محررو لقطة AI – 13
20 سبتمبر 2026
لم يعد بعض سكان دارفور يتركون قراهم هربًا من الرصاص وحده.
هناك الآن من يرحل لأن الطعام نفد، ومن يغادر لأن الماء أصبح بعيدًا أو غير متاح، ومن يصل إلى مخيم للنزوح ليكتشف أن المكان الذي قصده طلبًا للنجاة لا يملك هو الآخر ما يكفي لإطعامه.
هذه النقطة ربما تختصر الطريقة التي وصلت بها أجزاء من دارفور إلى حافة المجاعة: الحرب لم تقتل الناس بالسلاح فقط، بل عطلت الزراعة والأسواق والطرق والمياه والمستشفيات، ودفعت ملايين البشر إلى النزوح، ثم أضعفت في الوقت نفسه قدرة العالم على إطعام من نجوا.
والنتيجة أزمة لا يصنعها عامل واحد.
وفق أحدث إفادة لبرنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 20 مليون شخص في السودان الجوع الحاد، بينهم نحو خمسة ملايين في مستوى الطوارئ، بينما يوجد قرابة 200 ألف شخص في المستوى الخامس من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المستوى الكارثي.
أما أحدث تحليل منشور للتصنيف المرحلي المتكامل فقد قدر أن نحو 19.5 مليون شخص كانوا في المرحلة الثالثة أو أعلى، مع تمركز أشد مستويات الحرمان في مناطق من دارفور وجنوب كردفان.
لكن الأرقام وحدها لا تشرح كيف وصل الناس إلى هنا.
البداية كانت في الحقول
دارفور ليست أرضًا بلا غذاء.
على العكس، تعتمد قطاعات واسعة من سكان الإقليم على الزراعة والرعي والأسواق المحلية الموسمية.
لكن الحرب تضرب السلسلة الغذائية من بدايتها.
حين يفر المزارع من القرية لا تُزرع الأرض.
وحين تُغلق الطرق لا تصل البذور والمدخلات الزراعية.
وحين تتحول مناطق الإنتاج إلى ساحات قتال، لا يستطيع المزارع العودة للحصاد.
وحتى عندما ينجح في إنتاج محصول، يحتاج إلى طريق آمن لينقله إلى السوق.
الحرب عطلت كل حلقة تقريبًا في هذه السلسلة.
برنامج الأغذية العالمي يقول إن النزاع دمر المحاصيل وقطاعات واسعة من الاقتصاد، فيما أدى النزوح الهائل إلى إخراج ملايين الأشخاص من مناطق إنتاجهم ومصادر دخلهم.
وهكذا يحدث التحول الأخطر: المزارع يصبح نازحًا يحتاج هو نفسه إلى كيس غذاء.
ثم جاءت الطرق
الطعام قد يكون موجودًا على بعد عشرات أو مئات الكيلومترات، لكن ذلك لا يعني أنه يستطيع الوصول.
زيارة كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، إلى دارفور قبل أيام تكشف حجم المشكلة بصورة لافتة.
فالرحلة بين الأبيض والفاشر كانت تستغرق قبل الحرب نحو ست ساعات بالسيارة.
سكاو قال إن الوصول إليها احتاج هذه المرة ثلاثة أيام، وثلاث رحلات جوية مرورًا بأديس أبابا ونجامينا وأدري، ثم نحو 30 ساعة بالسيارة عبر جبل مرة، لأن خطوط القتال تمنع الحركة الطبيعية المباشرة.
إذا احتاج مسؤول دولي بهذه الإمكانات إلى ثلاثة أيام للوصول إلى مدينة كان الوصول إليها يستغرق ست ساعات، يمكن تخيل ما يعنيه الطريق نفسه لشاحنة تحمل الذرة أو الدواء.
هذه ليست مشكلة لوجستية هامشية.
الطريق جزء من المجاعة.
كل نقطة تفتيش، وكل جبهة قتال، وكل جسر متضرر، وكل طريق مغلق يرفع تكلفة الغذاء ويؤخر وصوله، وفي بعض الحالات يمنعه تمامًا.
الفاشر: عندما يختفي السوق
الفاشر تقدم المثال الأكثر قسوة.
خضعت المدينة لحصار طويل، وعانت مستويات حادة من الجوع، بينما تعطل النشاط الاقتصادي والأسواق والخدمات.
برنامج الأغذية العالمي وصف المدينة بعد زيارة حديثة بأنها مكان لم يعد فيه سوى عشرات الآلاف من السكان، بعدما كانت تضم قرابة مليون شخص، مع شوارع ومنازل مدمرة ونشاط اقتصادي شبه غائب. ويقول البرنامج إنه يصل حاليًا إلى نحو 20 ألف شخص في الفاشر بمساعدات غذائية منقذة للحياة.
وقبل ذلك كان البرنامج قد حذر من أن قطع طرق التجارة والإمداد جعل أسعار بعض المواد الأساسية، مثل الذرة والقمح، تصل في الفاشر إلى مستويات أعلى بنحو 460% من بقية السودان.
هنا لا يعود السؤال: هل يوجد الطعام في السودان؟
السؤال يصبح: هل يستطيع الإنسان المحاصر الوصول إليه؟ وهل يستطيع دفع ثمنه؟
قد توجد جوالات الذرة في منطقة أخرى، لكن بالنسبة لأسرة لا تملك المال ولا تستطيع مغادرة المدينة، يصبح وجودها النظري بلا معنى.
زمزم.. الإنذار الذي لم يكن نظريًا
قبل أن يصبح الحديث عن المجاعة واسعًا، قدم مخيم زمزم جنوب الفاشر إنذارًا مبكرًا.
لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل أكدت سابقًا وجود ظروف مجاعة في أجزاء من شمال دارفور، ومن بينها مخيم زمزم.
ووفق تعريف التصنيف، لا تُستخدم كلمة «مجاعة» لمجرد وجود نقص في الغذاء؛ إنها مرحلة شديدة الخطورة ترتبط بالحرمان الاستثنائي من الطعام والجوع والموت ومستويات حرجة للغاية من سوء التغذية.
وحددت اللجنة عاملًا رئيسيًا وراء الوصول إلى هذه المرحلة: تصاعد العنف والقيود الشديدة على وصول المساعدات الإنسانية.
لكن زمزم نفسه لم يبقَ الملجأ الذي كان عليه.
سكاو قال بعد زيارته الأخيرة إن المخيم أصبح شبه مهجور، ومساكنه وأكواخه مدمرة، ووصفه عمليًا بأنه أشبه بمدينة أشباح.
وهذه مفارقة مأساوية أخرى في أزمة دارفور.
الناس يفرون إلى المخيم بسبب الجوع والحرب، ثم تصل الحرب إلى المخيم نفسه، فيفرون مرة أخرى.
طويلة.. مليون إنسان ونصف وجبة
جزء كبير من هذه المأساة انتقل إلى طويلة.
يقول برنامج الأغذية العالمي إن المنطقة أصبحت موطنًا مؤقتًا لنحو مليون شخص.
والبرنامج يستطيع الوصول إليهم شهريًا.
قد يبدو ذلك خبرًا جيدًا.
لكن هناك تفصيلًا يغير الصورة بالكامل: ما يحصل عليه الشخص هو نصف حصة غذائية فقط، تكفي لنحو أسبوعين من الشهر.
وقال سكاو عن الأسبوعين الآخرين: «ليس واضحًا كيف ينجون فعلًا».
هذه العبارة ربما تكون أكثر قدرة من الإحصاءات على وصف الأزمة.
مليون شخص تقريبًا يعيشون في مكان تستطيع فيه أكبر وكالة غذاء إنسانية في العالم الوصول إليهم، لكنها لا تملك المال الكافي لإطعامهم طوال الشهر.
إذن المشكلة لم تعد الوصول وحده.
العالم وصل.. لكن المال لم يصل
وهذه هي النقلة الجديدة والأكثر خطورة في الأزمة.
لفترة طويلة كانت المنظمات تقول إن المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المحتاجين بسبب القتال والحصار والقيود الأمنية.
اليوم يقول برنامج الأغذية العالمي إن لديه وجودًا ميدانيًا لا يستطيع الاستفادة منه بالكامل بسبب نقص التمويل.
العام الماضي حصل البرنامج على نحو 645 مليون دولار لعملياته في السودان.
هذا العام، وبعد مرور نحو ثلاثة أرباعه، حصل على نحو 206 ملايين دولار فقط.
ويحتاج إلى قرابة 300 مليون دولار إضافية للحفاظ حتى على مستوى عملياته الحالي.
وهذا يحدث بينما يزداد عدد الجائعين.
بمعنى أكثر وضوحًا:
الحاجة ترتفع، والمال ينخفض.
أربعة ملايين يحصلون على الغذاء.. وعشرون مليونًا يواجهون الجوع
هذا الاختلال يظهر بصورة أوضح عند مقارنة الأرقام.
نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد.
لكن نقص الموارد أجبر برنامج الأغذية العالمي على تركيز جهوده على نحو خمسة ملايين من الأكثر احتياجًا، وتمكن أخيرًا من رفع عدد من يصل إليهم إلى نحو أربعة ملايين شخص.
وحتى هؤلاء لا يحصلون بالضرورة على احتياجاتهم الغذائية الكاملة، كما تكشف حالة طويلة.
هذه الفجوة بين المحتاجين ومن تصل إليهم المساعدة هي المساحة التي يمكن أن تتوسع داخلها المجاعة.
الطفل يدفع الفاتورة أولًا
الجوع لا يصيب الجميع بالطريقة نفسها.
حين تقل الوجبات، يستطيع البالغ تحمل النقص لفترة أطول من الطفل الصغير.
أما الطفل المصاب أصلًا بالإسهال أو الملاريا أو أي مرض آخر، فإن سوء التغذية يضعف جسده ويقلل قدرته على مقاومة المرض.
ولهذا لا يمكن فصل الغذاء عن الماء والصحة.
في طويلة، حذرت اليونيسف من أن الازدحام ونقص المياه والصرف الصحي يرفعان مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، بينما تحاول المنظمات إنشاء نقاط للمياه ومرافق للصرف الصحي وسط الزيادة الضخمة في عدد النازحين.
وهنا تتحول الأزمة إلى دائرة:
الجوع يضعف الطفل.
المرض يضعف قدرته على امتصاص الغذاء.
نقص المياه النظيفة يزيد المرض.
وتعطل المراكز الصحية يجعل العلاج أصعب.
لماذا يستمر الناس في الوصول إلى طويلة؟
لأن الجوع نفسه أصبح سببًا للنزوح.
التدفقات الجديدة التي تحدثنا عنها في «لقطة AI» خلال الأيام الماضية ليست كلها لأشخاص هربوا مباشرة من معركة.
بعض الأسر تقول إنها غادرت مناطقها لأنها لم تعد تجد الطعام أو الماء.
وتشير أحدث الإفادات المحلية إلى استمرار وصول أسر من مناطق شرق الفاشر وأماكن أخرى، وغالبيتهم من النساء والأطفال، في ظروف تفتقر إلى الغذاء والمياه النظيفة والدواء والمأوى.
وهنا تتغير طبيعة النزوح في دارفور.
في المرحلة الأولى يقول الإنسان: أهرب لأنني أخشى أن أُقتل.
وفي المرحلة التالية يقول: أهرب لأنني إذا بقيت لن أجد ما آكله.
حين يصل المجتمع إلى المرحلة الثانية، تكون الحرب قد تجاوزت ميدان المعركة ودخلت المطبخ.
ليست كارثة طبيعية
وهذه النقطة ضرورية لفهم ما يحدث.
دارفور لم تصل إلى هذه الأزمة بسبب الجفاف وحده، ولا بسبب فشل موسم زراعي واحد.
التصنيف المرحلي المتكامل وبرنامج الأغذية العالمي يربطان الأزمة مباشرة بالنزاع والنزوح وتعطل التجارة والإنتاج والقيود المفروضة على وصول المساعدات.
الحرب هي التي نزعت الناس من أراضيهم.
الحرب قطعت الطرق.
الحرب أغلقت الأسواق.
الحرب دمرت مصادر الدخل.
والقيود على المساعدات جعلت الوصول إلى بعض المناطق بالغ الصعوبة.
ثم جاءت أزمة التمويل الدولية لتضيف طبقة جديدة من الخطر.
ماذا يمكن أن يحدث الآن؟
المؤشر الذي ينبغي مراقبته خلال الأسابيع المقبلة ليس فقط عدد الوفيات.
المجاعة لا تبدأ يوم إعلانها رسميًا.
قبلها تتقلص الوجبات.
ثم تبيع الأسرة ممتلكاتها.
ثم تتوقف عن شراء أطعمة معينة.
ثم يأكل الكبار أقل حتى يأكل الأطفال.
ثم يبيع الناس أدوات العمل أو الماشية التي كانوا يعتمدون عليها لكسب رزقهم.
وفي النهاية يبدأ النزوح بحثًا عن الطعام.
بعض هذه المراحل موجود بالفعل في دارفور.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستصل دارفور إلى المجاعة؟
فالمجاعة سبق أن تأكدت رسميًا في أجزاء من شمال دارفور، فيما ما تزال مناطق أخرى تواجه مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.
السؤال الآن هو:
كم مساحة أخرى ستدخل الدائرة إذا استمرت الحرب وانخفض التمويل وتعطلت طرق الغذاء؟
دارفور لا تعاني لأن الأرض توقفت عن القدرة على إطعام الناس.
إنها تعاني لأن الحرب فصلت الإنسان عن أرضه، والمزارع عن حقله، والبائع عن سوقه، والشاحنة عن طريقها، والمريض عن مستشفاه، والنازح عن المساعدة التي يحتاجها.
وعندما تنهار هذه السلسلة كلها في الوقت نفسه، لا يأتي الجوع فجأة.
يصل خطوة بعد أخرى، حتى يصبح شرب الماء والنوم على معدة فارغة وسيلة للبقاء إلى اليوم التالي.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات