×

انهيار المنظومة الصحية في السودان.. كيف تحولت المستشفيات إلى ضحايا للحرب؟

انهيار المنظومة الصحية في السودان.. كيف تحولت المستشفيات إلى ضحايا للحرب؟

تحقيق استقصائي خاص – لقطة AI

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متصارعين، بل تحولت مع مرور الوقت إلى حرب مفتوحة ضد مؤسسات الدولة نفسها، وكانت المنظومة الصحية من أكبر الضحايا.

فبينما ينشغل العالم بمتابعة تطورات المعارك وتبدل خطوط السيطرة العسكرية، تتكشف في المدن والقرى السودانية مأساة أقل ظهوراً أمام الكاميرات وأكثر قسوة على حياة المواطنين: انهيار شبه كامل لخدمات الرعاية الصحية، واختفاء الأدوية، وإغلاق المستشفيات، وهجرة الكوادر الطبية، وتحول المرض نفسه إلى حكم بالإعدام في كثير من المناطق.

مستشفيات خارج الخدمة

تشير بيانات حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 37% من المرافق الصحية في السودان أصبحت خارج الخدمة بالكامل، بينما تعمل نسبة كبيرة من المرافق المتبقية بصورة جزئية وتحت ظروف بالغة الصعوبة. كما تعرض القطاع الصحي لمئات الهجمات المباشرة منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المرضى والعاملين في المجال الطبي. (World Health Organization)

لكن الأرقام الرسمية لا تعكس حجم الكارثة الحقيقي، إذ تشير إفادات أطباء ومنظمات إنسانية إلى أن ولايات كاملة في دارفور وكردفان وأجزاء واسعة من الخرطوم فقدت القدرة على تقديم الخدمات الطبية الأساسية بصورة منتظمة.

في بعض المناطق أصبح الوصول إلى طبيب مختص أو غرفة عمليات أو حتى جرعة مضاد حيوي أمراً بالغ الصعوبة، بينما أغلقت مراكز غسيل الكلى وعلاج السرطان وأقسام الطوارئ أبوابها بسبب نقص المعدات أو انعدام الكهرباء أو مغادرة الكوادر الطبية.

نهب الأجهزة والأدوية

خلال الأشهر الأولى للحرب تعرضت عشرات المستشفيات ومخازن الإمدادات الطبية لأعمال نهب واسعة.

مصادر طبية تحدثت عن اختفاء أجهزة أشعة ومولدات كهربائية وسيارات إسعاف ومخزونات أدوية تقدر بملايين الدولارات، في وقت عجزت فيه السلطات عن حماية المرافق الصحية أو إعادة تشغيلها.

وأدى تدمير سلاسل الإمداد الدوائي إلى ظهور سوق سوداء للأدوية ارتفعت فيها الأسعار بصورة غير مسبوقة، ما جعل العلاج بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها أصلاً بسبب الحرب.

هجرة الأطباء.. نزيف لا يتوقف

ربما تكون خسارة السودان للكوادر الطبية واحدة من أخطر نتائج الحرب على المدى البعيد.

فآلاف الأطباء والصيادلة والممرضين غادروا البلاد أو نزحوا إلى مناطق أكثر أمناً داخل السودان.

وبينما كان السودان يعاني أصلاً من نقص الكوادر الصحية قبل الحرب، فإن الصراع الحالي عمّق الأزمة بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت بعض المستشفيات تعمل بعدد محدود من الأطباء لا يكفي لتغطية الاحتياجات اليومية للمرضى. (World Health Organization)

ويقول أطباء يعملون في مناطق النزاع إن كثيراً من زملائهم اضطروا إلى مغادرة مواقع العمل بعد تعرض المستشفيات للقصف أو التهديد أو انقطاع الرواتب لفترات طويلة.

الأمراض تعود من جديد

في الوقت الذي انهارت فيه الخدمات الصحية، عادت أمراض كانت تحت السيطرة لتنتشر من جديد.

فالكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك سجلت ارتفاعات مقلقة خلال العامين الماضيين، بينما تراجعت حملات التحصين في عدد من الولايات بسبب الأوضاع الأمنية وصعوبة الوصول إلى السكان. (EMRO)

وتحذر منظمات دولية من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى أزمات صحية أكبر خلال مواسم الأمطار والفيضانات، خاصة في مخيمات النزوح التي تعاني من نقص المياه النظيفة والصرف الصحي.

عندما يصبح المستشفى هدفاً

أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق يتمثل في استهداف المنشآت الصحية نفسها.

فمنظمة الصحة العالمية وثقت مئات الهجمات على مرافق صحية منذ اندلاع الحرب، بينما تعرضت مستشفيات رئيسية للقصف أو التدمير أو التوقف عن العمل نتيجة المعارك. (World Health Organization)

وفي مارس 2026 أدى هجوم على مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور إلى مقتل عشرات الأشخاص وخروج المستشفى من الخدمة، وهو ما حرم مئات الآلاف من السكان من أهم مركز علاجي في المنطقة. (Reuters)

ويرى خبراء القانون الدولي الإنساني أن استهداف المرافق الصحية يمثل انتهاكاً خطيراً للقوانين الدولية، لكنه أصبح أحد السمات المتكررة للحرب السودانية.

من يدفع الثمن؟

الإجابة  بدون تردد : المواطن السوداني.

فالمرأة الحامل التي لا تجد مركزاً صحياً للولادة، وطفل سوء التغذية الذي لا يحصل على العلاج، ومريض السرطان الذي توقفت جلساته، ومريض الكلى الذي فقد مركز الغسيل، جميعهم يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.

وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن ملايين السودانيين باتوا بحاجة عاجلة إلى خدمات صحية منقذة للحياة، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والصحية في العالم حالياً. (World Health Organization)

ما بعد الحرب.. هل يمكن إعادة البناء؟

إعادة بناء المستشفيات المدمرة قد تكون مهمة ممكنة إذا توفرت الأموال والإرادة السياسية.

لكن إعادة بناء الثقة في النظام الصحي واستعادة الكوادر المهاجرة وتعويض سنوات الانهيار ستكون أكثر صعوبة.

فالمنظومة الصحية لا تُقاس بعدد المباني فقط، بل بقدرتها على حماية حياة الناس في أصعب الظروف.

واليوم يقف السودان أمام سؤال مصيري: هل ستكون إعادة إعمار القطاع الصحي أولوية وطنية بعد توقف الحرب، أم أن ملايين السودانيين سيواصلون دفع ثمن الانهيار لسنوات طويلة قادمة؟

خاتمة

تكشف الوقائع والبيانات الواردة في هذا التحقيق أن الحرب لم تكتفِ بتدمير المستشفيات ونهب الإمدادات الطبية، بل دفعت آلاف الكوادر الصحية إلى الرحيل، وأعادت أمراضاً كانت تحت السيطرة، وحرمت ملايين السودانيين من أبسط حقوقهم في العلاج والرعاية.

لقد تحولت المنظومة الصحية من خط دفاع لحماية الحياة إلى قطاع يكافح من أجل البقاء، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر يوماً بعد يوم. وإذا كانت الحروب تُقاس بحجم الدمار الذي تخلّفه، فإن ما أصاب الصحة في السودان يمثل أحد أخطر وجوه هذه المأساة وأكثرها امتداداً إلى المستقبل.

ويبقى السؤال الذي سيلاحق الجميع بعد أن تهدأ أصوات السلاح: كم جيلاً سيدفع ثمن انهيار النظام الصحي، إذا لم تبدأ عملية إنقاذ حقيقية قبل فوات الأوان؟

إرسال التعليق

You May Have Missed