هل يمكن التفاوض مع المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية؟
السودان بين منطق الإقصاء ومتطلبات التسوية السياسية !!
عبود النصيح
مع استمرار الحرب السودانية وتعقّد المشهد السياسي والعسكري، تعود إلى الواجهة أسئلة كانت تبدو مستبعدة قبل سنوات قليلة. ومن بين أكثر هذه الأسئلة حساسية وإثارة للجدل سؤال ظل حاضراً في النقاشات السياسية المغلقة والعلنية على حد سواء: هل يمكن التفاوض مع المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية للسودان؟
السؤال في ظاهره سياسي، لكنه في جوهره يتجاوز الأحزاب والتنظيمات ليطرح قضية أكبر تتعلق بكيفية بناء السلام وإدارة الخلافات الوطنية في بلد أنهكته الحروب والانقسامات والتجارب السياسية المتعثرة.
بين الرفض المبدئي والواقعية السياسية
بالنسبة للاغلبية من السودانيين، يرتبط المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بفترة حكم امتدت لثلاثة عقود شهدت تحولات عميقة وأزمات سياسية واقتصادية وأمنية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم والغد . ولذلك يرى كثيرون أن أي حديث عن التفاوض مع هذه القوى يمثل تجاهلاً لمطالب التغيير التي رفعتها ثورة ديسمبر 2018. بل تجاوزاً للعدالة .
في المقابل، يطرح آخرون سؤالاً مختلفاً: هل يمكن فعلاً بناء تسوية سياسية مستقرة في السودان عبر استبعاد تيار سياسي واجتماعي ما زال يمتلك وجوداً تنظيمياً وقاعدة مؤيدة في بعض المناطق والقطاعات؟
هنا ينتقل النقاش من دائرة المواقف الأخلاقية والسياسية إلى دائرة الحسابات الواقعية المتعلقة بإدارة الصراع وإنهاء الحرب. بمعني لابد من ايجاد حد أدني للاتفاق من قضايا الوطن المصيرية دون إغفال العدالة كمدخل مُرضي وطبيعي لكل ذي حق . لان استمرار هذا الصراع يجعل الجميع في نقطة صفرية قد تودي الي تفكك ما تبقي من هذا الوطن ،
دروس من تجارب العالم
التاريخ السياسي الحديث يقدم أمثلة عديدة على مفاوضات جرت بين أطراف كانت قبل سنوات قليلة تعتبر نفسها أعداءً وجوديين.
في جنوب إفريقيا انتهى نظام الفصل العنصري عبر مفاوضات طويلة ومعقدة بين السلطة والمعارضة.
وفي إيرلندا الشمالية ساهم الحوار بين أطراف متصارعة لعقود في الوصول إلى اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998.
أما في كولومبيا فقد قادت المفاوضات إلى إنهاء واحدة من أطول الحروب الداخلية في أمريكا اللاتينية.
هذه التجارب لا تعني تطابق الظروف مع السودان، لكنها تؤكد حقيقة واحدة: كثير من النزاعات تنتهي بالتفاوض مع الخصوم لا مع الحلفاء. وان طريق حرب السودان التفاوض عاجلا او آجلا .
معضلة العدالة والمشاركة
واحدة من أكثر النقاط تعقيداً في أي نقاش حول التفاوض مع الإسلاميين أو المؤتمر الوطني تتعلق بالعلاقة بين العدالة السياسية والعدالة القانونية.
فالمعارضون لأي حوار مع هذه القوى يرون أن المحاسبة يجب أن تسبق أي حديث عن المشاركة السياسية.
بينما يعتقد مؤيدو الحوار أن العدالة لا تتناقض بالضرورة مع التفاوض، وأن التجارب الانتقالية في العديد من الدول أثبتت إمكانية الفصل بين المسؤولية الفردية عن الجرائم وبين الحقوق السياسية العامة.
وتبقى هذه المسألة من أصعب القضايا التي ستواجه أي عملية سياسية مقبلة في السودان.
ماذا يقول الواقع السوداني؟
الحرب الحالية أعادت خلط الأوراق بصورة غير مسبوقة. فالقوى السياسية التي كانت تتنافس قبل سنوات أصبحت تواجه تحديات وجودية مرتبطة ببقاء الدولة نفسها.
وفي ظل الانهيار الاقتصادي واتساع رقعة النزوح وتراجع الخدمات الأساسية، يزداد الحديث عن ضرورة الوصول إلى تسوية واسعة تمنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك.
لكن الوصول إلى مثل هذه التسوية يظل مرتبطاً بإجابة سؤال جوهري: هل يمكن بناء مشروع وطني جديد يستوعب جميع القوى السياسية وفق قواعد ديمقراطية جديدة، أم أن بعض الأطراف ستبقى خارج المعادلة؟
بين الإقصاء والشراكة الوطنية
تجربة السودان منذ الاستقلال تكشف أن الإقصاء المتبادل ظل أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار السياسي وإدارة التباين فكل مرحلة انتقالية تقريباً انتهت بصراع جديد بين القوى المختلفة حول من يملك حق المشاركة ومن يجب استبعاده.
وربما يكون الدرس الأهم من العقود الماضية أن بناء دولة مستقرة لا يتحقق عبر الهيمنة الكاملة لطرف واحد، كما لا يتحقق عبر إلغاء وجود خصومه.
خلاصة
قد يختلف السودانيون حول المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية أكثر مما يختلفون حول أي قضية سياسية أخرى، لكن الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن مستقبل السودان لن تحدده قوة طرف واحد، بل قدرة الجميع على الاتفاق حول قواعد جديدة للسياسة والدولة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يمكن التفاوض مع المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية؟
بل: ما هي الشروط والضمانات التي تجعل أي تفاوض ممكناً ومفيداً للسودان، لا مجرد محطة جديدة في دورة الصراع التي لم تتوقف منذ عقود؟



إرسال التعليق