الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

السودان بين الحرب الداخلية وصراع الوكالة.. من يملك قرار الرصاصة؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

السودان بين الحرب الداخلية وصراع الوكالة.. من يملك قرار الرصاصة؟
💬 تعليق 0

عبود النصيح

11 أغسطس 2026

لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية اندلعت بين قوتين تتنازعان السيطرة على الدولة، كما لم تتحول بالكامل إلى حرب تديرها أطراف خارجية وتحرك خيوطها من وراء الحدود. الحقيقة الأكثر تعقيداً أن السودان يعيش حرباً ذات جذور داخلية عميقة، لكنها تمددت بمرور الوقت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية وحماية المصالح المرتبطة بالذهب وأمن  البحر  الأحمر والموانئ ومسارات التجارة والأمن القومي لدول الجوار.

وبينما انطلقت الشرارة الأولى من داخل بنية الدولة السودانية المتصدعة، أسهم المال والسلاح والدعم السياسي القادم من الخارج في إطالة أمد المواجهة، ورفع قدرتها التدميرية، وتقليص فرص الوصول إلى تسوية وطنية مستقلة. وهكذا أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما يجري صراع سوداني على السلطة، أم حرب وكالة تتنافس عبرها قوى إقليمية ودولية؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع أن الحرب بدأت سودانية الدوافع، ثم جرى تدويل أدواتها ومساراتها، حتى بات قرار استمرارها أو إيقافها موزعاً بين الداخل والخارج.

جذور الصراع.. أزمة داخل الدولة قبل تدخل الخارج

لم تكن مواجهات 15 أبريل 2023 حادثاً منفصلاً عن التطورات التي سبقتها، وإنما جاءت نتيجة تراكم طويل من الاختلالات السياسية والعسكرية والأمنية. فقد نشأت داخل الدولة منظومة مسلحة متعددة المراكز، تضم الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحركات مسلحة وقوات نظامية أخرى، من دون الوصول إلى جيش وطني موحد يخضع بالكامل لسلطة مدنية دستورية.

وتفاقمت الأزمة بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، حين دخل السودان مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، تقاسمت فيها القوى المدنية والعسكرية السلطة من دون معالجة جذور الدولة الأمنية أو إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية. وظلت قضايا إصلاح القطاع الأمني ودمج قوات الدعم السريع داخل الجيش وتحديد التسلسل القيادي والجدول الزمني للعملية من أكثر الملفات حساسية.

ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليقضي عملياً على الشراكة الانتقالية ويضعف القوى المدنية، لكنه لم ينهِ التناقضات داخل المكون العسكري. وعلى العكس، أدى خروج المدنيين من معادلة السلطة إلى جعل المنافسة بين الجيش والدعم السريع أكثر مباشرة، في وقت كان فيه كل طرف يمتلك قواته وموارده الاقتصادية وشبكات تحالفاته الداخلية والخارجية.

ولذلك لم يكن الخلاف حول الدمج مجرد مسألة فنية تتعلق بترتيب القوات والرتب، بل كان سؤالاً عن مركز السلطة في الدولة المقبلة: من يقود المؤسسة العسكرية؟ ومن يسيطر على القرار السياسي والاقتصادي؟ ومن يضمن مستقبل قيادات الطرفين بعد اكتمال الانتقال؟

مع غياب الإجابات المتفق عليها، تحولت المنافسة السياسية إلى سباق عسكري، وانتهى الأمر بانفجار المواجهة داخل الخرطوم قبل أن تنتشر إلى دارفور وكردفان والجزيرة وسنار والنيل الأزرق ومناطق أخرى.

حرب سلطة وثروة قبل أن تكون حرب وكالة

يظل الصراع على السلطة واحداً من المحركات الأساسية للحرب. فالجيش السوداني ينظر إلى نفسه بوصفه المؤسسة العسكرية الرسمية صاحبة الحق في احتكار السلاح والسيادة، بينما تمكنت قوات الدعم السريع خلال سنوات حكم البشير وما بعدها من بناء قوة عسكرية واقتصادية وسياسية مستقلة، تجاوز نفوذها الدور الذي أُنشئت من أجله.

كما ارتبط الطرفان بشبكات اقتصادية واسعة تشمل شركات تجارية وموارد طبيعية وأنشطة مرتبطة بالذهب والنقل والعقارات والتجارة العابرة للحدود. ومن هنا لم تعد الحرب معركة على الثكنات والمقار السيادية وحدها، بل أصبحت أيضاً صراعاً على مصادر التمويل وخطوط التصدير والمعابر والمطارات والطرق التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق الخارجية.

هذا البعد الداخلي يفسر لماذا لا يمكن اختزال طرفي الحرب في مجرد وكلاء يتحركون بأوامر خارجية. لكل طرف مشروعه وحساباته وطموحاته وشبكات مصالحه الخاصة. غير أن استقلال الدافع المحلي لا ينفي تأثير الخارج؛ فالقوى الخارجية لا تحتاج بالضرورة إلى إنشاء الصراع حتى تستفيد منه أو تسهم في إطالته.

متى تحولت الحرب إلى ساحة نفوذ إقليمي؟

كلما طال أمد الحرب، ازدادت حاجة طرفيها إلى السلاح والوقود والذخائر والطائرات المسيّرة والمعلومات الاستخباراتية والغطاء السياسي. ومع انهيار الموارد الرسمية للدولة، أصبحت خطوط الإمداد الخارجية أكثر تأثيراً في موازين القوى.

وتشير تقارير دولية وتحقيقات حقوقية وإعلامية إلى وجود دعم خارجي متباين لطرفي الحرب، مع اختلاف في حجم هذا الدعم وطبيعته ودرجة ثبوت تفاصيله. وتتهم السلطات السودانية دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو اتهام تنفيه أبوظبي باستمرار. في المقابل، تتحدث تقارير متعددة عن حصول الجيش السوداني على دعم سياسي أو عسكري ولوجستي من أطراف إقليمية، من بينها مصر وإيران وتركيا، وفقاً لتطورات الحرب واحتياجات الميدان.

كما برزت ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى ومناطق أخرى بوصفها ساحات عبور محتملة للسلاح والمقاتلين والوقود. وأشارت تقارير دولية إلى استخدام شبكات عابرة للحدود، بما في ذلك مسارات مرتبطة بجنوب ليبيا، في نقل معدات ومقاتلين أجانب إلى داخل السودان.

هذا التشابك جعل الحرب أكثر من مواجهة ثنائية. فكل تحرك عسكري داخل السودان بات يؤثر في توازنات دول الجوار، وكل تغير في المواقف الإقليمية يمكن أن ينعكس مباشرة على خطوط القتال.

لماذا يمثل السودان كل هذه الأهمية؟

لا يأتي الاهتمام الخارجي بالسودان من فراغ. فالبلاد تقع عند تقاطع البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل ووسط أفريقيا، وتمتلك حدوداً واسعة مع سبع دول، فضلاً عن موارد طبيعية ضخمة ومساحات زراعية شاسعة واحتياطيات من الذهب ومعادن أخرى.

ويمثل الساحل السوداني على البحر الأحمر مساحة استراتيجية بالغة الأهمية للملاحة والتجارة الدولية والمنافسة على الموانئ والقواعد العسكرية. كما أن السودان يرتبط بصورة مباشرة بأمن مصر المائي والحدودي، وبحسابات دول الخليج المتعلقة بالغذاء والاستثمار وحماية البحر الأحمر، وبطموحات قوى دولية تسعى إلى توسيع نفوذها في أفريقيا.

وتخشى الدول المجاورة كذلك من انتقال السلاح والمقاتلين والاضطرابات عبر الحدود. فاستمرار الحرب يهدد بتوسيع شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وإعادة تنشيط النزاعات القبلية، وزيادة موجات اللاجئين، وفتح ممرات جديدة للجماعات المسلحة والمرتزقة.

لكن المفارقة أن بعض القوى التي تخشى انهيار السودان قد تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إطالة الحرب عبر دعم أحد أطرافها لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

هل فقد السودانيون قرار الحرب والسلم؟

لم يفقد السودانيون قرارهم بالكامل، لكنهم لم يعودوا يحتكرونه. فالأطراف المحلية هي التي تقاتل وتسيطر على الأرض وتتخذ القرارات العملياتية، إلا أن استمرار قدرتها على القتال يرتبط جزئياً بتدفق الموارد والإمدادات الخارجية.

وكلما ازدادت تبعية الأطراف للداعمين، أصبح الوصول إلى السلام أكثر تعقيداً. فقد يوافق طرف محلي على تسوية، بينما يرى داعمه الخارجي أن استمرار الضغط العسكري يخدم مصالحه. وقد تراهن دولة إقليمية على انتصار حليفها أو منعه من الهزيمة، حتى وإن أدى ذلك إلى إطالة معاناة السودانيين.

كما أن تعدد منصات الوساطة خلق مشكلة إضافية. فبدلاً من وجود مسار موحد يتمتع بإرادة دولية متماسكة، ظهرت مبادرات متنافسة تقودها دول ومنظمات ذات مصالح ورؤى مختلفة. وأصبحت بعض التحركات الدبلوماسية أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى معالجة أسبابها.

السيناريو الأول: حسم عسكري طويل ومكلف

يقوم هذا السيناريو على استمرار المؤسسة العسكرية وحلفائها في محاولة استعادة السيطرة على جميع الأراضي السودانية، مستفيدة من موارد الدولة ومن حالة التعبئة الشعبية المناهضة لانتهاكات قوات الدعم السريع.

لكن استعادة المدن والمقار لا تعني بالضرورة انتهاء الحرب. فالسودان بلد واسع، وتستطيع القوات غير النظامية التحول من السيطرة المباشرة إلى حرب الحركة والاستنزاف والهجمات بالطائرات المسيّرة وقطع الطرق واستهداف البنية التحتية.

كما أن الحسم الكامل يحتاج إلى تدفق مستمر للسلاح والتمويل والجنود، وقد يؤدي إلى مزيد من الدمار والنزوح وانهيار الخدمات. وحتى إذا تحقق انتصار عسكري لطرف ما، فإنه لن يعالج تلقائياً أزمة الشرعية أو قضية تعدد الجيوش أو مطالب الأقاليم المهمشة أو مستقبل الحكم المدني.

السيناريو الثاني: تثبيت الانقسام وتعدد مناطق النفوذ

يُعد هذا السيناريو من أخطر الاحتمالات، لأنه لا يحتاج إلى إعلان رسمي لتقسيم السودان. يكفي أن تستمر حالة اللاحسم، وأن تحتفظ كل قوة بمناطق سيطرتها وإداراتها وشبكاتها الاقتصادية والأمنية.

عندها قد تتشكل مناطق نفوذ متنافسة في الشرق والوسط والغرب والجنوب، لكل منها تحالفاتها المحلية وامتداداتها الخارجية. ومع مرور الوقت يمكن أن تتحول خطوط القتال إلى حدود سياسية واقتصادية فعلية، حتى لو بقي السودان موحداً على الخرائط والوثائق الدولية.

ويحمل هذا المسار مخاطر واسعة، من بينها تفكك السوق الوطنية، وتعدد العملات والسلطات، وانتشار الجبايات، وتنامي النزاعات القبلية، وتحول الموارد الطبيعية إلى وقود دائم للحرب.

السيناريو الثالث: تسوية سياسية هشة

قد تفرض الضغوط الدولية والإقليمية وقفاً لإطلاق النار أو اتفاقاً مؤقتاً، خصوصاً إذا وصلت الأطراف وداعموها إلى قناعة بأن الحسم العسكري غير ممكن أو أن كلفته تجاوزت المكاسب المتوقعة.

لكن أي اتفاق يقتصر على تقاسم السلطة بين القوى المسلحة سيظل معرضاً للانهيار. فقد أثبتت التجارب السودانية أن تأجيل القضايا الكبرى، مثل إصلاح المؤسسة العسكرية والعدالة وإدارة الموارد ونظام الحكم، لا يحلها بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر خطورة.

ولذلك تحتاج التسوية الحقيقية إلى مشروع وطني يتجاوز إعادة توزيع المناصب، ويضع ترتيبات واضحة لبناء جيش مهني واحد، وإخضاع الموارد الاقتصادية للدولة، ووقف التدخل الخارجي، وضمان مشاركة القوى المدنية والمجتمعات المتضررة والنازحين والنساء والشباب.

السيناريو الرابع: استعادة المبادرة الوطنية

رغم صعوبة المشهد، لا يزال هناك سيناريو رابع يمكن أن يفتح طريقاً مختلفاً، وهو بناء كتلة وطنية سودانية قادرة على تقديم مشروع سياسي مستقل عن طرفي الحرب وعن الاستقطاب الخارجي.

يتطلب ذلك توحيد القوى المدنية حول حد أدنى واضح: وقف الحرب، حماية وحدة السودان، رفض تعدد الجيوش، إقامة حكم مدني ديمقراطي، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات من دون انتقائية.

كما يتطلب التمييز بين العلاقات الخارجية الطبيعية، التي يحتاج إليها السودان، وبين التبعية التي تجعل موارده وموقعه وقراره السيادي أوراقاً في صراعات الآخرين.

حرب داخلية بأجنحة خارجية

إن وصف الحرب السودانية بأنها صراع داخلي فقط يتجاهل حجم التدخلات الخارجية وخطوط الإمداد والمصالح المتنافسة. وفي المقابل، فإن وصفها بأنها حرب وكالة خالصة يعفي النخب والقوى العسكرية السودانية من مسؤوليتها عن صناعة الأزمة والانقلاب على الانتقال المدني وتحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة مسلحة.

الحرب، في جوهرها، نتاج أزمة سودانية في بناء الدولة وإدارة السلطة والثروة واحتكار السلاح. لكنها تحولت بفعل التدخلات الخارجية إلى صراع مركب، تُقاتل فيه القوى المحلية لتحقيق أهدافها، بينما تستخدمها قوى خارجية لحماية مصالحها وتوسيع نفوذها.

ولهذا لن يتحقق السلام بمجرد تفاهم الدول الداعمة، كما لن يتحقق بتجاهلها. المطلوب مسار يعيد القرار إلى السودانيين، ويوقف تدفق السلاح، ويفرض رقابة دولية جادة على شبكات الإمداد، ويمنع تحويل السودان إلى خريطة مفتوحة للقواعد والموانئ والمرتزقة ومناطق النفوذ.

فالخطر الأكبر لم يعد فقط في استمرار الحرب، بل في أن يصبح استمرارها نظاماً دائماً لإدارة السودان، وأن تعتاد الأطراف المحلية والخارجية التعامل مع انقسامه باعتباره واقعاً يمكن الاستثمار فيه.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً