محررو لقطة AI – 7
لقطة AI
8 نوفمبر 2026
لم تعد أزمة الرعاية الصحية في مدينة مليط بولاية شمال دارفور تقتصر على نقص الأدوية أو صعوبة الوصول إلى المرافق الطبية، بل باتت تمثل عبئاً متزايداً على النساء والفتيات، في ظل تراجع الخدمات الأساسية وتفاقم الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالنزوح والصراع وتدهور الأوضاع المعيشية.
وتواجه النساء في المناطق المتأثرة بالحرب تحديات متداخلة، تشمل صعوبة الحصول على خدمات الصحة الإنجابية، ومتابعة الحمل والولادة، والرعاية الطبية الطارئة، إلى جانب محدودية الخدمات المتخصصة التي تستجيب لاحتياجات الفتيات والنساء في ظروف النزوح وانعدام الاستقرار.
وتزداد خطورة هذه الأزمة عندما تضطر الحوامل إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن مركز صحي قادر على تقديم المساعدة، أو عندما تتعذر إحالة الحالات الحرجة إلى مستشفيات مجهزة، وهو ما يرفع المخاطر الصحية ويجعل التأخر في تلقي العلاج عاملاً حاسماً في بعض الحالات.
وتكشف الإفادات المحلية عن حجم النقص بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ قالت أسماء أبو بكر الصديق، وهي من سكان مليط، إن المدينة تعاني غياب المرافق الصحية الكافية وأجهزة الفحص الدوري، فضلاً عن نقص الأطباء المتخصصين في أمراض النساء والتوليد.
وأشارت إلى أن بعض النساء يواجهن مخاطر جسيمة أثناء الولادة القيصرية، بسبب عدم توفر التجهيزات الطبية الضرورية، موضحة أن الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي متقدم قد تضطر إلى الانتقال لمسافة تصل إلى نحو 280 كيلومتراً باتجاه مدينة نيالا.
وتعني هذه المسافة أن المرأة التي تواجه مضاعفات مفاجئة أثناء الولادة قد تجد نفسها أمام رحلة طويلة في ظروف صحية وأمنية ولوجستية بالغة الصعوبة، خصوصاً عندما تكون الحالة بحاجة إلى تدخل طبي عاجل لا يحتمل التأخير.
الفوط الصحية تتحول إلى عبء اقتصادي
ولا تتوقف معاناة النساء والفتيات عند حدود المستشفيات، بل تمتد إلى الاحتياجات الصحية اليومية، وفي مقدمتها مستلزمات النظافة الشخصية والدورة الشهرية.
وقالت متطوعة في مليط إن أسعار الفوط الصحية ارتفعت إلى نحو 10 آلاف جنيه، في وقت تعجز فيه كثير من الأسر عن توفير هذا المبلغ بصورة منتظمة، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وأوضحت أن بعض الفتيات يلجأن إلى استخدام قطع القماش غير المعقمة بديلاً للفوط الصحية، بسبب عدم القدرة على شراء المستلزمات المناسبة أو انقطاع توفرها في الأسواق.
وتضع هذه الظروف الفتيات أمام تحديات تتعلق بالصحة والنظافة والخصوصية والكرامة الإنسانية، كما تزيد الحاجة إلى التوعية الصحية وتوفير مستلزمات النظافة بصورة منتظمة، خاصة للفتيات في سن المراهقة والنساء النازحات والأسر الأكثر فقراً.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تغيب المرافق الصحية القريبة التي يمكن اللجوء إليها للحصول على المشورة الطبية أو التعامل مع الالتهابات والمضاعفات المحتملة.
جهود إنسانية لا تزال بحاجة إلى التوسع
ورغم صعوبة المشهد، فإن مليط لم تكن خارج نطاق التدخلات الصحية الإنسانية. فقد أشار تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان عن الفترة من يناير إلى فبراير 2026 إلى دعم خدمات التوليد والطوارئ الأساسية ورعاية حديثي الولادة على مدار الساعة في مليط وطويلة، ضمن تدخلات استهدفت تقليل مخاطر مضاعفات الحمل والولادة.
وذكر التقرير أن المرافق المدعومة قدمت خلال فترة الرصد 346 عملية ولادة و2642 استشارة صحية، وهو ما يعكس حجم الاحتياج إلى الخدمات الطبية في المنطقة، وأهمية استمرار التدخلات وتوسيع نطاقها.
لكن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان استمرارية هذه الخدمات وتغطيتها للاحتياجات المتزايدة، وعدم اقتصارها على التدخلات المؤقتة أو العيادات المتنقلة، مع ضرورة توفير الأدوية وأجهزة التشخيص والكوادر الطبية المؤهلة.
وتتطلب الاستجابة الإنسانية في مليط خطة متكاملة تشمل تجهيز غرف العمليات، وتوفير اختصاصيي النساء والتوليد، ودعم خدمات الولادة الآمنة، وتأمين وسائل نقل وإحالة الحالات الحرجة، إلى جانب توزيع الفوط الصحية ومستلزمات النظافة الشخصية بصورة منتظمة.
كما تبرز أهمية إشراك المبادرات النسوية والمتطوعات المحليات في تحديد الاحتياجات والوصول إلى الفتيات والنساء الأكثر تضرراً، مع توفير خدمات صحية تراعي الخصوصية وتحفظ كرامة المستفيدات.
أزمة تكشف هشاشة الخدمات الأساسية
وتعكس الأوضاع في مليط جانباً من الأزمة الصحية الأوسع التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب، حيث أدى النزاع والنزوح وتعطل سلاسل الإمداد ونقص التمويل الإنساني إلى زيادة الضغط على المرافق الطبية، خصوصاً في المناطق التي تستقبل أعداداً من النازحين.
وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء والفتيات من أكثر الفئات تأثراً بتراجع الخدمات الصحية، مع استمرار صعوبات الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية والرعاية الطبية المنقذة للحياة في مناطق النزاع.
وفي مليط، لا يمكن التعامل مع نقص الفوط الصحية أو غياب اختصاصيي النساء والتوليد باعتبارهما مشكلتين منفصلتين؛ فكلتاهما تعكسان فجوة في منظومة الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، وتؤثران بصورة مباشرة على حياة النساء والفتيات وقدرتهن على العيش بسلامة وكرامة.
وتضع هذه المعطيات المنظمات الإنسانية والجهات الصحية أمام مسؤولية التحرك لتوفير استجابة عاجلة ومستدامة، تضمن وصول الخدمات الأساسية إلى النساء والفتيات، وتمنع تحول نقص المستلزمات الطبية إلى مخاطر إضافية تهدد حياتهن.
المطلوب اليوم ليس مجرد توفير مساعدات مؤقتة، بل إعادة بناء الحد الأدنى من منظومة الرعاية الصحية التي تضمن للمرأة حقها في العلاج والولادة الآمنة، وللفتاة حقها في مستلزمات النظافة والصحة الأساسية، دون أن تتحول هذه الحقوق إلى امتياز يصعب الحصول عليه في زمن الحرب.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
ملاحظة تحريرية: أرقام الأسعار والمسافة والإفادات المحلية منسوبة إلى التقرير الأصلي، بينما بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان تخص فترة سابقة من عام 2026، ولا تمثل تأكيداً لاستمرار الخدمات حالياً.
التعليقات
0 تعليقات