الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

لماذا استعصى السودان على التحول الديمقراطي؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

لماذا استعصى السودان على التحول الديمقراطي؟
💬 تعليق 0

حلقة الاستبداد الشريرة

بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
19 يوليو 2026

منذ الاستقلال لم يفشل السودانيون في إسقاط الأنظمة العسكرية، بل فشلوا في منع عودتها. فبين ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985 وثورة ديسمبر 2018، أثبت الشارع السوداني مراراً قدرته على مقاومة الاستبداد، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء نظام سياسي يحول دون عودته. وهكذا ظل السودان يدور داخل حلقة مغلقة تتكرر فيها الأحداث بأسماء مختلفة: أزمة سياسية، انقلاب عسكري، سلطة مركزية، مقاومة شعبية، انتفاضة، انتقال ديمقراطي هش، ثم أزمة جديدة تعيد إنتاج الدورة من بدايتها.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من سبعة عقود على الاستقلال ليس لماذا وقع انقلاب بعينه، بل لماذا ظل الانقلاب ممكناً أصلاً؟ ولماذا استعصى التحول الديمقراطي على الاستقرار رغم التضحيات الهائلة التي قدمها السودانيون دفاعاً عنه؟

قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بسيطة: لأن الجيش كان أقوى من الديمقراطية. لكن هذه الإجابة، رغم ما تحمله من جزء من الحقيقة، لا تفسر وحدها ظاهرة تكررت بهذا القدر من الانتظام. فالمؤسسة العسكرية لم تكن وحدها من أعاد إنتاج الاستبداد، كما أن الديمقراطية لم تسقط فقط بسبب قوة العسكر. وبين هذين التفسيرين تختبئ أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها، وبكيفية إدارة السياسة، وبالعلاقة المعقدة بين الأحزاب والجيش والمجتمع.

إن ما عاشه السودان منذ الاستقلال لا يمكن فهمه بوصفه صراعاً بين المدنيين والعسكريين فقط، بل باعتباره أزمة ممتدة في بناء الدولة الحديثة، وعجزاً متكرراً عن تأسيس قواعد مستقرة لإدارة التنافس السياسي بصورة سلمية. ولهذا فإن الانقلابات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت أعراضاً متكررة لمرض أعمق ظل يلازم التجربة السودانية لعقود.

أزمة النخب السياسية… عندما تصبح الديمقراطية وسيلة لا قيمة

من السهل تحميل المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية الانقلابات، لكن التاريخ السوداني يكشف أن جزءاً مهماً من الأزمة كان سياسياً قبل أن يكون عسكرياً.

ففي أكثر من مرحلة، لم تنظر بعض القوى السياسية إلى الديمقراطية باعتبارها إطاراً دائماً لإدارة الاختلاف، بل باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة. وعندما تعجز هذه الوسيلة عن تحقيق أهدافها، يصبح البحث عن طرق أخرى أمراً وارداً.

لقد عانت التجارب الديمقراطية السودانية من صراعات حزبية حادة، ومن حكومات ائتلافية هشة، ومن خلافات مزمنة حول الهوية والدستور وشكل الدولة. وفي كثير من الأحيان تحولت المنافسة السياسية إلى صراع صفري، ينظر فيه كل طرف إلى الآخر باعتباره تهديداً وجودياً لا منافساً سياسياً.

وفي ظل هذه البيئة، لم يكن غريباً أن تجد بعض القوى السياسية نفسها مستعدة للتعويل على الجيش عندما تتعقد المعادلة المدنية أو تتراجع فرصها في الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.

وهكذا لم يكن الانقلاب دائماً تمرداً للعسكر على السياسة، بل كان أحياناً نتيجة مباشرة لفشل السياسة نفسها.

المؤسسة العسكرية وإشكالية الوصاية

إذا كانت النخب السياسية قد ساهمت في إنتاج الأزمة، فإن المؤسسة العسكرية بدورها لم تقف موقف المتفرج.

فعبر عقود طويلة، تطور داخل أجزاء من المؤسسة العسكرية تصور يرى أن الجيش ليس مجرد مؤسسة مهنية لحماية الحدود، بل الضامن الأخير لوحدة الدولة واستقرارها.

ومن رحم هذا التصور نشأت فكرة الوصاية.

وصاية لا تُعلن نفسها دائماً بهذه التسمية، لكنها تظهر في لحظات الأزمات الكبرى عندما يقتنع بعض الضباط بأن السياسيين فشلوا، وأن تدخل الجيش أصبح ضرورة وطنية.

وهكذا تحولت الانقلابات من استثناء إلى احتمال قائم دائماً في الخلفية.

فكلما دخلت البلاد في حالة انسداد سياسي، عاد السؤال القديم إلى الواجهة:

هل يتدخل الجيش؟

ومجرد بقاء هذا السؤال حاضراً في الحياة السياسية يكشف أن العلاقة بين المدني والعسكري لم تُحسم بصورة نهائية منذ الاستقلال.

الحلقة الشريرة… كيف أعادت الأزمة إنتاج نفسها؟

ربما تكمن خصوصية التجربة السودانية في أنها لم تعش انقلاباً واحداً أو انتقالاً ديمقراطياً واحداً، بل عاشت دورة كاملة ظلت تتكرر بصورة تكاد تكون منتظمة.

أزمة سياسية.

ثم انقلاب عسكري.

ثم سلطة مركزية قوية.

ثم تضييق للحريات.

ثم مقاومة شعبية.

ثم انتفاضة أو ثورة.

ثم انتقال ديمقراطي هش.

ثم أزمة جديدة.

ثم انقلاب جديد.

هذه ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في دورة واحدة.

والأخطر أن كل مرحلة كانت تنتهي قبل معالجة الأسباب التي أدت إليها.

فالديمقراطية كانت تعود دون إصلاح جذري للمؤسسات.

والحكم العسكري كان يسقط دون معالجة أسباب صعوده.

فتبقى الأزمة الأصلية حية تحت السطح، تنتظر لحظة جديدة للظهور.

ولهذا بدا السودان وكأنه يتحرك دائماً إلى الأمام في الظاهر، بينما يعود إلى النقطة نفسها في الجوهر.

أزمة الدولة… لماذا نبدأ من الصفر دائماً؟

لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود السياسة أو المؤسسة العسكرية.

فالسودان ظل يعاني أيضاً من أزمة دولة.

فالدول لا تستقر فقط بوجود الحكومات، بل بوجود قواعد متفق عليها لتنظيم الصراع حول السلطة.

وهنا تحديداً واجه السودان إحدى أكبر مشكلاته.

فحتى اليوم لم ينجح السودانيون في بناء توافق مستدام حول قضايا أساسية مثل:

  • شكل الدولة.
  • طبيعة النظام السياسي.
  • العلاقة بين المركز والأقاليم.
  • توزيع السلطة والثروة.
  • مفهوم المواطنة.
  • أسس الدستور الدائم.

وعندما تغيب هذه التوافقات، تتحول كل فترة انتقالية إلى ساحة صراع جديد حول مستقبل الدولة نفسها.

ولهذا كانت الحكومات تتغير، لكن الأسئلة الكبرى تبقى معلقة.

وكانت الثورات تنتصر، لكن جذور الأزمة تظل قائمة.

ولم يقتصر الأمر على غياب التوافق السياسي، بل امتد أيضاً إلى ضعف مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة التي تعتمد على الأشخاص أكثر من اعتمادها على المؤسسات تصبح أكثر عرضة للاهتزاز مع كل انتقال سياسي، لأن استمرارها يرتبط بمن يحكمها أكثر مما يرتبط بالقواعد التي تنظم عملها. وعندما تضعف المؤسسات، تصبح الدولة أقل قدرة على امتصاص الأزمات وأكثر قابلية للدخول في دوامات عدم الاستقرار.

لماذا لم تحمِ الديمقراطية نفسها؟

الديمقراطية لا تحميها النصوص الدستورية وحدها.

تحميها المؤسسات.

وتحميها الثقافة السياسية.

وتحميها قناعة الفاعلين السياسيين بأن قواعد اللعبة أهم من نتائج الجولة الواحدة.

لكن التجربة السودانية كشفت أن هذه القناعة لم تكن راسخة بالقدر الكافي.

فكثير من القوى السياسية كانت مستعدة للدفاع عن الديمقراطية عندما تكون في صالحها، لكنها أقل حماساً لها عندما تمنح الفرصة لخصومها.

وفي مثل هذه البيئات تصبح الديمقراطية هشة بطبيعتها.

ليس لأنها ضعيفة نظرياً، بل لأن حراسها أنفسهم لا يؤمنون بها بصورة كاملة.

وعندما تفقد الديمقراطية المدافعين الحقيقيين عنها، تصبح أكثر عرضة للانهيار عند أول أزمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية.

كما أن الأزمات الاقتصادية المتكررة لعبت دوراً مهماً في إضعاف التجارب الديمقراطية، إذ وجدت الحكومات المدنية نفسها في مواجهة تراجع اقتصادي وارتفاع في تكاليف المعيشة وضغوط اجتماعية متزايدة، وهو ما أضعف ثقة المواطنين في قدرتها على إدارة الدولة، وخلق بيئة سمحت بتسويق فكرة أن الاستقرار يمكن أن يتحقق عبر الحكم العسكري أكثر من المؤسسات الديمقراطية.

نحو دولة لا تحتاج إلى منقذ

ربما تكون المشكلة الأكبر في التاريخ السياسي السوداني أن البحث عن “المنقذ” ظل بديلاً عن بناء المؤسسات.

مرة يكون المنقذ جنرالاً.

ومرة زعيماً حزبياً.

ومرة قائداً ثورياً.

ومرة تكنوقراطياً.

لكن التجربة أثبتت أن الدول لا تُبنى بالأفراد مهما بلغت قدراتهم.

بل تُبنى بالمؤسسات والقواعد المستقرة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب أو العودة إلى الحكم المدني.

بل في بناء دولة تجعل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع أكثر جدوى من الاحتكام إلى القوة.

دولة لا يحتاج فيها السياسي إلى الجيش لحسم خلافاته.

ولا يرى فيها الضابط نفسه وصياً على المجتمع.

ولا يشعر فيها المواطن أن الديمقراطية أقل قدرة على تحقيق الاستقرار من الحكم العسكري.

الخاتمة

لقد جرب السودان الانقلاب مرات كثيرة.

وجرب الانتفاضة مرات كثيرة.

لكنه لم يجرب بعد بناء التوافق الوطني العميق الذي يجعل كليهما غير ضروري.

فالمشكلة لم تكن في غياب الرغبة في التغيير، بل في عجز النخب السياسية والعسكرية عن تحويل هذا التغيير إلى مؤسسات مستقرة وقواعد دائمة.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ السوداني أن الديمقراطية ليست حدثاً يبدأ بإسقاط نظام، بل عملية طويلة تبدأ ببناء الثقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمع. فحين تتحول قواعد التداول السلمي للسلطة إلى ثقافة راسخة، يصبح الانقلاب استثناءً مستحيلاً، لا احتمالاً يتكرر مع كل أزمة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نسقط الاستبداد؟

بل أصبح: كيف نمنع عودته؟

ذلك أن الأمم لا تصبح ديمقراطية لأنها تجري انتخابات، بل لأنها تنجح في جعل تداول السلطة أمراً طبيعياً أكثر من كونه استثناءً.

وحين ينجح السودان في تحقيق ذلك، لن يكون قد أنهى أزمة انقلاب بعينه، بل سيكون قد كسر الحلقة الشريرة التي ظلت تحكم تاريخه السياسي لعقود طويلة.

لقطة …
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً