محررو لقطة AI – 13
30 سبتمبر 2026
في قلب الخرطوم، حيث لا تزال آثار الحرب ظاهرة على واجهات المباني والمحلات، بدأت أبواب ظلت مغلقة لسنوات تُفتح من جديد. يعود التجار واحدًا تلو الآخر إلى السوق الأفرنجي، أحد أشهر أسواق العاصمة القديمة، في محاولة لاستعادة نشاط تجاري لم يكن بالنسبة لكثيرين منهم مجرد مصدر رزق، بل جزءًا من تاريخ المدينة وذاكرتها.
بدأت العودة قبل نحو ثلاثة أشهر بمبادرة من أصحاب المحال أنفسهم. وعلى جانبي شارع الجمهورية، عاد النشاط بصورة محدودة إلى مربعين متقابلين، وفتحت بعض متاجر الملابس والأحذية والساعات والنظارات أبوابها، بينما لا تزال غالبية المحال مغلقة وتحمل واجهاتها آثار الدمار الذي خلفته الحرب.
ومن بين أوائل العائدين عثمان قرشي أحمد، الذي أعاد فتح متجره لإصلاح الساعات. المهنة بالنسبة إليه ليست جديدة؛ فقد ورثها عن أسرته وبدأ ممارستها منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره. ومع فتح المتجر، بدأ بعض زبائنه القدامى يعودون حاملين ساعاتهم لإصلاحها، وكأن عودة تلك القطع القديمة إلى طاولة الصيانة تعيد معها شيئًا من الحياة التي غابت عن المكان.
لكن السوق الذي عاد إليه عثمان ليس السوق نفسه الذي غادره قبل الحرب. فآثار الدمار ما تزال تحيط بالمحال، والكهرباء غير متوفرة بصورة تسمح باستعادة وتيرة العمل السابقة. ويتذكر عثمان أيامًا كان فيها السوق يعمل لساعات طويلة، بينما أصبحت أبسط متطلبات تشغيل المحال اليوم جزءًا من معركة العودة.
وفي متجر آخر أصابه القصف، استأنف عمر محمد نشاطه رغم الأضرار. بالنسبة إليه، لا ترتبط العودة بحساب الربح والخسارة وحده، وإنما بسنوات قضاها في المكان وبذكريات تشكلت بين المحلات والشوارع والزبائن. ويرى أن السوق لن يستعيد حياته بالمباني وحدها؛ بل بعودة التجار والزبائن معًا.
وتكشف الأرقام الصغيرة حجم المسافة التي قطعها العائدون وحجم الطريق المتبقي أمامهم. يقول تاجر الأحذية أبو القاسم علي إن البداية كانت بثلاثة أشخاص فقط، قبل أن يرتفع عدد الموجودين في السوق منذ إعادة افتتاحه إلى نحو مئة شخص. لكن ارتفاع تكلفة إصلاح المحال المتضررة دفع بعض التجار إلى حلول مؤقتة، من بينها عرض بضائعهم على طاولات متنقلة بدل انتظار اكتمال الصيانة.
وللسوق الأفرنجي مكانة مختلفة في تاريخ وسط الخرطوم. فقد اشتهر بتجارة الملابس والأحذية والأقمشة وغيرها من السلع، وارتبط اسمه تاريخيًا بتجار من الأرمن والأغريق والطليان واليهود، قبل أن تتغير تركيبته الاجتماعية والتجارية عبر العقود. كما ارتبطت المنطقة بمعالم وأسماء قديمة، بينها أتني وسانت جيمس وبابا كوستا.
ولم يكن المكان سوقًا للبيع والشراء فقط. ففي فترات ازدهاره، امتزج النشاط التجاري بالمقاهي والتجمعات الاجتماعية والثقافية، وتحول وسط الخرطوم إلى مساحة يلتقي فيها التجار والموظفون والفنانون والمثقفون والزوار.
ويستعيد محمد موسى داجو تلك الصورة حين يتحدث عن السوق بوصفه ملتقى اجتماعيًا وثقافيًا، وليس مجرد صف من المتاجر. لذلك يرى أن عودة أصحاب المحال اليوم تحمل معنى يتجاوز التجارة إلى استعادة المكان نفسه وعلاقته بالمدينة.
ويرى الباحث الاجتماعي السمؤال ضياء الدين أن الأسواق القديمة يمكن أن تتحول بمرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية، بسبب العلاقات والذكريات التي تتشكل بين الناس والمباني والمهن. ومن هذا المنظور، تصبح العودة بعد الحرب محاولة لاستعادة الصلة بأماكن ارتبطت بالحياة اليومية قبل أن تقطعها سنوات القتال.
وهذا ما يفسر أيضًا عودة أشخاص لا يملكون محال في السوق. منتصر عبد الله، أحد رواده القدامى، يقول إن علاقته بالمكان لم تكن مرتبطة دائمًا بالشراء؛ فقد اعتاد التجول فيه وتأمل مبانيه ومعالمه القديمة. وعندما عاد بعد غياب يقارب ثلاث سنوات، استعاد ذكرياته لكنه واجه في الوقت نفسه حجم الدمار الذي غير كثيرًا من التفاصيل التي عرفها.
عودة السوق الأفرنجي لا تعني أن وسط الخرطوم عاد إلى طبيعته. معظم المتاجر ما تزال مغلقة، والخدمات الأساسية تعاني، وإصلاح المباني يحتاج إلى أموال قد لا يمتلكها التجار بعد سنوات الحرب. لكن فتح عشرات الأبواب وسط هذه الظروف يحمل دلالة أخرى: أن إعادة إعمار المدينة قد تبدأ أحيانًا قبل وصول مشاريع الإعمار الكبرى.
فحين يعود صانع الساعات إلى طاولته، وتظهر الأحذية والملابس مجددًا أمام المحال، ويعود الزبون القديم إلى الشارع الذي عرفه، تبدأ المدينة في استعادة جزء من حياتها اليومية.
السوق الأفرنجي اليوم ليس الصورة التي كان عليها قبل الحرب، ولا تزال آثار الدمار أكبر من أن تخفيها المحال التي أعيد فتحها. لكنه يقدم مشهدًا صغيرًا لما يمكن أن تعنيه عودة الحياة إلى الخرطوم: أبواب تفتح وسط الركام، وتجارة تحاول الوقوف مجددًا، وذاكرة مدينة تبحث بين ما بقي من معالمها عن الطريق إلى الحياة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات