الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

قراءة في قبول الجيش معظم بنود المبادرة الأمريكية لوقف الحرب.. هل نحن أمام تحول سياسي أم إعادة تموضع تفاوضي؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

قراءة في قبول الجيش معظم بنود المبادرة الأمريكية لوقف الحرب.. هل نحن أمام تحول سياسي أم إعادة تموضع تفاوضي؟
💬 تعليق 0

بقلم: عبود النصيح

لم يكن قبول الجيش السوداني لمعظم بنود المبادرة الأمريكية لوقف الحرب حدثاً عادياً في سياق الصراع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، لأن القضية لا تتعلق فقط بوثيقة سياسية أو مقترح دبلوماسي، بل ترتبط بمسار الحرب نفسه، وبالسؤال الأكبر الذي يواجه السودان اليوم: هل لا يزال الحسم العسكري ممكناً، أم أن البلاد دخلت مرحلة البحث عن مخرج سياسي؟

وخلال الأشهر الماضية، ظل الخطاب الرسمي للجيش يؤكد أن المعركة مستمرة حتى استعادة الدولة وإنهاء التمرد، بينما كانت القوى الدولية والإقليمية تدفع باتجاه العودة إلى طاولة التفاوض. لذلك فإن موافقة الجيش على معظم بنود المبادرة الأمريكية، حتى مع وجود تحفظات جوهرية، تمثل تطوراً سياسياً يستحق قراءة أعمق من مجرد وصفه بالقبول أو الرفض، لأنه قد يكون مؤشراً على انتقال تدريجي في طبيعة إدارة الصراع، دون أن يعني بالضرورة التخلي عن الأهداف العسكرية المعلنة.

ليس قبولاً كاملاً… وليس رفضاً

أول ما يجب الانتباه إليه أن الجيش لم يقبل المبادرة بصورتها النهائية كما وردت، كما أنه لم يرفضها بالكامل.

ما حدث فعلياً هو قبول واسع للمبادئ العامة التي تتحدث عن:

  • وقف إطلاق النار.
  • تسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
  • إطلاق عملية سياسية.
  • حماية المدنيين.
  • إعادة بناء مؤسسات الدولة.

لكن في المقابل، تمسك الجيش بشرط محوري يتعلق بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمرافق المدنية قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية أو أمنية نهائية.

وهذا يعني أن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ التفاوض نفسه، وإنما حول الشروط التي تسبق الانتقال من الحرب إلى السلام، وهي نقطة تمثل جوهر النقاش في المرحلة الحالية.

ما الذي تغير؟

إذا عدنا إلى بدايات الحرب، سنجد أن الحديث عن أي تسوية سياسية كان يُقابل برفض واسع داخل قطاعات مؤثرة من المعسكر الداعم للجيش، باعتبار أن التفاوض يمنح شرعية للطرف الآخر.

أما اليوم، فإن مجرد الاستعداد لمناقشة إطار سياسي ودولي لإنهاء الحرب يعكس تغيراً مهماً في البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالصراع.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجيش تخلى عن أهدافه العسكرية، لكنه يشير إلى إدراك متزايد بأن الحرب وحدها قد لا تكون قادرة على إنتاج استقرار دائم، حتى لو حققت مكاسب ميدانية مهمة.

بين منطق النصر ومنطق الدولة

المشكلة في معظم الحروب الأهلية أن الأطراف تبدأ القتال بهدف تحقيق نصر كامل، لكنها تنتهي غالباً إلى تسويات سياسية تفرضها الوقائع على الأرض.

وفي الحالة السودانية يبدو أن السؤال بدأ يتحول تدريجياً من:

كيف ننتصر؟

إلى:

كيف نحافظ على الدولة؟

فكل يوم إضافي من الحرب يعني:

  • مزيداً من الدمار.
  • مزيداً من النزوح.
  • مزيداً من الانهيار الاقتصادي.
  • مزيداً من التآكل المؤسسي.

ولذلك فإن قبول مناقشة المبادرة الأمريكية يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن تزايد أهمية منطق الدولة مقارنة بمنطق الحرب المفتوحة.

الضغوط الدولية ليست العامل الوحيد

هناك من يفسر الموقف السوداني بأنه استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية والدولية.

لكن هذا التفسير وحده لا يكفي.

فالواقع أن السودان يواجه تحديات داخلية ضخمة تتمثل في:

  • أزمة إنسانية متصاعدة.
  • ضغوط اقتصادية متزايدة.
  • تراجع الخدمات الأساسية.
  • مخاطر اتساع المجاعة والأوبئة.
  • صعوبة إعادة الإعمار في ظل استمرار القتال.

كما أن المجتمع الدولي بات أكثر اهتماماً بإنهاء الحرب بعد اتساع آثارها الإنسانية والأمنية على الإقليم، وهو ما منح المبادرات السياسية زخماً أكبر خلال المرحلة الأخيرة.

وهذه العوامل مجتمعة تجعل أي قيادة سياسية أو عسكرية مطالبة بالتفكير فيما بعد الحرب، وليس فقط في كيفية إدارة المعركة.

ماذا يعني ذلك سياسياً؟

سياسياً، يمكن اعتبار القبول الجزئي بالمبادرة اعترافاً ضمنياً بأن الحل النهائي لن يكون عسكرياً خالصاً.

فحتى لو استمرت العمليات الميدانية، فإن إنهاء الحرب سيتطلب في النهاية:

  • ترتيبات أمنية.
  • تفاهمات سياسية.
  • ضمانات إقليمية ودولية.
  • توافقاً وطنياً أوسع من طرفي القتال.

وهذا ما يجعل المبادرة الأمريكية مهمة، ليس لأنها ستنهي الحرب بالضرورة، بل لأنها تعكس بداية انتقال النقاش من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض.

بين المبادرة والواقع

ومع ذلك، فإن التجارب السودانية السابقة تدعو إلى قدر من الحذر. فالمبادرات الدولية كثيراً ما اصطدمت بتباين حسابات الأطراف، وتعقيدات المشهد الداخلي، وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية. لذلك فإن قبول أحد الأطراف لمعظم بنود المبادرة لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب، بقدر ما يشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التفاوض السياسي.

وسيظل نجاح أي مسار مرهوناً بمدى استعداد جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وتوافر آليات رقابة وضمانات تجعل الاتفاقات قابلة للتنفيذ، لا مجرد بيانات سياسية.

التحدي الحقيقي

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في قبول المبادرة أو رفضها.

التحدي الحقيقي هو بناء الثقة بين السودانيين أنفسهم.

فالحروب تنتهي عادة بتوقيع الاتفاقات، لكن السلام لا يبدأ فعلياً إلا عندما تقتنع المجتمعات بأن المستقبل أهم من استمرار الصراع.

وفي السودان، تبدو هذه المهمة أكثر تعقيداً من أي بند مكتوب في أي مبادرة دولية.

ما الذي ينتظره السودانيون؟

بالنسبة لمعظم السودانيين، لا تمثل المبادرة الأمريكية وثيقة سياسية بقدر ما تمثل أملاً في وقف الحرب.

فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو أحد أفراد أسرته لا ينشغل كثيراً بالتفاصيل الدبلوماسية، بقدر ما يبحث عن نهاية لهذه المأساة الممتدة.

ولهذا فإن أهمية التطور الحالي لا تكمن في عدد البنود التي وافق عليها الجيش أو تحفظ عليها، بل في كونه يفتح نافذة جديدة للنقاش حول مستقبل السودان بعد الحرب.

قد تكون هذه النافذة ضيقة، وقد تواجه عقبات كثيرة، لكن مجرد بقائها مفتوحة أفضل من استمرار طريق الحرب بلا أفق سياسي واضح.

خاتمة

ربما لا تكون المبادرة الأمريكية هي المحطة الأخيرة في مسار الحرب السودانية، وربما لا تنجح بصيغتها الحالية في تحقيق السلام المنشود، لكنها تكشف عن حقيقة يصعب تجاهلها؛ فبعد سنوات من القتال، بدأت لغة السياسة تجد لنفسها مساحة داخل مشهد هيمنت عليه لغة السلاح.

ويبقى الرهان الأكبر ليس على المبادرات الخارجية وحدها، بل على قدرة السودانيين أنفسهم على تحويل أي فرصة للحوار إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة ويطوي صفحة الحرب. فالتاريخ السوداني يعلمنا أن الحروب تبدأ بالسلاح، لكنها لا تنتهي إلا عندما تنتصر إرادة السلام على منطق الصراع.

ويبقى السؤال الذي يواجه الجميع اليوم:

هل يستطيع السودانيون اغتنام هذه الفرصة قبل أن تفرض الحرب كلفتها الأكبر على ما تبقى من الدولة والمجتمع؟

لقطة …
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً