الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

قراءة | «نكون أو لا نكون» و«فكّ الرسن».. كيف أعاد حميدتي ترتيب رسائله بعد زيارة البرهان إلى أم سيالة؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

قراءة | «نكون أو لا نكون» و«فكّ الرسن».. كيف أعاد حميدتي ترتيب رسائله بعد زيارة البرهان إلى أم سيالة؟
💬 تعليق 0

عبود النصيح

28يوليو 2026 | بتوقيت السودان

مهما كانت دوافع الحرب أو المبررات التي يقدمها أطرافها، يبقى الإنسان السوداني الخاسر الأول من استمرارها، وتبقى المدن والقرى ومؤسسات الدولة هي التي تدفع الثمن الأكبر. ومن هذا المنطلق، لا تتعامل هذه القراءة مع التصعيد العسكري باعتباره خياراً مرغوباً، ولا تسعى إلى الترويج لرواية أي طرف، وإنما تحاول تفكيك خطاب علني صدر في لحظة ميدانية وسياسية حساسة، وفهم الرسائل التي أراد قائله توجيهها إلى الداخل والخارج.

جاء الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بعد تطورات عسكرية متسارعة في شمال كردفان، أعقبها ظهور قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في منطقة أم سيالة برفقة مني أركو مناوي وأبو عاقلة كيكل، عقب استعادة المنطقة من قوات الدعم السريع.

لم تكن زيارة أم سيالة مجرد تحرك بروتوكولي. فظهور قيادة الجيش داخل منطقة انتقلت السيطرة عليها حديثاً حمل رسالة بأن التقدم لم يعد مجرد خبر عسكري، بل تحول إلى صورة سياسية وإعلامية قابلة للاستثمار في معركة المعنويات. ومن هنا يمكن قراءة خطاب حميدتي، من دون الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة، بوصفه محاولة لاستعادة المبادرة النفسية والإعلامية بعد أن بدا أن الجيش وحلفاءه نجحوا في فرض روايتهم عن مسار العمليات في شمال كردفان.

خطاب في لحظة دفاعية

تتضاعف أهمية خطابات القادة عندما تصدر عقب خسائر ميدانية أو تغير في اتجاه العمليات. فالقيادة التي تواجه تراجعاً لا تخاطب خصمها وحده، بل تحتاج إلى طمأنة مقاتليها، وضبط قادتها، وحماية تماسكها الداخلي، ومنع التحول العسكري المحدود من أن يصبح أزمة ثقة أوسع.

ولهذا لم يكن خطاب حميدتي مجرد إعلان تعبوي. فقد جمع بين التهديد، والشكوى، واستنهاض المقاتلين، وتوجيه الأوامر إلى القيادات، وانتقاد المواقف الدولية، ومحاولة تقديم تفسير سياسي لما يجري في شمال كردفان.

عبارة «نكون أو لا نكون» وضعت الصراع في إطار وجودي. وهي لغة تستخدم عادة عندما تريد القيادة إقناع قواعدها بأن المرحلة لم تعد تحتمل التردد أو الخلاف أو انتظار التعليمات التفصيلية. فالرسالة هنا ليست إعلان نصر، بل الاعتراف ضمنياً بأن اللحظة حرجة، وأن المحافظة على التماسك والقدرة على المبادرة أصبحت مسألة مصيرية بالنسبة إلى التنظيم.

ولا تعني هذه العبارة أن قوات الدعم السريع فقدت جميع خياراتها، لكنها تكشف أن قيادتها تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها منعطفاً يتطلب خطاباً مختلفاً عن لغة الثقة التي صاحبت مراحل تمددها الأولى.

«البندولات».. رسالة احتجاج إلى المجتمع الدولي

أهم ما ورد في الخطاب ربما لم يكن عبارة «فكّ الرسن» وحدها، بل المقارنة التي أقامها حميدتي بين ما وصفه بـ**«البندولات»** التي يتلقاها طرفه، وبين ترك الطرف الآخر يتحرك عسكرياً من دون قيود مماثلة.

وبحسب سياق الحديث، يُفهم تعبير «يعطونا بندولات» باعتباره وصفاً ساخراً للمناشدات والتحذيرات الدولية الداعية إلى عدم مهاجمة مدينة الأبيض أو توسيع القتال حولها، خشية العواقب الإنسانية على السكان والنازحين والبنية المدنية.

والمعنى الضمني في الخطاب أن هذه المناشدات، من وجهة نظر حميدتي، لا تمثل ضغطاً متوازناً على طرفي الحرب، بل تُستخدم لتهدئة قواته وتقييد حركتها، بينما يواصل الجيش عملياته في شمال كردفان ويستعيد مناطق كانت تحت سيطرة الدعم السريع.

هنا ينتقل الخطاب من التعبئة العسكرية إلى بناء مظلومية سياسية. فحميدتي لم يكتفِ برفض القيود الدولية، وإنما حاول تصويرها كجزء من معادلة غير متكافئة: طرف يتلقى الدعوات إلى ضبط النفس، وطرف آخر ـ وفق روايته ـ يُترك له المجال للتقدم و«يُفك له الرسن».

هذه الرسالة موجهة أساساً إلى المجتمع الدولي، لكنها تخدم الداخل أيضاً. فهي تقدم تفسيراً للتراجع لا يقوم فقط على الاختلال العسكري، وإنما يربطه بضغوط خارجية يُقال إنها كبّلت طرفاً ولم تكبّل الآخر. وبذلك يحاول الخطاب تخفيف أثر الخسائر على معنويات المقاتلين وتحويل جزء من المسؤولية من الميدان إلى البيئة السياسية المحيطة بالحرب.

غير أن رفض المناشدات الدولية أو السخرية منها لا يلغي جوهرها الإنساني. فالأبيض مدينة مكتظة بالسكان والنازحين، وأي هجوم واسع عليها أو قتال داخلها قد يفضي إلى خسائر بشرية ونزوح جديد وانهيار ما تبقى من الخدمات. ولهذا ينبغي الفصل بين احتمال وجود خلاف سياسي حول توازن الضغوط الدولية، وبين الضرورة الأخلاقية والقانونية لحماية المدنيين من آثار العمليات العسكرية.

«فكّ الرسن».. من المقصود؟

قراءة عبارة «فكّ الرسن» تتطلب الانتباه إلى تركيب الجملة وسياقها الكامل. فالمقصود، وفق هذا السياق، ليس فقط أن حميدتي منح قواته تفويضاً مفتوحاً، بل إنه كان يقارن بين القيود التي يقول إن المجتمع الدولي يفرضها على الدعم السريع، وبين ما يراه حرية ممنوحة للجيش لمواصلة الهجوم في شمال كردفان.

وبهذا المعنى، فإن «الرسن» الذي جرى فكه يشير، في جانب أساسي، إلى الجيش السوداني وعملياته الأخيرة، وليس حصراً إلى إطلاق يد قوات الدعم السريع.

هذه المقارنة هي قلب الخطاب: نحن نتلقى المناشدات كي لا نهاجم الأبيض، بينما يُسمح للجيش بالتقدم علينا واستعادة مواقعنا. ومن هذه الزاوية، أراد حميدتي تقديم تحركاته المقبلة باعتبارها رداً على اختلال قائم، لا بداية لتصعيد من طرف واحد.

لكن الخطاب حمل، بالتوازي، توجيهاً داخلياً إلى قادة الدعم السريع ومقاتليه. فإذا كانت القيادة ترى أن الطرف الآخر تحرر من القيود، فإن الرسالة الضمنية لقواتها هي أن عليها الاستعداد للتحرك وعدم انتظار أن توقف الضغوط الدولية تقدم الجيش.

وهكذا تؤدي العبارة وظيفتين في وقت واحد: الاحتجاج على ما تعتبره القيادة ازدواجية في المواقف الدولية، وإعادة تعبئة الميدان لمواجهة خسارة زمام المبادرة.

زيارة أم سيالة ومعركة الصورة

اكتسبت زيارة البرهان إلى أم سيالة أهميتها من توقيتها وطريقة تقديمها. فقد ظهر برفقة مناوي وكيكل في منطقة استعادها الجيش وحلفاؤه، في مشهد يوحي بتماسك التحالف العسكري وبقدرة قيادته على الوصول إلى مواقع التقدم.

الصورة هنا سبقت الخطاب. فهي لم تكتفِ بإثبات الوجود، بل صاغت رسالة تقول إن المبادرة باتت في يد الجيش، وإن التحالف المقاتل إلى جانبه يتحرك تحت قيادة واحدة نحو أهداف مشتركة.

ويمكن قراءة خطاب حميدتي بوصفه محاولة للرد على الأثر النفسي لهذه الصورة، أكثر من كونه رداً مباشراً على الزيارة نفسها. فقد سعى إلى نقل النقاش من سؤال: «من يتقدم في شمال كردفان؟» إلى سؤال آخر: «هل تُدار الحرب بمعايير متساوية؟».

هذه المناورة الخطابية لا تغير الوقائع الميدانية، لكنها تحاول إعادة تفسيرها. فالجيش يقدم تقدمه باعتباره نتيجة تفوق عسكري واستعادة للأرض، بينما يسعى خطاب حميدتي إلى وضعه داخل سياق دولي يصفه بأنه غير متوازن.

حظر التصوير.. ضبط الميدان والرواية

من الجوانب المهمة في الخطاب أيضاً توجيه حميدتي بمنع تصوير العمليات الميدانية إلا بواسطة جهات متخصصة ومصرح لها.

ظاهرياً، يتعلق القرار بأمن العمليات ومنع كشف المواقع والتحركات والخسائر. غير أن دلالته تتجاوز الجانب العسكري، خصوصاً في حرب أصبحت فيها مقاطع الفيديو أداة لإثبات السيطرة أو كشف الانسحاب أو توثيق التجاوزات.

فالتصوير غير المنضبط قد يكشف ضعف الوحدات، ويظهر خلافات المقاتلين، ويقدم للخصم معلومات قابلة للاستغلال، كما قد ينتج روايات تتعارض مع الخطاب الرسمي. لذلك يمثل حظر التصوير محاولة لاستعادة السيطرة على تدفق المعلومات، وتحديد من يملك حق إنتاج صورة المعركة ونشرها.

ويكتسب هذا القرار معنى إضافياً بعد زيارة أم سيالة. فالجيش نجح في تحويل تقدمه إلى مشهد إعلامي منظم، بينما كانت المقاطع المتداولة من جبهات الدعم السريع قد تسهم في إظهار الارتباك أو الخسائر. ومن ثم يمكن فهم التوجيه باعتباره اعترافاً بأن معركة الصورة أصبحت جزءاً من المعركة العسكرية، وأن خسارة السيطرة على الرواية قد تضاعف أثر التراجع في الميدان.

غير أن احتكار التصوير يثير أيضاً أسئلة تتعلق بالشفافية وتوثيق الانتهاكات وحماية الأدلة. ففي الحروب، لا يؤدي إغلاق المجال الإعلامي دائماً إلى حماية القوات فقط، بل قد يحجب عن الجمهور حقائق تتصل بسلامة المدنيين وسلوك المقاتلين.

أربع جهات خاطبها حميدتي

يمكن تلخيص دوائر الخطاب في أربع جهات مترابطة.

الجهة الأولى هي قيادة الدعم السريع وقادته الميدانيون، الذين تلقوا رسالة بضرورة استعادة الانضباط والمبادرة وتحمل مسؤولية النتائج.

والثانية هي المقاتلون، إذ خاطبهم بلغة وجودية هدفها منع الإحباط وتحويل التراجع إلى دافع للتعبئة.

والثالثة هي الجيش السوداني وسكان الأبيض. فالجيش تلقى رسالة بأن تقدمه لن يبقى بلا رد، بينما حملت الإشارات إلى الأبيض ضغطاً نفسياً على مدينة تخشى اتساع دائرة القتال، حتى من دون إعلان صريح عن هجوم محدد.

أما الجهة الرابعة فهي المجتمع الدولي، الذي واجهه الخطاب باتهام ضمني بعدم التوازن: يطالب الدعم السريع بعدم مهاجمة الأبيض، لكنه ـ بحسب رواية حميدتي ـ لا يوقف هجمات الجيش في شمال كردفان.

ما بين الخطاب والميدان

يكشف الخطاب أن قيادة الدعم السريع لا تتعامل مع تطورات شمال كردفان كخسارة محلية عابرة، بل كاختبار لقدرتها على الاحتفاظ بالمبادرة والتماسك والردع. كما يوضح أن معركتها لم تعد موجهة ضد الجيش وحده، وإنما تشمل مواجهة الضغوط الدولية وإدارة الصورة داخل صفوفها وأمام الرأي العام.

غير أن قوة الخطاب لا تُقاس بحدة عباراته، بل بقدرته على التحول إلى نتائج. فعبارة «نكون أو لا نكون» قد ترفع المعنويات، واتهام المجتمع الدولي بازدواجية المعايير قد يعيد ترتيب الرواية، وحظر التصوير قد يقلل تسرب المعلومات؛ لكن أياً من ذلك لا يحسم ميزان الحرب ما لم يصحبه تنظيم عسكري وقدرة لوجستية وسياسية على تغيير الوقائع.

كما أن أي تحرك عسكري نحو الأبيض سيضع المدنيين أمام خطر بالغ، بصرف النظر عن الطرف الذي يبدأ الهجوم أو الذريعة التي يقدمها. ولذلك تظل حماية المدينة وسكانها مسؤولية لا يجوز اختزالها في حسابات الردع أو في جدل المعاملة الدولية المتوازنة.

في المحصلة، كان خطاب حميدتي محاولة لإعادة ترتيب أربع جبهات في وقت واحد: جبهة المقاتلين، وجبهة القيادة، وجبهة الخصم، وجبهة المجتمع الدولي. وجاءت عبارتا «البندولات» و«فكّ الرسن» لتقدما روايته للمشهد: ضغوط تكبح طرفاً، وعمليات عسكرية تطلق يد الطرف الآخر.

لكن هذه تظل رواية طرف في حرب، وليست وصفاً محايداً مكتمل العناصر. أما الحقيقة الأشد وضوحاً، فهي أن استمرار السباق بين التقدم والرد، وبين الصورة والخطاب، سيظل يدفع كلفته السودانيون، ما لم تنتقل الأطراف من إدارة الحرب إلى البحث الجاد عن طريق يوقفها ويحفظ الدولة وحياة المدنيين.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً