محررو لقطة AI – 2
16 أغسطس 2026
لا تبدو دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد الجيش السوداني، إلى إطلاق حوار سياسي من داخل البلاد مجرد محاولة جديدة لجمع القوى المدنية حول طاولة واحدة، بل تعكس تصوراً متكاملاً لمستقبل السلطة والدولة بعد الحرب، يقوم في جوهره على استبعاد قوات الدعم السريع من أي شراكة سياسية مقبلة.
فالبرهان، الذي تعهد بتوفير ضمانات قانونية وأمنية للمشاركين في الحوار، ربط في الوقت نفسه أي طريق نحو السلام بإنهاء وجود التشكيلات العسكرية الموازية وحصر السلاح في يد الدولة. كما أكد أن السودان لن يقبل بتسوية تعيد الدعم السريع إلى السلطة أو تمنحه شرعية سياسية جديدة بعد ما خلفته الحرب من دمار وانتهاكات ونزوح واسع.
وبينما يقدم البرهان الحوار بوصفه عملية وطنية مستقلة تتولى إدارتها مجموعة من السودانيين بعيداً عن تدخل الدولة في الأجندة والمخرجات، ترى قوى معارضة أن استبعاد طرف عسكري يسيطر على مناطق واسعة يطرح تساؤلات بشأن قدرة هذا المسار على إنهاء الحرب فعلياً.
فما الذي يسعى إليه البرهان من الحوار الداخلي؟ وهل يمكن بناء عملية سياسية شاملة بمعزل عن الدعم السريع؟ أم أن الحوار المقترح يستهدف في مرحلته الأولى إعادة ترتيب الجبهة السياسية داخل مناطق سيطرة الجيش، قبل الانتقال إلى معالجة الملف العسكري؟
سقوط صيغة الشراكة القديمة
يستند موقف البرهان إلى اعتبار أساسي يتمثل في أن تجربة الشراكة مع الدعم السريع انتهت إلى الحرب، وأن العودة إلى الصيغة نفسها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة.
فبعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، أصبح الدعم السريع جزءاً من ترتيبات السلطة الانتقالية، وحصل قائده محمد حمدان دقلو «حميدتي» على موقع نائب رئيس مجلس السيادة، بينما احتفظت قواته بقيادتها ومواردها وانتشارها العسكري المستقل.
وأدت هذه الوضعية إلى وجود قوتين عسكريتين داخل الدولة، لكل منهما قيادة ومصالح وشبكات اقتصادية وعلاقات خارجية، رغم مشاركتهما معاً في مؤسسات الحكم.
ومع تصاعد الخلاف بشأن إصلاح القطاع الأمني والعسكري ومدة دمج الدعم السريع في الجيش، انهارت الشراكة وتحول التنافس على السلطة والنفوذ إلى مواجهة مسلحة مفتوحة في 15 أبريل 2023.
ومن وجهة نظر قيادة الجيش، أثبتت الحرب أن الاحتفاظ بقوة عسكرية موازية داخل مؤسسات الدولة لم يكن حلاً مؤقتاً، بل كان أحد الأسباب الرئيسية للانفجار.
ولهذا يتمسك البرهان بأن أي تسوية مستقبلية يجب ألا تمنح الدعم السريع وضعاً سياسياً أو عسكرياً شبيهاً بما كان يتمتع به قبل الحرب، وألا تعيده إلى موقع الشريك في إدارة الدولة.
لا شرعية سياسية بعد الحرب
ترفض قيادة الجيش الفصل بين الممارسات الميدانية للدعم السريع وطموحاته السياسية. فهي ترى أن القوات لا تستطيع المطالبة بدور في السلطة بعد اتهامها بالاستيلاء على منازل المواطنين ونهب الممتلكات وتدمير المؤسسات وارتكاب انتهاكات واسعة.
وبناءً على ذلك، يقدم البرهان استبعاد الدعم السريع باعتباره موقفاً يتعلق بالعدالة والمسؤولية، وليس مجرد خلاف سياسي بين قوتين متنافستين.
ويقول الخطاب الرسمي إن منح قادة الدعم السريع مقاعد في سلطة ما بعد الحرب قد يبعث برسالة مفادها أن استخدام السلاح والاستيلاء على المدن يمكن أن يتحولا إلى طريق مشروع للحصول على النفوذ السياسي.
كما تخشى قيادة الجيش من أن تسمح أي تسوية تعيد الدعم السريع إلى الحكم بإعادة بناء قوته العسكرية والاقتصادية، ثم تهيئة الظروف لمواجهة جديدة بعد سنوات قليلة.
ومن هنا، يتجه تصور البرهان إلى الفصل بين المقاتلين الأفراد وقيادة الدعم السريع. فقد أشار إلى إمكانية بحث أوضاع المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم بعد تجميع السلاح، في مقابل إغلاق الباب أمام عودة قيادة القوات إلى الشراكة السياسية.
حصر السلاح بوابة السلام
لا ينظر الجيش إلى الحوار باعتباره بديلاً عن معالجة الملف العسكري، بل يضع حصر السلاح في مقدمة الشروط اللازمة للانتقال إلى تسوية سياسية مستقرة.
وتقوم رؤية البرهان على تجميع أسلحة التشكيلات العسكرية في مناطق محددة، ومنع استمرار انتشارها داخل المدن والمناطق السكنية، ثم النظر في أوضاع المقاتلين وفق ترتيبات أمنية وقانونية.
ويعني ذلك عملياً رفض الدخول في تسوية تترك للدعم السريع قواته وقيادته وانتشاره الجغرافي، حتى إذا وافق على وقف إطلاق النار أو المشاركة في حكومة انتقالية.
فالجيش يعتبر أن بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة سيجعل أي اتفاق سياسي هشاً وقابلاً للانهيار، كما حدث مع الترتيبات الانتقالية السابقة.
ويتعامل البرهان مع مبدأ «جيش واحد في دولة واحدة» باعتباره قاعدة لا يمكن التراجع عنها، لأن وجود جيشين سيبقي الصراع على القرار السيادي قائماً، حتى لو توقفت المعارك مؤقتاً.
لكن تنفيذ هذا المبدأ يواجه تعقيدات كبيرة، لأن الدعم السريع لا يزال يسيطر على مناطق واسعة، ويمتلك قوات ومعدات وخطوط إمداد وتحالفات ميدانية وسياسية.
ولذلك فإن حصر السلاح ليس مجرد إجراء فني، وإنما نتيجة تحتاج إلى اتفاق عسكري وضمانات وآليات مراقبة، أو إلى تغير حاسم في موازين القوة على الأرض.
الحوار لإعادة ترتيب الجبهة الداخلية
يستهدف الحوار المعلن إشراك القوى السياسية والمدنية والمجتمعية التي وقفت إلى جانب مؤسسات الدولة خلال الحرب، أو امتنعت على الأقل عن مساندة الدعم السريع.
وتشمل دائرة المشاورات أحزاباً وكتلاً سياسية وحركات موقعة على اتفاق جوبا للسلام وإدارات أهلية وقيادات مجتمعية ومهنية وأكاديمية، إلى جانب شخصيات مستقلة.
ويريد البرهان من هذه القوى التوافق على مشروع وطني يساعد على استكمال هياكل الحكم، وفي مقدمتها المجلس التشريعي، ويفتح المجال أمام مشاركة مدنية أوسع في إدارة المرحلة المقبلة.
ويكشف اختيار هذه الأطراف عن توجه لبناء تحالف سياسي جديد داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، يستند إلى الاعتراف بمؤسسات الدولة ورفض أي سلطة موازية.
فالسنوات التي أعقبت اندلاع الحرب شهدت تراجعاً كبيراً في النشاط السياسي المدني داخل البلاد، مقابل صعود الخطاب العسكري واتساع نفوذ الحركات المسلحة والقوى التي ساندت الجيش.
ويبدو الحوار محاولة لإعادة إنتاج مساحة سياسية، ولكن ضمن حدود واضحة تحددها وحدة الدولة وشرعية مؤسساتها ورفض قوات الدعم السريع.
استكمال مؤسسات الحكم
يرتبط طرح الحوار برغبة السلطة في استكمال هياكل الدولة التي ظلت ناقصة منذ سقوط نظام البشير، خصوصاً المجلس التشريعي الانتقالي.
فعلى امتداد سنوات المرحلة الانتقالية، لم ينجح الشركاء العسكريون والمدنيون في تشكيل المجلس التشريعي، رغم النص عليه في الوثيقة الدستورية، وظلت السلطتان التنفيذية والسيادية تمارسان صلاحيات واسعة من دون رقابة برلمانية.
وبعد الحرب، أصبحت الحاجة إلى مؤسسة تشريعية أكثر إلحاحاً بسبب اتساع القرارات المرتبطة بالإنفاق العام وإدارة الأزمة وإعادة الإعمار والقوانين الاستثنائية.
ويريد البرهان أن يفضي الحوار إلى توافق على تشكيل مجلس تشريعي غير منتخب، يمثل القوى السياسية والمجتمعية والقطاعات المهنية والولايات.
وتقول القوى المؤيدة إن إنشاء المجلس سيعيد قدراً من التوازن إلى مؤسسات الحكم ويوسع المشاركة المدنية، بينما يخشى المعارضون من تحوله إلى هيئة معينة تمنح السلطة القائمة شرعية قانونية من دون تفويض شعبي.
ويعتمد تقييم الخطوة على طريقة اختيار الأعضاء والصلاحيات الممنوحة للمجلس، ومدى استقلاله عن السلطة التنفيذية والقيادة العسكرية.
رسالة إلى القوى المساندة للجيش
يمثل الحوار أيضاً اعترافاً سياسياً بالقوى التي ساندت الجيش خلال الحرب، سواء من خلال المواقف السياسية أو التعبئة المجتمعية أو المشاركة الميدانية.
فبعض هذه القوى تعتقد أنها دفعت ثمناً كبيراً للدفاع عن الدولة، وأن من حقها المشاركة في تحديد ترتيبات ما بعد الحرب، بدلاً من إعادة السلطة إلى القوى التي قادت المرحلة الانتقالية السابقة.
ويحاول البرهان من خلال الحوار استيعاب هذه المجموعات داخل مسار سياسي منظم، حتى لا تتحول التباينات بينها إلى صراعات جديدة على النفوذ والسلطة.
لكن جمع القوى الداعمة للجيش لا يضمن بالضرورة اتفاقها، إذ توجد بينها خلافات بشأن طبيعة الدولة، وموقع المؤسسة العسكرية، ودور الإسلاميين، وشكل الحكم، ومستقبل الحركات المسلحة.
وتريد بعض الأطراف استمرار الجيش في قيادة المرحلة الانتقالية، بينما تطالب أخرى بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية بعد انتهاء الحرب. كما تختلف المواقف بشأن مشاركة حزب المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي في العملية السياسية.
إبعاد المؤتمر الوطني و«تأسيس»
لا يقتصر الاستبعاد الذي أعلنه البرهان على الدعم السريع، بل يشمل حزب المؤتمر الوطني المحلول وتحالف «تأسيس» المرتبط بالقوات.
ويهدف هذا الموقف إلى تقديم الحوار بوصفه مساراً لا يعيد النظام السابق، ولا يعترف في الوقت نفسه بالسلطة الموازية التي أعلنها تحالف «تأسيس» في مناطق سيطرة الدعم السريع.
لكن قرار إبعاد المؤتمر الوطني أثار اعتراضات داخل التيار الإسلامي، حيث ترى قيادات منه أن مساواة الحزب بالدعم السريع تتجاهل وقوف الإسلاميين إلى جانب الجيش ومشاركتهم في القتال.
وفي المقابل، تشكك قوى مدنية معارضة في جدية الاستبعاد، وتقول إن عدم مشاركة المؤتمر الوطني باسمه لا يعني غياب الحركة الإسلامية عن الحوار، بسبب وجود شخصيات وتنظيمات قريبة منها داخل التحالفات المؤيدة للجيش.
وبذلك يجد البرهان نفسه أمام معادلة صعبة: فهو يريد الاستفادة من القوى التي ساندت الجيش، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى منع ظهور الحوار باعتباره طريقاً معلناً لعودة نظام البشير.
حوار وطني بإدارة مستقلة
يحاول البرهان تبديد المخاوف من سيطرة الدولة على الحوار بالتأكيد أن العملية ستدار بواسطة آلية وطنية مستقلة، وأن الحكومة لن تضع أجندتها أو تحدد مخرجاتها.
وتتركز المشاورات حول تشكيل لجنة تحضيرية تضم شخصيات مستقلة تحظى بقبول سياسي ومجتمعي، على أن تتولى اختيار المشاركين وتحديد القضايا والزمان والمكان.
كما يمكن أن تتولى اللجنة دعوة جهات إقليمية ودولية بصفة مراقبين، بما يوفر ضمانات إضافية من دون نقل ملكية العملية إلى الخارج.
ويستهدف هذا الترتيب إقناع القوى المتحفظة بأن الحوار ليس مؤتمراً حكومياً، بل عملية سودانية تتولى الدولة توفير الأمن واللوجستيات اللازمة لها.
لكن استقلال اللجنة سيظل مرتبطاً بكيفية تشكيلها ومصادر تمويلها وقدرتها على اتخاذ القرارات بعيداً عن مؤسسات السلطة. فإذا اختير أعضاؤها بطريقة أحادية، ستفقد جزءاً كبيراً من صدقيتها قبل انطلاق الحوار.
ضمانات للمعارضين
تعهد البرهان بعدم ملاحقة المشاركين بسبب مواقفهم وآرائهم التي يطرحونها خلال الحوار، إلى جانب وقف الإجراءات الجنائية بحق من تشملهم الدعوة.
وتستهدف هذه الضمانات سياسيين وناشطين موجودين خارج البلاد، يواجه بعضهم بلاغات مرتبطة بالحرب أو التعاون مع الدعم السريع وتقويض النظام الدستوري.
وتدرك السلطة أن الحوار لن يكتسب صفة قومية إذا اقتصر على المقيمين في مناطق سيطرة الجيش، ولذلك تسعى إلى فتح الباب أمام عودة شخصيات معارضة لا تحمل السلاح.
لكن الضمانات المؤقتة قد لا تكون كافية لإقناع الجميع، إذ تطالب قوى سياسية بقرارات قانونية واضحة تضمن حرية الحركة والإقامة والمغادرة، ولا تترك مصير المشاركين خاضعاً لقرارات إدارية قابلة للتراجع.
كما أن نجاح الحوار يتطلب حرية الإعلام والتجمع والتنظيم، ووقف خطاب التخوين والتحريض ضد المخالفين، حتى يستطيع المشاركون مناقشة أداء الدولة والجيش والحكومة من دون خوف.
لماذا الحوار من الداخل؟
يقدم أنصار المبادرة عقد الحوار داخل السودان باعتباره تصحيحاً لمسار ظلت تتحكم فيه المنابر الخارجية منذ اندلاع الحرب.
فقد استضافت عواصم عدة لقاءات للقوى السودانية، لكن كثرة المبادرات لم تؤدِّ إلى توحيد الرؤى أو الوصول إلى تسوية توقف القتال.
ويرى مؤيدو الحوار الداخلي أن الحلول التي تُصاغ في الخارج تكون بعيدة عن المجتمعات التي تحملت آثار الحرب، كما تصبح أكثر عرضة لتأثير مصالح الدول الراعية.
كما يحمل اختيار الخرطوم دلالة سياسية تتعلق باستعادة العاصمة دورها مركزاً للحكم والنشاط السياسي بعد الدمار الواسع الذي شهدته.
لكن عقد الحوار في الداخل يواجه اعتراضات من قوى ترى أن البيئة الأمنية لا تزال غير مهيأة، وأن وجود أجهزة السلطة والجيش يجعل من الصعب ضمان المساواة بين المؤيدين والمعارضين.
هل يمكن إنهاء الحرب من دون الدعم السريع؟
يبقى السؤال الأكثر تعقيداً متعلقاً بإمكان إجراء حوار يستبعد الدعم السريع، في وقت لا تزال فيه القوات طرفاً أساسياً في الحرب وتسيطر على مناطق واسعة.
ويمكن للحوار الداخلي أن يعيد ترتيب مؤسسات الدولة ويوحد القوى الموجودة في مناطق سيطرة الجيش، لكنه لا يستطيع بمفرده تحقيق وقف شامل لإطلاق النار ما لم توجد قناة منفصلة للتفاوض العسكري.
ويبدو أن رؤية البرهان تميز بين مسارين: مسار سياسي يجمع القوى المدنية الملتزمة بمؤسسات الدولة، ومسار أمني وعسكري يتعامل مع الدعم السريع من زاوية وقف القتال وتجميع السلاح والمساءلة، وليس من زاوية الشراكة في الحكم.
ويعني ذلك أن استبعاد الدعم السريع من الحوار السياسي لا يستبعد بالضرورة التفاوض معه حول وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والممرات الإنسانية وخروج المقاتلين من المدن.
لكن نجاح هذه المقاربة يتطلب تنسيقاً دقيقاً، لأن أي تقدم سياسي في جانب واحد من البلاد قد يؤدي إلى تعميق الانقسام إذا لم يترافق مع مسار ينهي الحرب ويعيد توحيد الأراضي والمؤسسات.
مخاطر تكريس الانقسام
يحذر معارضو الحوار من أنه قد يؤدي إلى بناء سلطة سياسية في مناطق سيطرة الجيش، مقابل سلطة موازية يقيمها تحالف «تأسيس» في مناطق الدعم السريع.
وفي هذه الحالة، قد تتحول خطوط القتال إلى حدود سياسية وإدارية، وتتعمق الانقسامات في المؤسسات والاقتصاد والتعليم والقضاء والخدمات.
كما يمكن أن تستخدم كل جهة حوارها ومؤسساتها لإثبات شرعيتها، بينما يفقد المواطنون الأمل في عودة الدولة الموحدة.
ولهذا فإن أي عملية داخلية تحتاج إلى إعلان واضح بأن المؤسسات الناتجة عنها مؤقتة ومرتبطة بهدف إنهاء الحرب واستعادة وحدة البلاد، لا بتكريس أمر واقع طويل الأمد.
كما يجب أن تتضمن أجندة الحوار تصوراً لكيفية إعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، وضمان مشاركة سكانها في مستقبل الدولة من دون تحميل المجتمعات مسؤولية ممارسات القوات المسيطرة عليها.
محاولة لبناء شرعية جديدة
يحمل الحوار في أحد أبعاده محاولة لإعادة بناء شرعية مؤسسات الدولة بعد سنوات من الانقلابات والحرب وتعثر الانتقال المدني.
فالسلطة الحالية تستند بدرجة أساسية إلى شرعية الأمر الواقع وقيادة الجيش خلال النزاع، لكنها تحتاج إلى قاعدة سياسية ومجتمعية أوسع لإدارة ملفات إعادة الإعمار والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
وقد يساعد تشكيل مجلس تشريعي وإشراك قوى مدنية في تخفيف الطابع العسكري للحكم، لكنه لن يحقق انتقالاً مدنياً كاملاً ما لم تُحدد العلاقة بين المؤسسات العسكرية والسياسية وصلاحيات كل طرف.
كما أن استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي والحصول على دعم دولي لإعادة الإعمار قد يرتبطان بوجود عملية سياسية ذات صدقية، لا بمجرد إضافة شخصيات مدنية إلى الهياكل القائمة.
ومن هنا، تسعى السلطة إلى تقديم الحوار باعتباره بداية لترتيب دستوري وسياسي جديد، بينما يصفه خصومها بأنه محاولة للحصول على اعتراف خارجي من دون نقل حقيقي للسلطة.
ما الذي يحدد نجاح المبادرة؟
يتوقف نجاح الحوار على قدرته على تجاوز دائرة القوى المؤيدة للجيش والوصول إلى قطاعات أوسع من المجتمع، من بينها النقابات ولجان المقاومة والنساء والشباب والنازحون واللاجئون.
كما يحتاج إلى وضع وقف الحرب والأزمة الإنسانية في صدارة أجندته، حتى لا يظهر باعتباره مؤتمراً لتوزيع المناصب واستكمال هياكل الحكم فقط.
وستكون استقلالية اللجنة التحضيرية، ووضوح الضمانات القانونية، وحرية الإعلام، والشفافية في اختيار المشاركين، عوامل أساسية في تحديد درجة صدقية العملية.
أما القضية الحاسمة فستظل العلاقة بين المسار السياسي والمسار العسكري. فإذا لم يؤدِّ الحوار إلى رؤية واقعية لإنهاء القتال وحصر السلاح وإعادة توحيد مؤسسات الدولة، فقد ينتج حكومة أو مجلساً تشريعياً، لكنه لن ينتج سلاماً.
إن توجه البرهان نحو حوار يستبعد الدعم السريع يعكس قناعة بأن الحرب أنهت إمكانية العودة إلى شراكة ما قبل 15 أبريل، وأن الدولة المقبلة يجب أن تقوم على جيش واحد وسلطة واحدة.
لكن تحويل هذا المبدأ إلى واقع يحتاج إلى أكثر من إعلان سياسي؛ يحتاج إلى وقف الحرب، وتسوية أوضاع المقاتلين، وتحقيق العدالة، وضمان عدم استخدام الحوار لإقصاء المجتمعات الموجودة في مناطق سيطرة الدعم السريع.
وبين رفض إعادة الدعم السريع إلى السلطة وضرورة التفاوض لإنهاء وجوده العسكري، يحاول البرهان رسم طريق يفصل بين السلام والشراكة: تفاوض يوقف الحرب ويجمع السلاح، وحوار سياسي لا يكافئ القوة المسلحة بمقاعد في الحكم.
ويبقى نجاح هذا الطريق رهناً بقدرته على توحيد السودانيين حول مشروع دولة، لا الاكتفاء بتوحيد القوى الواقفة في جانب واحد من خطوط الحرب.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات