محررو لقطة AI – 19
14 أغسطس 2026
تتصاعد شكاوى المدنيين والمسافرين من القيود المفروضة على الحركة في الطرق التي تربط مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، بمناطق كردفان وشمال السودان، وسط تقارير عن عمليات توقيف وتفتيش واحتجاز تطال خصوصاً الشبان المتجهين من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
وتشير إفادات وتقارير ميدانية إلى أن الرحلة بين مدن دارفور ووسط وشمال السودان لم تعد مجرد انتقال بين الولايات، وإنما أصبحت سلسلة طويلة من نقاط التفتيش والأسئلة الأمنية، في ظل انقسام مناطق السيطرة العسكرية واتساع رقعة الحرب.
وتكتسب الضعين أهمية خاصة في حركة السفر والتجارة باعتبارها إحدى العقد الرئيسية التي تربط شرق دارفور ببقية ولايات الإقليم وبكردفان، كما أصبحت المدينة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها في نوفمبر 2023 جزءاً أساسياً من شبكة الطرق الواقعة تحت نفوذها في غرب السودان. (Dabanga Radio TV Online)
مسافرون من الضعين في دائرة الاشتباه
وكانت شبكة «عاين» قد وثقت في سبتمبر 2025 واقعة احتجاز عشرات المدنيين في منطقة أم بادر بشمال كردفان، بينهم مسافرون خرجوا من مدينة الضعين في طريقهم إلى الدبة بالولاية الشمالية.
وبحسب شهادة مسافرة نقلتها الشبكة، أوقفت قوات الدعم السريع نحو 66 مدنياً، معظمهم من الشباب، ومنعتهم من مواصلة الرحلة بينما سمحت للنساء بالمرور، وسط شبهات تتعلق بوجهة المسافرين وإمكانية التحاق بعضهم بمناطق التعدين أو التوجه إلى مناطق خاضعة للجيش. (Ayin Network)
كما تحدث التقرير عن طلاب كانوا يحاولون الوصول إلى جامعات ومراكز تعليمية انتقلت إلى ولايات أخرى بسبب الحرب، وعن حالات احتجاز استمرت لأسابيع قبل إطلاق سراح بعض الموقوفين بعد دفع مبالغ مالية. (Ayin Network)
وتعكس هذه الوقائع اتساع البعد الأمني في حركة السفر بين مناطق النفوذ المختلفة، إذ بات مجرد الانتقال من دارفور باتجاه شمال أو شرق البلاد سبباً كافياً لإخضاع بعض المسافرين لتحقيقات تتعلق بالهوية والوجهة والعمل والعلاقات المحتملة بالقوات المسلحة أو القوات المساندة لها.
نقاط التفتيش.. رحلة داخل الرحلة
لا تقتصر المشكلة على حالات الاعتقال المباشر، إذ يواجه المسافرون أيضاً كثافة كبيرة في نقاط التفتيش والارتكازات على الطرق الممتدة داخل دارفور وبين الإقليم وكردفان.
وسبق أن وثقت تقارير ميدانية معاناة المسافرين بسبب تتابع نقاط التفتيش، إلى درجة استغراق رحلات كانت تُقطع خلال ساعات عدة أيام، مع اضطرار الحافلات إلى التوقف بصورة متكررة لإجراءات التفتيش والاستجواب. (Dabanga Radio TV Online)
وتزداد المخاطر بالنسبة إلى الشباب، ولا سيما من هم في سن التجنيد، إذ يصبح إثبات الغرض من الرحلة جزءاً أساسياً من محاولة المرور عبر بعض الارتكازات.
وفي ظل غياب وثائق سفر منتظمة لدى بعض النازحين وفقدان آخرين أوراقهم الثبوتية أثناء الحرب، يمكن أن تتحول مسألة بسيطة تتعلق بالهوية إلى ساعات أو أيام من الاحتجاز والتحقيق.
الهواتف قد تتحول إلى ملف أمني
ولا تتوقف إجراءات التدقيق عند بطاقة الهوية أو وجهة السفر، وفق الإفادات المتداولة، إذ يمكن أن تشمل الهواتف المحمولة والمحتويات الرقمية للمسافر.
وفي بيئة الحرب الحالية، أصبحت الصور ومجموعات التواصل الاجتماعي وأرقام الهواتف وحتى أماكن الإقامة السابقة عناصر قد تثير الاشتباه عند نقاط التفتيش.
ويضع ذلك المدنيين أمام واقع بالغ التعقيد، فالمسافر لا يستطيع دائماً معرفة ما الذي يمكن أن يُفسر بوصفه دليلاً على انتماء سياسي أو عسكري، خصوصاً مع الانقسام الحاد الذي أحدثته الحرب وانتشار الاتهامات بالتعاون مع أحد طرفي الصراع.
شاحنات البضائع أمام بوابات متعددة
ولا تقتصر تداعيات نقاط التفتيش على حركة الأفراد، بل تمتد مباشرة إلى الاقتصاد المحلي وسلاسل الإمداد.
وتشير تقارير عن الطرق التجارية في دارفور إلى اضطرار سائقي الشاحنات إلى دفع رسوم وإتاوات متعددة أثناء عبور مناطق مختلفة، مع تعرض بعضهم للاحتجاز أو النهب وتأخير حركة البضائع لفترات طويلة. (الجزيرة نت)
وتنتقل تكلفة هذه المدفوعات في نهاية المطاف إلى المستهلك، إذ يضيف التجار تكاليف الطريق والمخاطر والتوقفات إلى سعر السلعة عند وصولها إلى الأسواق.
وبالنسبة إلى مناطق مثل شرق دارفور، التي تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري لإمداد الأسواق بالوقود والدقيق والأدوية والمواد الاستهلاكية، فإن أي اضطراب في حركة الشاحنات يمكن أن يظهر سريعاً في صورة ارتفاع للأسعار أو نقص في بعض السلع.
وهكذا تتحول نقطة التفتيش من إجراء أمني محدود في الظاهر إلى عامل اقتصادي يؤثر في حياة آلاف المدنيين الذين لم يمروا بها أصلاً.
النزوح نفسه أصبح رحلة خطرة
الأثر الأكثر خطورة يظهر عند الأسر التي تحاول مغادرة مناطق الحرب.
ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن يكون الطريق وسيلة للنجاة، لكن انتشار الارتكازات العسكرية وتعدد جهات السيطرة يمكن أن يجعل عملية النزوح نفسها مصدراً جديداً للمخاطر.
وقد وثقت تقارير دولية سابقة تعرض مدنيين لاعتداءات عند نقاط تفتيش تابعة للدعم السريع في دارفور، إضافة إلى فرض رسوم على التجار والمسافرين في بعض طرق التجارة، كما تحدثت تقارير أممية عن توقيف شبان ومنعهم من الانتقال بسبب الاشتباه في إمكانية التحاقهم بالجيش. (European Union Agency for Asylum)
ويمثل ذلك مشكلة خاصة للعائلات التي تحاول الوصول إلى مناطق أكثر أمناً أو إلى مستشفيات ومدارس وجامعات، لأن عدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث عند نقطة التفتيش التالية يجعل التخطيط للرحلة شبه مستحيل.
بين الضرورات الأمنية وحقوق المدنيين
من الناحية العسكرية، تلجأ القوى المسيطرة على مناطق الحرب عادة إلى نقاط التفتيش لمنع تسلل الخصوم ومراقبة حركة السلاح والأفراد.
لكن الفاصل بين التدقيق الأمني والاحتجاز التعسفي يصبح شديد الحساسية عندما لا توجد إجراءات قانونية واضحة، أو عندما لا يعرف ذوو المحتجز مكانه أو سبب احتجازه أو المدة التي سيبقى خلالها رهن التوقيف.
وتزداد خطورة الوضع عندما ترتبط حرية المرور بدفع مبالغ مالية أو عندما تتم مصادرة الممتلكات الشخصية من دون مسار قانوني يمكن من خلاله تقديم شكوى أو المطالبة باستعادتها.
وفي يوليو 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن تحقيقاتها بشأن انتهاكات قوات الدعم السريع في شمال دارفور توصلت إلى وقوع جرائم من بينها السجن والتعذيب والنقل القسري والاضطهاد، وهو ما يضيف بعداً حقوقياً أوسع إلى المخاوف المتعلقة بأوضاع المدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات. (Amnesty International)
الضعين بين الجغرافيا والحرب
تكمن المشكلة الأساسية في أن الضعين ليست مدينة معزولة عن مسارات الحرب، بل تقع في قلب شبكة مواصلات تربط دارفور بكردفان ومنها إلى شمال ووسط السودان.
ومع تحول خطوط السيطرة العسكرية إلى ما يشبه حدوداً داخلية غير معلنة، أصبح المسافر السوداني ينتقل عملياً بين مناطق نفوذ مختلفة، لكل منها إجراءاتها الأمنية وحساباتها ومخاوفها.
ولهذا فإن استمرار القيود على حركة المدنيين لا يعني فقط تأخير حافلة أو احتجاز عدد من المسافرين، بل يمكن أن يؤدي إلى إغلاق تدريجي للممرات المدنية بين أجزاء البلاد، ورفع أسعار السلع، وتعطيل التعليم والعلاج وفرص العمل، وتعميق الانقسام الجغرافي الذي صنعته الحرب.
وفي بلد يعيش أكبر موجات النزوح في تاريخه الحديث، تصبح حرية الحركة جزءاً من معركة بقاء المدنيين نفسها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
:::
التعليقات
0 تعليقات