محررو لقطة AI – 13
17 أغسطس 2026
في جنوب دارفور، لم تعد الولادة لحظة انتظار للحياة بقدر ما تحولت، بالنسبة إلى آلاف النساء، إلى رحلة محفوفة بالموت. فالحرب التي دمّرت المرافق الصحية وقطعت الطرق وأفقرت الأسر، وضعت الحوامل والأمهات والأطفال حديثي الولادة في مواجهة مباشرة مع النزيف والالتهابات وسوء التغذية، من دون مستشفيات قادرة على استقبالهم أو أدوية تنقذ أرواحهم.
وتكشف تقارير ميدانية صادرة عن منظمة أطباء بلا حدود حجم الكارثة التي شهدتها الولاية، حيث سُجلت أعداد صادمة من وفيات الأمهات والرضّع داخل مستشفيين فقط تدعمهما المنظمة، في مؤشر يرجح أن يكون جزءاً محدوداً من أزمة أوسع تمتد إلى القرى والمناطق الريفية المعزولة التي يصعب الوصول إليها.
46 وفاة بين الأمهات في مستشفيين
سجل مستشفى نيالا التعليمي ومستشفى كاس الريفي، اللذان تدعمهما منظمة أطباء بلا حدود، 46 حالة وفاة بين الأمهات خلال الفترة من يناير حتى أغسطس 2024.
ويمثل هذا العدد، المسجل في مستشفيين فقط، أكثر من 7 في المئة من مجموع وفيات الأمهات التي رُصدت خلال عام 2023 في جميع مرافق أطباء بلا حدود حول العالم، ما يوضح حجم الخطر الاستثنائي الذي واجهته النساء في جنوب دارفور.
لكن الرقم لا يعكس الصورة كاملة؛ إذ تشير بيانات ميدانية أوسع إلى تسجيل 114 وفاة بين الأمهات في مناطق مختلفة من جنوب دارفور خلال الفترة من يناير حتى منتصف أغسطس من العام نفسه.
ويرجح عاملون في القطاع الصحي أن تكون الأعداد الحقيقية أكبر بكثير، نظراً إلى وفاة نساء داخل المنازل والقرى ومخيمات النزوح، بعيداً عن المؤسسات الطبية ونظم التسجيل والإبلاغ.
ولم تتمكن كثير من النساء من الوصول إلى المستشفيات إلا بعد تدهور حالتهن إلى مراحل حرجة. وأوضحت المنظمة أن نحو 78 في المئة من الوفيات المسجلة في مستشفيي نيالا وكاس حدثت خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من وصول المريضات، ما يعكس التأخر الخطير في الحصول على الرعاية الطبية.
الإنتان يتصدر أسباب الوفاة
شكّل الإنتان، أو التسمم الناتج عن العدوى، السبب الأكثر شيوعاً لوفيات الأمهات في المرافق التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود بجنوب دارفور.
وتُجبر النساء في مناطق واسعة على الولادة داخل المنازل أو مواقع النزوح، في ظروف تفتقر إلى المياه النظيفة والصابون والأدوات المعقمة ومستلزمات الولادة الأساسية. وفي بعض الحالات تُجرى الولادة فوق أسطح غير نظيفة وباستخدام أدوات قد تنقل العدوى إلى الأم أو المولود.
ومع نقص المضادات الحيوية والأدوية المنقذة للحياة، تتحول التهابات كان من الممكن علاجها بسهولة إلى مضاعفات قاتلة. وحتى عندما تصل المرأة إلى مركز صحي قريب، قد لا تجد طبيباً أو قابلة أو دواءً يمكن أن يوقف انتشار العدوى.
وتؤكد الشهادات الطبية أن بعض الحوامل ينتظرن أياماً لجمع تكاليف الانتقال إلى المستشفى، بينما تضطر أخريات إلى قطع مسافات طويلة عبر طرق غير آمنة تنتشر فيها نقاط التفتيش والاشتباكات المسلحة.
وتصبح رحلة البحث عن العلاج أكثر صعوبة في المناطق الريفية، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود وتوقف وسائل النقل إلى جعل الوصول إلى المستشفى أمراً يفوق القدرة المالية لكثير من الأسر.
48 رضيعاً فقدوا حياتهم
لم تتوقف الكارثة عند الأمهات. فقد سجل مستشفيا نيالا التعليمي وكاس الريفي وفاة 48 طفلاً حديث الولادة بسبب الإنتان خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2024.
وتشير البيانات إلى أن طفلاً من كل خمسة أطفال حديثي الولادة أصيبوا بالإنتان داخل المستشفيين لم يتمكن من النجاة.
وترتبط وفيات الرضّع مباشرة بظروف الولادة غير الصحية، وتأخر وصول الأمهات إلى المستشفيات، ونقص المضادات الحيوية، وضعف رعاية الأطفال الخدّج، وغياب الحضانات والأجهزة الضرورية لمراقبة التنفس والحرارة.
كما يؤدي سوء تغذية الأم أثناء الحمل إلى زيادة احتمال ولادة طفل منخفض الوزن أو ضعيف المناعة، ما يجعله أكثر عرضة للالتهابات والمضاعفات الصحية خلال أيامه الأولى.
وفي كثير من المناطق، لا يحصل المولود على الفحوص الأساسية أو اللقاحات والرعاية الضرورية بعد الولادة، فيما تفتقر المراكز الصحية إلى الكهرباء المنتظمة والمياه النظيفة ووسائل حفظ الأدوية.
سوء تغذية يتجاوز عتبة الطوارئ
ترتبط أزمة وفيات الأمهات والرضّع بموجة واسعة من سوء التغذية تهدد جيلاً كاملاً في جنوب دارفور.
وخلال فحص شمل نحو 30 ألف طفل دون سن الثانية في أغسطس 2024، تبين أن 32.5 في المئة منهم يعانون سوء التغذية الحاد، وهي نسبة تتجاوز بأكثر من الضعف عتبة الطوارئ التي تحددها منظمة الصحة العالمية عند 15 في المئة.
وأظهرت النتائج كذلك أن 8.1 في المئة من الأطفال الذين خضعوا للفحص يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم، وهي الحالة الأكثر خطورة والتي قد تقود إلى الوفاة إذا لم يحصل الطفل سريعاً على الغذاء العلاجي والرعاية الطبية.
ولا يقتصر سوء التغذية على الأطفال، إذ تعاني الحوامل والمرضعات نقصاً حاداً في الغذاء والمواد الضرورية للجسم، ما يؤثر في قدرتهن على تحمل الحمل والولادة وإرضاع أطفالهن.
وتعيش أسر كثيرة على وجبة واحدة يومياً، بينما تضطر بعض الأمهات إلى تقليل حصصهن الغذائية لإطعام أطفالهن. ويؤدي ارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل وتعطل الزراعة والتجارة إلى حرمان العائلات من المواد الغذائية الأساسية.
الولاية الأكبر في أعداد النازحين
تستضيف جنوب دارفور واحداً من أكبر تجمعات النازحين في السودان، بعدما دفعت المعارك والانتهاكات وأعمال العنف أعداداً كبيرة من السكان إلى مغادرة منازلهم واللجوء إلى نيالا وكاس والمناطق المحيطة بهما.
لكن مراكز النزوح تفتقر إلى المياه النظيفة والمراحيض والخدمات الصحية والغذاء الكافي، ما يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المعدية، خصوصاً بين النساء والأطفال.
وتواجه الحوامل داخل هذه التجمعات صعوبة كبيرة في إجراء الفحوص الدورية أو الحصول على المكملات الغذائية والأدوية. ولا تتمكن بعض النساء من مقابلة طبيب أو قابلة طوال فترة الحمل، ولا يلجأن إلى المستشفى إلا بعد بدء مضاعفات خطرة.
وتتداخل هذه الظروف مع انتشار الملاريا والإسهالات المائية والالتهابات التنفسية، بينما يؤدي ضعف المناعة الناتج عن الجوع إلى زيادة احتمالات الإصابة والوفاة.
مستشفيات خارج الخدمة
ألحقت الحرب أضراراً واسعة بالبنية الصحية في جنوب دارفور، حيث خرجت مستشفيات ومراكز عديدة عن الخدمة بسبب القصف أو النهب أو نقص الكوادر والإمدادات.
وغادر أطباء وممرضون مناطقهم خوفاً على حياتهم أو بسبب عدم حصولهم على الرواتب، بينما استمرت بعض المرافق المتبقية في العمل بإمكانات محدودة للغاية.
وتعاني المستشفيات العاملة نقصاً في الدم والمضادات الحيوية ومستلزمات العمليات القيصرية وأجهزة الأوكسجين ومواد التخدير، إلى جانب الانقطاع المتكرر للكهرباء والمياه.
ويزيد الضغط الناتج عن استقبال أعداد كبيرة من المرضى والنازحين من صعوبة الوضع، إذ تعمل مرافق محدودة لخدمة تجمعات سكانية واسعة تتجاوز قدرتها الاستيعابية.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، قدمت فرق أطباء بلا حدود في جنوب دارفور نحو 12,600 استشارة للنساء قبل الولادة وبعدها، وساعدت في إجراء 4,330 ولادة طبيعية ومعقدة. ومع ذلك، أكدت المنظمة أن الاحتياجات الصحية تفوق بكثير قدرتها على الاستجابة.
غياب الاستجابة الدولية
كانت مدينة نيالا قبل اندلاع الحرب مركزاً رئيسياً للمنظمات الدولية والوكالات الإنسانية العاملة في إقليم دارفور. لكن معظم هذه الجهات غادرت المدينة بعد اندلاع القتال، ولم تعد بالقدر الذي يتناسب مع حجم الاحتياجات.
وأدى ضعف الوجود الإنساني إلى حدوث فجوات كبيرة في خدمات التغذية والصحة والمياه والحماية، بينما أصبحت أطباء بلا حدود واحدة من المنظمات الدولية القليلة التي حافظت على وجود ميداني مباشر داخل الولاية.
وطالبت المنظمة الأمم المتحدة والمانحين والمؤسسات الإنسانية بتوسيع برامج صحة الأمهات والأطفال والتغذية، وتسريع عودة الوكالات والكوادر الدولية إلى دارفور، وتوفير التمويل والإمدادات الضرورية.
كما دعت إلى ممارسة ضغوط جادة على أطراف النزاع لضمان مرور المساعدات الإنسانية وحماية المستشفيات والعاملين الصحيين وفتح الطرق أمام المرضى.
وفيات يمكن منعها
تكمن المأساة الكبرى في أن نسبة واسعة من الوفيات المسجلة كان يمكن تجنبها بتوفير الرعاية الطبية الأساسية في الوقت المناسب.
فالمضادات الحيوية والولادة النظيفة ونقل الدم وإجراء العمليات القيصرية الطارئة والمتابعة خلال الحمل، كلها تدخلات طبية معروفة يمكنها إنقاذ حياة الأم والطفل. لكن الحرب حوّلت هذه الخدمات البسيطة إلى امتيازات بعيدة المنال.
ولا تمثل وفيات النساء والأطفال في مستشفيي نيالا وكاس سوى الجزء الظاهر من الأزمة. ففي المناطق المعزولة، لا توجد سجلات دقيقة ولا فرق طبية قادرة على توثيق ما يحدث، وتموت نساء وأطفال بعيداً عن المستشفيات من دون أن تتحول وفاتهم إلى رقم في تقرير رسمي.
إن إنقاذ أمهات وأطفال جنوب دارفور يتطلب أكثر من بيانات الإدانة والنداءات الموسمية. فهو يحتاج إلى فتح ممرات إنسانية آمنة، وإعادة تشغيل المرافق الصحية، وتوفير الغذاء العلاجي والأدوية والكوادر الطبية، وإنهاء القيود المفروضة على وصول المساعدات.
فكل يوم يمر من دون استجابة حقيقية يعني مزيداً من النساء اللواتي يدخلن رحلة الولادة ولا يعدن منها، ومزيداً من الأطفال الذين تنتهي حياتهم قبل أن تبدأ.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات