محررو لقطة AI – 4
8 أغسطس 2026
لم يكن ظهور قادة الإدارات الأهلية في دارفور وهم يعلنون استنفار آلاف الشبان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع مجرد مشهد تعبوي عابر. فخلف الحشود والهتافات والأسلحة المرفوعة تبرز تحولات عسكرية واجتماعية شديدة الخطورة، قد يتجاوز أثرها حسابات الجبهات الحالية ليعيد تشكيل مستقبل الإقليم بأكمله.
وتسعى قوات الدعم السريع من خلال الاستنفار القبلي المباشر إلى تعويض خسائرها البشرية، وتأمين مناطق سيطرتها، وإعادة بناء احتياطها القتالي بعد الضغوط التي واجهتها في عدد من المحاور. غير أن ضخ مزيد من المقاتلين غير المدربين لا يعني بالضرورة امتلاك قوة عسكرية قادرة على تغيير مسار الحرب.
فالعدد قد يملأ الفراغ في المواقع ونقاط التفتيش، لكنه لا يعوّض غياب التدريب والانضباط والقيادة والسيطرة والإمداد. والأخطر أن تحويل القبيلة إلى وحدة تجنيد عسكري ينقل الحرب من مواجهة بين تشكيلات مسلحة إلى نزاع اجتماعي مفتوح، تصبح فيه المجتمعات نفسها أطرافاً مباشرة في القتال والثأر والانتقام.
تحشيد اضطراري لا مبادرة هجومية
يرتبط توقيت حملة الاستنفار بالتحولات التي شهدتها جبهات القتال، ولا سيما في كردفان والنيل الأزرق والمناطق المتاخمة لدارفور. فبعد سنوات من الحرب، تعرضت قوات الدعم السريع لاستنزاف بشري ومادي، وفقدت أعداداً من المقاتلين والقادة الميدانيين، بينما أصبحت خطوط إمدادها أطول وأكثر عرضة للاستهداف والاضطراب.
وفي هذا السياق، يبدو اللجوء إلى القبائل أقرب إلى الاستجابة الاضطرارية منه إلى المبادرة الاستراتيجية. فعندما تكون القوة العسكرية في حالة تمدد وامتلاك زمام الهجوم، تعتمد عادة على وحداتها الأكثر تدريباً وخبرة، أما فتح باب الاستنفار الشعبي الواسع فيشير غالباً إلى الحاجة إلى تعويض النقص وتوسيع قاعدة التجنيد بأسرع وقت ممكن.
وتحتاج قوات الدعم السريع إلى أعداد كبيرة لحراسة المدن والطرق والمطارات والمخازن ومناطق التعدين والمعابر، فضلاً عن دعم الجبهات المتحركة. وهذا الانتشار الواسع يستهلك القوى البشرية حتى في المناطق التي لا تشهد معارك مباشرة.
ومن هنا يؤدي المستنفرون دوراً مزدوجاً: تعويض الخسائر في الخطوط الأمامية، وإعفاء الوحدات الأكثر خبرة من مهام الحراسة والتأمين حتى يمكن دفعها إلى الجبهات المهمة.
لكن هذه المعالجة قد تمنح الدعم السريع فرصة مؤقتة لإعادة توزيع قواته، من دون أن تحل مشكلة الاستنزاف أو تمنحه تلقائياً قدرة هجومية نوعية.
بين صورة الحشود وحقيقة القوة العسكرية
تملك مشاهد الاستنفار قيمة إعلامية ونفسية واضحة. فظهور مئات أو آلاف الشبان في تجمعات قبلية يحمل رسالة إلى الخصوم بأن قوات الدعم السريع لا تزال تمتلك خزانات بشرية كبيرة في دارفور، وأن أي محاولة للتقدم نحو مناطق سيطرتها ستواجه مقاومة واسعة.
كما تساعد هذه المشاهد قيادة الدعم السريع في مخاطبة أنصارها ورفع معنوياتهم بعد الانتكاسات أو الخسائر الميدانية. إلا أن قياس القوة العسكرية بعدد الحاضرين في مهرجان تعبوي قد يكون مضللاً.
فلا توجد دائماً معلومات مستقلة تثبت الأرقام التي تعلنها الجهات المنظمة، كما أن الاستجابة المعلنة للاستنفار لا تعني بالضرورة وصول جميع المجندين إلى المعسكرات أو استمرارهم في القتال فترة طويلة.
وقد يشارك بعض الشبان تحت ضغط اجتماعي أو قبلي، بينما ينسحب آخرون بعد اكتشاف قسوة الجبهة أو ضعف الرواتب والإمدادات والرعاية الطبية. كما تؤثر الخسائر السابقة وإهمال الجرحى وتأخر التعويضات المالية في استعداد المجتمعات لإرسال دفعات جديدة من أبنائها.
لذلك قد تكون الحشود مؤثرة في الحرب النفسية، لكنها تحتاج إلى أشهر من التدريب والتنظيم والتسليح حتى تتحول إلى وحدات قادرة على العمل بكفاءة داخل معارك معقدة.
لماذا لا تصنع الأعداد وحدها تحولاً استراتيجياً؟
تختلف الجيوش المنظمة عن الحشود المسلحة في قدرتها على تحويل العدد إلى تأثير ميداني. فالمعارك الحديثة لا تقوم على كثافة المقاتلين فقط، وإنما على منظومة متكاملة من الاستطلاع والاتصالات والاستخبارات والهندسة العسكرية والدفاع الجوي والمدفعية والإمداد والإخلاء الطبي.
ويفتقر كثير من المستنفرين إلى التدريب العسكري المنهجي والخبرة في استخدام الأسلحة النوعية أو التحرك المنظم تحت القصف. وربما يمتلك بعضهم خبرة في حمل السلاح أو القتال المحلي، لكن ذلك لا يكفي لإدارة عمليات واسعة ضد وحدات عسكرية نظامية أو قوات متحالفة تمتلك الطيران والمسيّرات والمدفعية والتخطيط العملياتي.
وتظهر هذه الفجوة بصورة أكبر عندما تنتقل القوات من بيئتها المحلية إلى مناطق بعيدة لا تعرف جغرافيتها أو تركيبتها الاجتماعية. ففي محيطها القبلي تستطيع الاستفادة من المعرفة بالأرض وشبكات الإسناد الأسري والمحلي، لكن كفاءتها تتراجع عندما تعمل خارج تلك الحاضنة.
كما أن سرعة التجنيد قد تأتي على حساب التدقيق في الولاءات والكفاءة والانضباط، مما يزيد احتمالات الفرار والخلافات الداخلية والنهب والاعتداء على المدنيين.
ما الذي يستطيع المستنفرون تحقيقه؟
رغم القيود، لا ينبغي التقليل تماماً من الأثر التكتيكي للحشد القبلي. فالمستنفرون يستطيعون توفير أعداد كبيرة لتأمين المناطق الخلفية، وحماية خطوط الإمداد، وإقامة نقاط المراقبة، ومساندة القوات الأساسية في الهجمات البرية.
ويمكن استخدامهم كذلك في عمليات الالتفاف والمطاردة والانتشار السريع، خصوصاً عندما تكون المعارك داخل مناطق يعرفونها جيداً. وقد يمنح وجودهم قوات الدعم السريع قدرة أكبر على إطالة المواجهة وتشتيت خصومها بين محاور متعددة.
غير أن هذا يمثل تأثيراً تكتيكياً أكثر منه تحولاً استراتيجياً. فالتحول الحقيقي يحتاج إلى تغيير مستدام في ميزان السيطرة، والقدرة على الاحتفاظ بالمناطق، وحماية طرق الإمداد، وتعويض الخسائر، وإدارة المدن والسكان.
أما إرسال موجات بشرية إلى الجبهات من دون تدريب أو حماية كافية فقد يؤدي إلى خسائر كبيرة، ويحوّل عملية الاستنفار نفسها إلى عامل إنهاك إضافي.
الإدارات الأهلية بين الاختيار والضغط
لا يمكن التعامل مع مواقف الإدارات الأهلية باعتبارها تعبيراً موحداً عن إرادة جميع أبناء القبائل. فالإدارة الأهلية في دارفور تعمل داخل بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها السلطة الاجتماعية مع المصالح الاقتصادية والأمنية وضغوط القوى المسيطرة على الأرض.
وقد يعلن أحد الزعماء تأييده للدعم السريع، بينما يرفض عدد كبير من أبناء القبيلة الانخراط في الحرب، أو يقاتل بعضهم في صفوف الجيش والقوات المتحالفة معه. كما توجد عائلات وقبائل انقسم أبناؤها بين الطرفين، أو اختاروا الحياد وحماية مناطقهم.
بعض الإدارات قد ترى في التحالف مع القوة المسيطرة وسيلة لحماية مجتمعها أو المحافظة على نفوذها، بينما قد تبحث أخرى عن مكاسب في الإدارة المحلية والأرض والموارد والمناصب. وقد يصدر بعض المواقف تحت التهديد المباشر أو الخوف من اتهام المجتمع بعدم الولاء.
ومن الخطير اختزال القبيلة في موقف زعيم أو مجموعة مسلحة، لأن هذا الربط يجعل المدنيين أهدافاً للانتقام الجماعي، ويحمّل مجتمعات كاملة مسؤولية قرارات لم تشارك في اتخاذها.
تشققات داخل الحاضنة الاجتماعية
لا تتحرك القبائل في دارفور بوصفها كتلة واحدة ذات مصالح متطابقة. فهناك نزاعات تاريخية على الأرض ومسارات الرعي والمياه والحدود الإدارية والتمثيل السياسي. ويمكن لتوزيع الرتب والسلاح والمواقع والمكاسب بين المجموعات المتحالفة أن يعيد إحياء هذه النزاعات.
وقد كشفت الاشتباكات التي وقعت بين السلامات والبني هلبة في جنوب دارفور خطورة انتشار السلاح داخل المجتمعات المتحالفة اسماً مع طرف واحد. فعندما تضعف سلطة القانون وتزداد قيمة القيادة العسكرية والاقتصادية، قد تتحول الخلافات المحلية بسرعة إلى مواجهات دامية.
وتشير بيانات مشروع ACLED إلى تصاعد الاقتتال بين بعض حلفاء قوات الدعم السريع بعد توسع سيطرتها في دارفور. ويعني ذلك أن السيطرة العسكرية على الإقليم لا تضمن استقرار التحالف الاجتماعي الذي تستند إليه.
بل قد يؤدي تجنيد مزيد من القبائل إلى زيادة التنافس على الرتب والعائدات ومناطق النفوذ، لتصبح القوة التي جرى حشدها لمواجهة الخصم الخارجي جزءاً من صراعات داخلية جديدة.
من الحرب العسكرية إلى الثأر الاجتماعي
الخطر الأكبر في الاستنفار القبلي أنه يغيّر هوية الحرب. فعندما يقاتل الفرد بصفته عضواً في قوة نظامية، تظل المسؤولية – نظرياً – مرتبطة بالمؤسسة وقيادتها. أما عندما يجري تجنيده باسم القبيلة، فإن مقتله أو إصابته قد يتحولان إلى قضية ثأر جماعي.
ومع كل معركة تتراكم قوائم القتلى والجرحى والمفقودين، وتنتقل مشاعر العداء إلى الأسر والقرى والأجيال الجديدة. وقد تُتهم قبيلة كاملة بمساندة أحد الأطراف، فتتعرض مناطقها للهجوم أو الحصار أو التهجير.
وهنا تفقد الحرب حدودها السياسية والعسكرية، وتتحول إلى صراع على الهوية والأرض والبقاء. وحتى إذا توصل قادة الجيش والدعم السريع مستقبلاً إلى اتفاق، فقد تبقى النزاعات التي نشأت بين المجتمعات مشتعلة لسنوات طويلة.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب بدارفور ليس فقط تدمير المدن، بل تحويل العلاقات الاجتماعية إلى خرائط عسكرية دائمة.
تكلفة قانونية وسياسية متصاعدة
يضع الاعتماد على الحشود القبلية قيادة قوات الدعم السريع أمام تحديات قانونية متزايدة. فالتوسع في التجنيد السريع، من دون منظومة واضحة للقيادة والانضباط والمساءلة، يرفع احتمالات ارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.
ولا يؤدي وصف التشكيلات بأنها قوات أهلية أو مجتمعية إلى إعفاء القيادات التي سلحتها ووجهتها من المسؤولية. فالقانون الدولي الإنساني ينظر إلى طبيعة القيادة والسيطرة والأوامر والمشاركة في العمليات، وليس إلى الاسم الذي تحمله المجموعة.
كما أن وجود تقارير عن التجنيد القسري أو تجنيد القاصرين أو استهداف المدنيين يمكن أن يوسع دائرة التحقيقات والعقوبات. وتظل الانتهاكات المرتكبة في دارفور موضع متابعة من مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان.
وكلما ازدادت أعداد التشكيلات المسلحة وصعوبة ضبطها، تقلصت قدرة القيادة على الادعاء بأنها تملك السيطرة الكاملة عليها، لكنها لا تتخلص بذلك من مسؤولية منع الجرائم والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها.
وقود بشري مؤقت لا يغيّر قواعد اللعبة
يمكن لاستنفار القبائل أن يمنح قوات الدعم السريع دفعة بشرية مؤقتة، وأن يساعدها على ملء بعض المواقع وإطالة قدرتها على القتال. لكنه لا يعالج وحده مشاكل القيادة والإمداد والتدريب والانضباط والخلافات داخل التحالف.
كما لا يوفر جواباً عن كيفية إدارة المناطق والسيطرة على مجتمعات أنهكتها الحرب والنزوح والجوع. وعلى المدى البعيد قد تصبح تكلفة هذا الاستنفار أكبر من مكاسبه، إذا أدى إلى تمرد داخل الحاضنة الاجتماعية أو إلى نزاعات بين القبائل المتحالفة أو إلى عزوف الأسر عن تقديم مزيد من أبنائها.
المؤشر الحقيقي لنجاح الحشد لن يكون عدد الرجال الذين ظهروا أمام الكاميرات، بل عدد الذين تلقوا تدريباً فعلياً، وقدرة القيادة على تنظيمهم وإمدادهم، ومدى صمودهم في المعارك، وقدرة الدعم السريع على الاحتفاظ بالأرض التي يقاتلون من أجلها.
لكن حتى إذا حققت هذه التعبئة مكاسب ميدانية محدودة، فإن الثمن الاجتماعي قد يكون مدمراً. فالسلاح الذي يُوزع اليوم باسم حماية القبيلة يمكن أن يُستخدم غداً في نزاع على الأرض أو الموارد أو الثأر.
لهذا لا يمثل الاستنفار القبلي تحولاً عسكرياً حاسماً بقدر ما يكشف عمق الاستنزاف الذي أصاب الحرب، ويهدد بنقلها إلى مستوى أكثر خطورة: حرب مجتمعات لا حرب قوات فقط.
وفي بلد يحتاج إلى إعادة بناء جيش وطني واحد، تمضي حملات التحشيد في الاتجاه المعاكس تماماً، بتوسيع قاعدة السلاح وربطها بالهويات القبلية. وقد تستطيع هذه السياسة تأجيل خسارة موقع أو إبطاء تقدم عسكري، لكنها تزرع ألغاماً اجتماعية ستبقى بعد صمت المدافع.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
المصادر
- الجزيرة نت – هل يحقق استنفار الدعم السريع للقبائل في دارفور تحولاً ميدانياً؟
- سودان تربيون – لجوء الدعم السريع إلى القيادات القبلية لمواجهة خسائره
- ACLED – أثر الاقتتال الداخلي بين حلفاء الدعم السريع في مسار الحرب
- المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية – خريطة القوى المسلحة في الحرب السودانية
- مجلس الأمن الدولي – مهام فريق الخبراء المعني بالسودان
- شبكة دارفور لحقوق الإنسان – تجدد مواجهات السلامات والبني هلبة
- وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء – مخاطر التجنيد القسري بواسطة قوات الدعم السريع
- الحكومة البريطانية – الوضع الأمني في السودان، يوليو 2026
التعليقات
0 تعليقات