محررو لقطة AI – 19
14 أغسطس 2026
تتصاعد المخاوف في إقليم دارفور من فقدان المدخرات وتعطل الحسابات المصرفية، بعد شكاوى متكررة عن خصم مبالغ وتجميد حسابات من دون إخطار مسبق، في وقت أصبحت فيه التطبيقات البنكية الوسيلة الأساسية، وربما الوحيدة، لإدارة الأموال وتحريك النشاط التجاري داخل مناطق أنهكتها الحرب وأغلقت معظم فروع المصارف فيها.
وتسببت عمليات سحب وصفها متضررون بأنها «عشوائية» أو غير مفهومة في إرباك الأسواق، خصوصاً لدى التجار الذين يعتمدون على التحويلات الإلكترونية في شراء السلع وتسديد الديون وتغطية تكاليف النقل.
وأفاد عدد من المتعاملين بأنهم اكتشفوا خصومات من أرصدتهم أو فقدوا القدرة على استخدام حساباتهم عبر تطبيقات مصرفية، في مقدمتها تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، من دون أن يتمكنوا من مراجعة الفروع أو الحصول على توضيحات فورية بشأن أسباب الإجراءات المتخذة.
خصومات بأوامر قضائية
لا تشير المعلومات المتاحة حتى الآن إلى وجود اختراق إلكتروني شامل للأنظمة المركزية للمصارف، لكن شهادات ووثائق نشرها متضررون تكشف عن أنماط متعددة للخصم وتجميد الحسابات.
وتتضمن هذه الأنماط استرداد مبالغ بناء على أوامر صادرة عن النيابات أو المحاكم، بعد بلاغات تتعلق بتحويلات مالية متنازع عليها. وظهرت بعض الخصومات في كشوف الحسابات تحت مسميات مثل «استرداد مبلغ بأمر قاضٍ»، بينما قال متضررون إن مبالغ أخرى خُصمت من دون ظهور تفسير واضح في سجل المعاملات.
وتحدث مواطنون وتجار عن استغلال بعض الشبكات لآلية استرداد التحويلات، إذ يجري تحويل أموال إلى حسابات تجارية واستلام مقابلها نقداً، ثم فتح بلاغات تزعم أن التحويل تم بطريق الخطأ، سعياً إلى استعادة المبلغ من الحساب بعد الحصول على الأموال النقدية.
وتضع هذه الممارسات التاجر أو صاحب الحساب أمام خسارة مزدوجة، إذ يكون قد سلّم المقابل نقداً ثم يُخصم المبلغ المحوّل من حسابه مرة أخرى، بينما يصعب عليه إثبات المعاملة أو متابعة الإجراءات القانونية بسبب الحرب وتعطل المؤسسات في أجزاء واسعة من دارفور.
وكشفت وثائق اطلعت عليها «دارفور24» سابقاً عن عمليات استرداد تمت بأوامر قضائية، إلى جانب تجميد حسابات بعد رصد نشاط مصرفي اعتبرته البنوك غير معتاد، من دون أن يتمكن بعض أصحابها من استكمال إجراءات التحقق المطلوبة. دارفور24
الحرب تضاعف الأزمة
تعمل التطبيقات المصرفية عبر أنظمة مركزية، ولا يفترض أن يكون الموقع الجغرافي للعميل سبباً مباشراً في خصم أمواله أو تعطيل حسابه. لكن الظروف الميدانية جعلت سكان دارفور أكثر عرضة لتداعيات أي إجراء مصرفي أو خطأ تقني.
فمعظم الفروع البنكية في الإقليم أغلقت أبوابها أو تعرضت للنهب والتدمير، كما يصعب على العملاء الانتقال إلى الولايات الأخرى لمراجعة إدارات المصارف بسبب انعدام الأمن وارتفاع تكاليف السفر وتعدد نقاط السيطرة العسكرية.
ويتزامن ذلك مع انقطاع متكرر في الاتصالات والإنترنت، مما يمنع العملاء من متابعة أرصدتهم بصورة منتظمة أو تلقي الإشعارات والتحقق من العمليات في وقتها.
كما أدت الحرب إلى توسع التعامل عبر الوكلاء ومحال التحويل غير الرسمية، وهو ما رفع احتمالات الاحتيال واستغلال الحسابات الشخصية في معاملات تجارية ضخمة، يصعب لاحقاً تحديد أطرافها الحقيقية.
تحديث البيانات يفتح أزمة جديدة
تزامنت الشكاوى مع توجيه أصدره بنك السودان المركزي يلزم المصارف بتحديث بيانات جميع العملاء، وتجميد الحسابات التي لا يستكمل أصحابها عملية التحديث خلال مهلة أقصاها شهران.
وجاء التوجيه استناداً إلى المنشور رقم «8/2026» المتعلق بالضوابط التنظيمية والرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار السلاح.
وألزم البنك المركزي المصارف بتوفير أنظمة تقنية لمراقبة حركة الحسابات بصورة مستمرة ورصد الأنماط والمعاملات غير المعتادة، بما يسمح باتخاذ إجراءات تحقق إضافية أو تجميد الحسابات التي تثير الاشتباه. دارفور24
ورغم أهمية هذه الإجراءات في حماية النظام المالي، فإن تنفيذها يثير مخاوف واسعة في دارفور وكردفان، إذ تطلب بعض المصارف من العملاء زيارة أقرب فرع لتحديث بياناتهم، وهو شرط قد يستحيل تنفيذه بالنسبة إلى ملايين السكان في مناطق الحرب والنزوح.
ويخشى المواطنون أن يؤدي تطبيق القرار بصورة موحدة، من دون استثناءات أو وسائل تحقق إلكترونية بديلة، إلى تجميد أعداد كبيرة من الحسابات وحرمان أصحابها من مدخراتهم، رغم عدم تورطهم في أي نشاط غير قانوني.
شلل في الأسواق
تحولت التطبيقات المصرفية خلال الحرب إلى عمود رئيسي للحركة التجارية، بعد شح السيولة النقدية وتعطل أنظمة الدفع التقليدية. وأصبح التجار يعتمدون عليها في شراء البضائع وتحويل الأموال بين المدن وتسديد مستحقات الموردين.
لذلك فإن سحب مبلغ من حساب تاجر أو تجميده لا يؤثر على صاحبه وحده، بل يمتد إلى سلسلة كاملة من الموردين والعمال وأصحاب وسائل النقل والدائنين.
وقال متعاملون إن بعض التجار دخلوا في حالات تعثر مالي بعد خصم مبالغ كبيرة من حساباتهم، بينما اضطر آخرون إلى وقف نشاطهم خشية استقبال تحويلات جديدة يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مصدر لبلاغات أو نزاعات مصرفية.
كما تراجعت الثقة في التحويلات الإلكترونية، وبدأ بعض أصحاب المحال يطالبون العملاء بإثبات مصدر الأموال أو تقديم مستندات إضافية قبل تسليم المقابل النقدي، بينما رفض آخرون إجراء معاملات مرتفعة القيمة عبر التطبيقات.
نظام مصرفي واحد وعملتان مختلفتان
تزداد الأزمة تعقيداً مع تداول نسختين مختلفتين من العملة السودانية؛ إذ تُستخدم الأوراق النقدية الجديدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، بينما تستمر العملة القديمة في التداول داخل أجزاء من دارفور وكردفان الواقعة خارج سيطرته.
وعلى الرغم من أن بنك السودان المركزي ألغى التعامل بالعملة القديمة، فإن قيمتها لا تزال تدخل إلى النظام المصرفي عبر التحويلات الإلكترونية، مما خلق فجوة بين القيمة الرقمية داخل الحسابات والقيمة النقدية المتداولة في الأسواق.
وأدى هذا الواقع إلى اختلاف أسعار التحويل مقابل النقد، وظهور عمولات مرتفعة، وتوسع سوق غير رسمية لبيع الأرصدة المصرفية، بما يفتح الباب أمام غسل الأموال والاحتيال واستغلال حاجة المواطنين إلى السيولة.
مطالب بتدخل البنك المركزي
يطالب مواطنون وغرف تجارية بنك السودان المركزي والمصارف بإعلان نتائج تحقيقات واضحة بشأن حالات الخصم وتجميد الحسابات، وتحديد الأسس القانونية التي تسمح باسترداد الأموال من دون إخطار أصحابها.
وتشمل المطالب إنشاء آلية اعتراض إلكترونية تمكن العميل من الطعن في عملية الخصم قبل تنفيذها، وإلزام المصارف بإرسال إشعار يوضح رقم البلاغ أو القرار القضائي والجهة التي أصدرته.
كما تبرز الحاجة إلى فتح مراكز خدمة مؤقتة أو اعتماد وسائل رقمية لتحديث البيانات، بحيث لا يُجبر سكان مناطق النزاع على السفر إلى مدن بعيدة أو عبور خطوط القتال من أجل استعادة حساباتهم.
ويطالب المتضررون كذلك بالفصل بين تجميد الحساب مؤقتاً لأغراض التحقق وبين مصادرة الأموال أو إعادتها إلى طرف آخر، وضمان عدم تنفيذ أي خصم نهائي إلا بعد منح صاحب الحساب فرصة لتقديم مستنداته والدفاع عن حقه.
وتكشف الأزمة عن هشاشة البنية المالية التي نشأت خلال الحرب، إذ أصبحت التطبيقات المصرفية شرياناً للحياة الاقتصادية من دون أن تصاحبها منظومة فعالة لحماية العملاء وحل النزاعات ومكافحة الاحتيال.
وما لم يتحرك بنك السودان المركزي والمصارف لإعادة الثقة وتوفير آليات عادلة وسريعة للاعتراض، فإن الخوف على الحسابات قد يدفع مزيداً من المواطنين والتجار إلى الانسحاب من النظام البنكي، والعودة إلى تخزين الأموال وتداولها خارج المؤسسات الرسمية، بما يفاقم شلل الأسواق ويهدد ما تبقى من النشاط الاقتصادي في دارفور.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات