تدخل السلطات الصحية أو المنظمات الإنسانية.
لكن المبادرة لم تتمكن حتى الآن من توفير الموارد الكافية لمنع الإغلاق الكامل، ما يكشف حجم الفجوة بين احتياجات المستشفى والإمكانات المتاحة للمجتمع المحلي.
ورغم أهمية المبادرات الشعبية، فإنها تظل محدودة إذا لم تحصل على دعم رسمي ومنظم، خاصة أن تشغيل المستشفى يحتاج إلى أطباء وممرضين ومعدات وأدوية وسلسلة إمداد مستمرة، وليس إلى تبرعات مؤقتة فقط.
مخاطر انتشار الأمراض
يأتي إغلاق مستشفى رهيد البردي في وقت تواجه فيه ولايات دارفور تفشياً متزايداً للأمراض المعدية، بما فيها الملاريا والحصبة والكوليرا والالتهابات المرتبطة بسوء التغذية ونقص المياه النظيفة.
ويزيد موسم الأمطار من خطر انتشار الملاريا والأمراض المنقولة عبر المياه، بينما تفتقر مناطق ريفية واسعة إلى خدمات الوقاية والتطعيم والتشخيص المبكر.
ويؤدي غياب المستشفى إلى تأخر اكتشاف الحالات الوبائية والإبلاغ عنها، ما يسمح بانتقال العدوى داخل القرى قبل وصول الفرق الصحية أو المنظمات الإنسانية.
كما يؤثر الإغلاق في برامج تطعيم الأطفال ورعاية الحوامل ومتابعة المصابين بالسل والسكري وارتفاع ضغط الدم، وهي خدمات تحتاج إلى الاستمرار ولا يمكن تأجيلها لفترات طويلة.
ويهدد نقص الخدمات الصحية كذلك الأطفال المصابين بسوء التغذية، الذين يحتاجون إلى متابعة طبية وأغذية علاجية وأدوية لمواجهة الالتهابات المصاحبة.
أزمة تتجاوز مستشفى واحداً
يعكس توقف مستشفى رهيد البردي الوضع المتدهور للقطاع الصحي في السودان عموماً ودارفور خصوصاً، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.
وتشير تقديرات وزارة الصحة السودانية إلى خروج نحو 37% من المرافق الصحية في البلاد عن الخدمة، بينما تعمل مرافق أخرى بصورة جزئية في ظل نقص الأطباء والأدوية والمعدات والكهرباء.
وفي دارفور، تعرضت مستشفيات للقصف والتدمير، فيما توقف بعضها بسبب انعدام الأمن أو انسحاب المنظمات أو نفاد الإمدادات، ما ترك ملايين السكان من دون رعاية صحية مناسبة.
كما دفعت الحرب أعداداً كبيرة من الأطباء والممرضين إلى مغادرة مناطقهم أو البلاد، بينما يعمل الباقون في ظروف شديدة الخطورة ومن دون أجور منتظمة أو وسائل حماية كافية.
وتتضاعف الأزمة في المدن الصغيرة والمناطق الريفية، لأن الكوادر القليلة المتوافرة تتركز غالباً في المدن الكبرى، بينما تعتمد المستشفيات الطرفية على طبيب واحد أو معاونين صحيين.
نداء للتدخل العاجل
يطالب سكان رهيد البردي وزارة الصحة في جنوب دارفور والمنظمات الإنسانية بالتدخل العاجل لإعادة فتح المستشفى وتوفير طبيب مقيم وكوادر تمريضية ومساعدين طبيين.
كما يدعون إلى تأمين الأدوية الأساسية ومستلزمات الطوارئ والولادة، وإيجاد تمويل ثابت يغطي الحوافز وتكاليف التشغيل، بدلاً من الاعتماد الكامل على مساهمات السكان.
وتحتاج الاستجابة العاجلة إلى خطة مرحلية تبدأ بإعادة قسم الطوارئ والولادة إلى العمل، ثم استعادة بقية الأقسام تدريجياً، مع توفير نظام إحالة لنقل الحالات التي تحتاج إلى علاج متخصص.
ومن الضروري كذلك تخصيص سيارة إسعاف مجهزة لخدمة القرى البعيدة، وتوفير الوقود بصورة منتظمة، حتى لا يبقى المرضى عالقين بسبب صعوبة النقل.
وعلى المدى الطويل، يتطلب إنقاذ المستشفى تعيين عدد كافٍ من الأطباء والكوادر، وتحسين السكن والحوافز المخصصة لهم، لضمان بقائهم في المنطقة وعدم تكرار الأزمة عند مغادرة طبيب واحد.
مستشفى صغير يحمل عبئاً كبيراً
قد يبدو مستشفى رهيد البردي مرفقاً ريفياً محدود الإمكانات، لكنه يمثل بالنسبة إلى آلاف السكان خط الدفاع الصحي الوحيد في مساحة واسعة من جنوب دارفور.
وتوقفه لا يعني إغلاق مبنى فحسب، بل يعني غياب الرعاية عن امرأة تواجه ولادة متعسرة، وطفل يعاني سوء التغذية، ومصاب يحتاج إلى إسعاف عاجل، ومريض مزمن يبحث عن جرعته الدوائية.
وبين النقص الحاد في التمويل وغياب الأطباء وفقر السكان، أصبح استمرار المستشفى مسؤولية تتجاوز قدرة المجتمع المحلي، وتحتاج إلى تدخل عاجل من السلطات والمنظمات والمانحين.
وكل يوم يمر من دون إعادة تشغيله يزيد احتمال وقوع وفيات كان يمكن تجنبها، ويوسع الفجوة الصحية في منطقة تدفع منذ سنوات ثمناً باهظاً للحرب والعزلة وانهيار الخدمات.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات