محررو لقطة AI – 19
13 أغسطس 2026
لم تعد أزمة الكهرباء في العاصمة السودانية الخرطوم مجرد انقطاع للخدمة يمكن التعايش معه لساعات، بل تحولت إلى أزمة معيشية متكاملة تضرب المياه والمستشفيات والأسواق والاتصالات، وتضع آلاف الأسر أمام تحدٍ يومي جديد في مدينة تحاول استعادة حياتها بعد سنوات الحرب والدمار.
وتعيش مناطق واسعة من الخرطوم وبحري وأم درمان على وقع انقطاعات طويلة ومتكررة للتيار الكهربائي، تفاقمت بصورة كبيرة عقب خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة مطلع أغسطس، إثر حريق أدى إلى أضرار في خطوط النقل الرئيسية المرتبطة بالمحطة، ومن بينها خطا مروي–المرخيات ومروي–عطبرة.
وكان قطاع الكهرباء في العاصمة يعاني أصلاً من ضعف شديد قبل العطل الأخير. وأفادت حكومة ولاية الخرطوم في يوليو بأن الكهرباء المتاحة في العاصمة لا تتجاوز نحو ثلث القدرة التي كانت تعمل بها قبل الحرب، وأن الكمية المتوفرة كانت توزع بهدف توفير التيار لنحو ثماني ساعات يومياً، في وقت ظلت فيه أجزاء واسعة من الخرطوم وبحري تعاني ضعف الخدمات الأساسية.
المياه.. أول ضحايا الظلام
التأثير الأكثر مباشرة للانقطاع يظهر في مياه الشرب، إذ تعتمد غالبية المحطات والآبار والمضخات على الكهرباء لتشغيل منظومات السحب والتنقية والتوزيع.
ومع توقف التيار لساعات طويلة، تتراجع كميات المياه التي تصل إلى الأحياء، بينما تواجه بعض المناطق انقطاعاً متزامناً للكهرباء والمياه، ما يدفع السكان إلى البحث عن مصادر بديلة وشراء المياه بتكاليف إضافية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
وسبق أن دفعت الأزمة سكاناً في مناطق من الخرطوم إلى استخدام المولدات لتشغيل مضخات المياه قبل أن تصبح تكلفة الوقود عبئاً يصعب تحمله، لتظهر بعدها مبادرات محلية تعتمد على الطاقة الشمسية لتشغيل بعض الآبار والمضخات.
وحاولت وزارة الطاقة خلال الأزمة الأخيرة إعطاء الأولوية للمرافق الحيوية، وأعلنت في 3 أغسطس توفير تغذية بديلة لعشر محطات مياه تعمل على مدار الساعة، إلى جانب عدد من المرافق الصحية، في محاولة لمنع انهيار الخدمات الأساسية بصورة كاملة.
المستشفيات أمام اختبار صعب
وفي المستشفيات والمراكز الصحية، تصبح الكهرباء مسألة تتجاوز الراحة إلى سلامة المرضى واستمرار الخدمات الطبية.
فأجهزة العمليات والعناية المكثفة وحفظ الأدوية واللقاحات والمختبرات وبنوك الدم تحتاج جميعها إلى إمداد كهربائي مستقر، بينما يرفع الاعتماد المستمر على المولدات تكلفة تشغيل المؤسسات الصحية ويزيد استهلاك الوقود.
وبسبب محدودية الإمداد عقب خروج محطة مروي، قالت وزارة الطاقة إنها خصصت تغذية بديلة لنحو 15 مستشفى ومركزاً صحياً في الخرطوم، في مؤشر على حجم الضغوط التي أحدثها الانقطاع الأخير على القطاع الصحي.
وتأتي الأزمة في وقت لم تتعاف فيه كثير من المؤسسات الصحية بالخرطوم بصورة كاملة من آثار الحرب، بعد تعرض مستشفيات ومرافق خدمية للنهب والتدمير وتعطل أجزاء كبيرة من البنية التحتية للمدينة.
الأسواق تتباطأ.. والتكلفة ترتفع
ولا يتوقف تأثير الكهرباء عند المنازل والخدمات الحكومية.
فالمحال التجارية وورش الصيانة والمخابز والمطاعم ومخازن المواد الغذائية والأعمال الصغيرة تعتمد بصورة مباشرة على الكهرباء، وأصبح أصحابها أمام خيارين أحلاهما مر: تقليص ساعات العمل أو تشغيل مولدات خاصة بكلفة مرتفعة.
ومع ارتفاع تكلفة الوقود والصيانة، تنتقل نفقات التشغيل في نهاية المطاف إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المواطن.
وكانت أزمة الكهرباء قد أثرت حتى قبل العطل الأخير على عودة النشاط التجاري إلى قلب الخرطوم؛ إذ وجد أصحاب أعمال عادوا إلى مناطق مثل السوق العربي أنفسهم مطالبين باستئناف النشاط في بيئة لا تزال تفتقر إلى الكهرباء والخدمات بصورة مستقرة.
كما تضررت أعمال صغيرة تعتمد بالكامل على الهواتف وشبكات الإنترنت والتحويلات المصرفية الإلكترونية، وهي خدمات أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية اليومية في السودان بعد تراجع التعامل النقدي خلال سنوات الحرب.
حياة منزلية تحت الضغط
داخل المنازل، تبدو الأزمة أكثر قسوة مما تظهره أرقام التوليد والمحطات.
فانقطاع الكهرباء لساعات طويلة يعني توقف الثلاجات، وصعوبة حفظ الطعام والأدوية، وتعطل المراوح وأجهزة التبريد وشحن الهواتف، إلى جانب توقف مضخات المياه في المنازل والمباني متعددة الطوابق.
وتزداد المعاناة مع ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والمرضى.
وفي بعض المناطق تجاوزت القطوعات خلال الأسابيع الأخيرة عشر ساعات، بينما تحدث سكان عن انقطاعات أطول وغير منتظمة يصعب معها ترتيب تفاصيل الحياة اليومية.
وبذلك تحولت الكهرباء من خدمة يتذمر المواطن من انقطاعها إلى عنصر يحدد متى يحصل على الماء، ومتى يشحن هاتفه، ومتى يستطيع شراء الطعام أو حفظه، وحتى متى تستطيع بعض المؤسسات الصحية والتجارية العمل.
أزمة فوق أزمة
المشكلة الحالية لا ترتبط بحادث فني واحد.
فقطاع الكهرباء السوداني خرج من سنوات الحرب بخسائر ثقيلة طالت محطات التوليد والتحويل وشبكات النقل والتوزيع والكابلات، فيما تعرضت منشآت الطاقة خلال الصراع لهجمات وعمليات تخريب ونهب أضعفت قدرة الشبكة القومية على تحمل الأعطال المفاجئة.
وقبل خروج مروي الأخير، كانت وزارة الطاقة قد أرجعت أزمة القطوعات التي وصلت في بعض الفترات إلى نحو 18 ساعة يومياً إلى مجموعة عوامل، بينها تضرر الشبكة ونقص الوقود وتوقف إمدادات الربط الكهربائي مع إثيوبيا.
وهذا يعني أن سقوط مصدر كبير من مصادر التوليد لا يحدث داخل شبكة مستقرة قادرة على تعويض النقص، وإنما داخل منظومة تعمل بالفعل تحت ضغط شديد.
لماذا يمثل سد مروي نقطة حاسمة؟
تكمن خطورة العطل في الوزن الكبير لمحطة سد مروي داخل منظومة الكهرباء السودانية.
وتشير تقديرات مسؤولي قطاع الطاقة إلى أن المحطة توفر أكثر من نصف الكهرباء المنتجة في البلاد، ولذلك فإن خروجها أو تراجع قدرتها يترك تأثيراً سريعاً على عدة ولايات وليس الخرطوم وحدها.
وتتركز الجهود الفنية حالياً على إصلاح خطوط النقل المتضررة وإعادة ربط محطة مروي بالشبكة.
وبحسب أحدث المعلومات المتاحة، حددت وزارة الطاقة 16 أغسطس 2026 موعداً أولياً لبدء إعادة تغذية الخطوط، على أن يبدأ العمل بخط مروي–المرخيات الذي يمثل أهمية خاصة في إعادة الإمداد إلى الخرطوم، لكن الموعد يظل مرتبطاً بنجاح الاختبارات والأعمال الفنية الجارية.
كما حذرت الوزارة من التعامل مع المعلومات التي تحدثت عن اكتمال الصيانة وعودة الكهرباء بصورة كاملة، مؤكدة أن العملية تحتاج إلى اختبارات دقيقة قبل إعادة تشغيل الخطوط.
عودة السكان تصطدم بالخدمات
وتكتسب الأزمة بعداً أكبر مع استمرار عودة أعداد كبيرة من سكان الخرطوم الذين نزحوا خلال الحرب.
فقد عاد أكثر من مليوني شخص من نحو خمسة ملايين غادروا العاصمة خلال سنوات القتال، لكن كثيرين وجدوا أنفسهم أمام مدينة لم تستعد بعد الحد الأدنى من خدماتها، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: السلطات تدعو إلى العودة واستئناف العمل والدراسة والنشاط الاقتصادي، بينما تظل البنية التحتية عاجزة عن مواكبة الزيادة في أعداد السكان.
فإعادة الناس إلى المدينة لا تعني بالضرورة إعادة المدينة إلى الحياة.
الكهرباء هي التي تشغل محطات المياه والمستشفيات والمخابز والأسواق والمصانع وشبكات الاتصالات، ومن دون استقرارها تظل عملية العودة معلقة بين الرغبة في استعادة الحياة والواقع الصعب على الأرض.
الخرطوم تحتاج أكثر من إصلاح عطل
حتى إذا نجحت الفرق الفنية في إعادة محطة مروي وخطوطها خلال الأيام المقبلة، فإن ذلك سيخفف الأزمة لكنه لن يحل بصورة نهائية مشكلة الكهرباء في العاصمة.
فالخرطوم تحتاج إلى إعادة بناء واسعة لشبكات النقل والتوزيع والمحطات التحويلية، وإلى مصادر توليد أكثر تنوعاً، إلى جانب التوسع في الطاقة الشمسية للمستشفيات ومحطات المياه والمرافق التي لا يمكن أن تبقى رهينة لانهيار الشبكة القومية.
وأعادت السلطات بالفعل تشغيل محطتي سوبا وبانت التحويليتين في يونيو وربطتهما بالشبكة القومية، باعتبارهما جزءاً من جهود إعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء في العاصمة، لكن حجم الدمار يجعل التعافي عملية تتجاوز إعادة تشغيل محطة أو خط واحد.
وفي انتظار عودة مروي، تواصل الخرطوم أيامها بين الضوء والعتمة، فيما يدفع المواطن الثمن في منزله ومصدر مياهه وعمله وعلاجه.
لقد كشفت الأزمة أن الكهرباء في العاصمة لم تعد ملفاً خدمياً منفصلاً، بل أصبحت مفتاحاً لعودة المدينة نفسها.
فعندما تنطفئ الكهرباء في الخرطوم، لا تنطفئ المصابيح وحدها؛ تتوقف معها أجزاء واسعة من الحياة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات