محررو لقطة AI – 2
لقطة AI
3 أغسطس 2026
لم يتجه الفارون من مدينة كاودا إلى مخيمات مجهزة أو مراكز إيواء، بل حملت عائلات ما استطاعت من متاعها ولجأت إلى الجبال والكهوف المحيطة بالمدينة، هرباً من اشتباكات مسلحة تجددت داخل الأحياء السكنية وامتدت تداعياتها إلى المنازل والمقار الإنسانية.
وشهدت كاودا، الواقعة في ولاية جنوب كردفان، موجة نزوح واسعة يوم السبت، بعد اندلاع مواجهات عنيفة بين مجموعات مسلحة تنتمي إلى قبيلة الأطورو وعناصر من الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
وقالت مصادر محلية إن الاشتباكات تركزت في أحياء كودي والإرسالية وكجو، واستخدمت خلالها الأسلحة بصورة مكثفة، ما أثار حالة من الذعر ودفع أعداداً كبيرة من السكان إلى مغادرة المدينة والبحث عن مناطق أكثر أمناً في الجبال والمناطق المحيطة. (سودان تربيون)
ولم تُعلن حتى الآن حصيلة رسمية لضحايا المواجهات الأخيرة أو عدد النازحين، في ظل صعوبة الاتصالات والوصول إلى المنطقة، ما يجعل تقدير الحجم الكامل للخسائر الإنسانية والمادية أمراً بالغ التعقيد.
منازل تحترق ومقار إنسانية تُنهب
لم تقتصر آثار الاشتباكات على حركة النزوح، إذ أفادت المصادر المحلية بوقوع عمليات نهب وتخريب استهدفت عدداً من مقار المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة، إلى جانب إحراق عشرات المنازل داخل المدينة.
ويهدد الاعتداء على مقار المنظمات بتقليص الاستجابة الإنسانية في وقت يحتاج فيه السكان الفارون إلى الغذاء والمياه والمأوى والأدوية بصورة عاجلة، خصوصاً أن كثيراً منهم غادروا منازلهم من دون الاستعداد لرحلة نزوح طويلة.
وكانت أحداث عنف سابقة شهدتها كاودا خلال مايو ويونيو قد طالت سوق المدينة ومؤسسات تابعة للحركة الشعبية والسلطة المدنية ومقار منظمات إنسانية، ودفعت سكاناً إلى الاحتماء بالمناطق الجبلية، حيث واجهوا الجوع وانعدام المأوى. (سودان تربيون)
ويزيد نهب المؤسسات الإغاثية من خطورة الوضع، لأن المنظمات المحلية والإنسانية تمثل في مناطق جبال النوبة واحدة من القنوات القليلة المتاحة لتوفير الخدمات الأساسية، وسط ضعف البنية الصحية وصعوبة دخول الإمدادات عبر طرق آمنة ومنتظمة.
اقتحام السجن وإطلاق أكثر من 100 محتجز
سبقت موجة الاشتباكات الأخيرة حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في اقتحام مجموعة مسلحة سجن كاودا المركزي وكسر أبوابه وإطلاق سراح أكثر من 100 سجين.
وبحسب المصادر، كان من بين المفرج عنهم عسكريون محتجزون على خلفية الأحداث الأمنية المتصاعدة في المنطقة، كما أُحرق مقر الحكومة المحلية في هيبان، في تطور عكس اتساع المواجهات من خلاف محلي إلى تحدٍّ مباشر لسلطات الحركة الشعبية في مناطق سيطرتها. (سودان تربيون)
وتثير عملية اقتحام السجن مخاوف من انتشار السلاح واتساع دائرة الانتقام وظهور مجموعات جديدة خارج سيطرة الأطراف الرئيسية، بما يجعل عودة السكان إلى منازلهم أكثر صعوبة حتى في حال تراجع الاشتباكات المباشرة.
كما أن إحراق المقار الحكومية ونهب المؤسسات المدنية يهددان بفراغ إداري وأمني داخل المنطقة، ويضعفان قدرة السلطات المحلية على حماية السكان وتنظيم وصول المساعدات أو تأمين الطرق والأسواق.
جذور الأزمة بدأت بخلاف حول الحدود
تعود جذور التوتر إلى خلافات اندلعت في مارس 2026 بشأن ترسيم الحدود بين مجموعات من قبيلتي الشوايا والأطورو في مدينة كاودا والمناطق المحيطة بها.
وتطورت الخلافات لاحقاً إلى مواجهات مسلحة، قبل أن تنتقل الأزمة إلى داخل صفوف الجيش الشعبي عندما حاولت قيادته اعتقال ضباط وأفراد اتهمتهم بالتمرد ورفض المثول أمام لجان التحقيق.
وفي مايو، أقرت الحركة الشعبية بتنفيذ عمليات عسكرية في مناطق تقطنها قبيلة الأطورو، لكنها قالت إن العمليات استهدفت ملاحقة عناصر متمردة، وليست موجهة ضد القبيلة بوصفها مكوناً اجتماعياً. (سودان تربيون)
وفي يونيو، أفادت تقارير بأن المجموعة المتمردة تمكنت من فرض سيطرة واسعة على مدينة كاودا وطرد الحكومة المحلية، كما أحرقت منازل مسؤولين في الحركة الشعبية، من بينها منزل عمار آمون دلدوم، السكرتير العام للحركة. (سودان تربيون)
وتكشف هذه التطورات أن النزاع لم يعد مجرد خلاف محدود بين أفراد أو مجموعات محلية، بل تحول إلى أزمة أمنية معقدة تتداخل فيها الانقسامات القبلية مع الصراع داخل المؤسسات العسكرية والسياسية المسيطرة على المنطقة.
الحركة الشعبية تنفي الاستهداف القبلي
نفت الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال أن تكون عملياتها العسكرية موجهة ضد قبيلة الأطورو، وقالت إن إجراءاتها تستهدف أفراداً تمردوا على سلطاتها وشاركوا في الاعتداء على المواطنين والمقار الرسمية.
وأضافت أن الأحداث بدأت بتمرد مسلح شمل عمليات قتل واختطاف وإحراق منازل، مؤكدة أن تحركات الجيش الشعبي تأتي، وفق روايتها، في إطار استعادة الأمن وتطبيق القانون وحماية المدنيين وممتلكاتهم.
كما رفضت الحركة دعوات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي تطالب بطرد أفراد قبيلة الأطورو من مقاطعة دلامي، ووصفتها بأنها دعوات تحريضية لا تعبر عن قيم التعايش في مجتمع جبال النوبة. (سودان تربيون)
ودعت الحركة السكان إلى الابتعاد عن مواقع انتشار المجموعات المسلحة والتوجه إلى المناطق التي يمكن فيها توفير الخدمات الإنسانية، إلا أن قدرة المدنيين على الوصول إلى مناطق آمنة تظل محدودة بسبب اتساع رقعة التوتر وضعف وسائل النقل وشح الغذاء والمأوى.
نزوح إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الحياة
يمثل النزوح نحو الجبال والكهوف وسيلة مؤقتة للنجاة من الرصاص، لكنه ينقل المدنيين إلى مواجهة مخاطر أخرى، تشمل الجوع والعطش والتعرض للأمطار والأمراض وغياب المرافق الصحية.
وتزداد المخاطر بالنسبة إلى الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى أدوية منتظمة أو خدمات طبية عاجلة، في ظل صعوبة وصول فرق الإغاثة إلى المناطق التي لجأ إليها النازحون.
وكان المجلس النرويجي للاجئين قد حذر من أن جنوب كردفان أصبحت واحدة من أخطر جبهات الحرب وأكثرها إهمالاً، مشيراً إلى أن إغلاق طرق الإمداد وانهيار الأسواق وضعف التمويل الإنساني يدفع آلاف المدنيين إلى خوض رحلات نزوح محفوفة بالجوع والعنف والاستغلال. (NRC)
وأكد المجلس أن المنظمات المحلية باتت تتحمل الجزء الأكبر من عمليات الإغاثة في ظل تقلص وجود المنظمات الدولية وقيود الوصول، بينما تتجاوز الاحتياجات الإنسانية حجم الموارد المتاحة بصورة متسارعة. (NRC)
أزمة داخل أزمة كردفان
تأتي تطورات كاودا في وقت تواجه فيه ولايات كردفان الثلاث واحدة من أكثر مراحل الحرب السودانية خطورة، مع اتساع رقعة المواجهات وتعطل طرق التجارة والإمداد وتزايد حركة النزوح بين المدن والقرى.
ولا تبدو أزمة كاودا منفصلة عن المشهد الإنساني العام؛ فالمدينة والمناطق المحيطة بها تستضيف أصلاً سكاناً تأثروا بالحرب والقصف ونقص الغذاء، ما يعني أن موجة النزوح الجديدة تضيف ضغطاً إلى مجتمعات تعاني أساساً من ندرة الموارد.
ويحتاج احتواء الأزمة إلى وقف فوري للاشتباكات داخل المناطق السكنية، وتأمين ممرات لخروج المدنيين ووصول فرق الإسعاف والإغاثة، إلى جانب حماية مقار المنظمات الإنسانية ومخازنها من النهب والتخريب.
كما يتطلب منع تكرار المواجهات تحقيقاً مستقلاً وشفافاً في الانتهاكات التي وقعت، ومحاسبة المتورطين في قتل المدنيين وإحراق المنازل ونهب المؤسسات، مع مواجهة خطاب الكراهية والدعوات التي تهدد بتحويل الصراع المسلح إلى مواجهة اجتماعية واسعة.
ففي كاودا، لم يعد السؤال يدور فقط حول الجهة التي تسيطر على المدينة، بل حول ما إذا كان السكان سيجدون مدينة يعودون إليها بعد انتهاء الرصاص، أم أن النهب والحريق وانهيار الخدمات سيجعلان النزوح أكثر دواماً من المعارك نفسها.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات