محررو لقطة AI – 13
15 أغسطس 2026
تستعد سوق الخرطوم للأوراق المالية لاستئناف التداول في السوق الثانوية، بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات بسبب الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023، وعطّلت مؤسسات القطاع المالي وأجبرت عدداً كبيراً منها على نقل أعمالها خارج العاصمة.
وجاء الإعلان عقب اجتماع مجلس إدارة السوق برئاسة وزير الدولة بوزارة المالية، محمد نور عبد الدائم، حيث أُجيزت عملية استئناف التداول خلال الفترة المقبلة، بعد استكمال الترتيبات الفنية والإجرائية الضرورية.
وقال المدير العام لسوق الخرطوم للأوراق المالية، الدكتور علي خالد الفويل، إن الإدارة اقتربت من إعادة تشغيل بورصة التداول الثانوية من داخل مقر السوق، مشيراً إلى أن العودة المرتقبة تمثل خطوة مهمة لاستكمال عمل المنظومة المالية في البلاد واستعادة السوق لدورها الاقتصادي.
عودة تدريجية
وتشير الترتيبات المعلنة إلى أن استئناف النشاط سيكون تدريجياً، مع إعطاء الأولوية للتأكد من جاهزية أنظمة التداول والسجلات وقواعد بيانات المساهمين وشركات الوساطة والمؤسسات المدرجة.
ويُقصد بالسوق الثانوية المنصة التي يجري عبرها بيع وشراء الأوراق المالية المصدرة سابقاً بين المستثمرين، بخلاف السوق الأولية المخصصة لإصدار الأسهم والصكوك والأدوات المالية الجديدة.
وبذلك، فإن إعادة تشغيل التداول الثانوي ستسمح للمساهمين بالتصرف في أوراقهم المالية بعد سنوات من التجميد، كما ستعيد عملية تسعير الأسهم والصكوك وفق حركة العرض والطلب.
ولم تعلن إدارة السوق حتى الآن موعداً نهائياً ومحدداً لأول جلسة تداول، لكنها أكدت أن العملية ستبدأ بعد استيفاء جميع المتطلبات الفنية والإجرائية، وسط توقعات بإطلاقها قريباً.
توقف فرضته الحرب
توقف التداول في سوق الخرطوم للأوراق المالية عقب اندلاع القتال في العاصمة، في ظل تعطل شبكات الاتصالات والكهرباء وتضرر المؤسسات المصرفية والمالية وانقطاع الصلة بين السوق وعدد من الشركات والوسطاء والمستثمرين.
كما أدت الحرب إلى انتقال أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي إلى ولايات أكثر أمناً، بينما واجهت الشركات المدرجة صعوبات في إعداد القوائم المالية وعقد الجمعيات العمومية وتقييم الأصول وتحديد حجم الخسائر.
ولهذا، لا تمثل عودة البورصة مجرد استئناف لجلسات بيع وشراء الأسهم، وإنما اختباراً لقدرة المؤسسات المالية السودانية على العمل في بيئة اقتصادية وأمنية شديدة التعقيد.
رسالة اقتصادية وسياسية
تحمل إعادة فتح السوق دلالة تتجاوز حجم التداولات المتوقعة في المرحلة الأولى، إذ تسعى الحكومة من خلالها إلى إظهار عودة المؤسسات الاتحادية إلى الخرطوم، بالتزامن مع استئناف عدد من الوزارات والهيئات والمصارف أعمالها من العاصمة.
وتأتي الخطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تنشيط القطاع المالي واستعادة الدورة الاقتصادية، بعد سنوات شهدت انهياراً في الإنتاج وتراجعاً في قيمة العملة وارتفاعاً كبيراً في معدلات التضخم وتضرر البنية التحتية.
ويمكن أن تساعد عودة البورصة في إعادة الثقة إلى المستثمرين، وتوفير مؤشرات أكثر وضوحاً عن أوضاع الشركات، وإتاحة أدوات جديدة لتمويل المشروعات المرتبطة بإعادة الإعمار.
لكن تحقيق هذه الأهداف سيظل مرتبطاً بقدرة السوق على ضمان الشفافية والإفصاح وحماية المستثمرين، إضافة إلى استقرار الأنظمة المصرفية وشبكات الاتصالات والتحويلات المالية.
تحديات أمام التداول
تواجه العودة المرتقبة مجموعة من التحديات، أبرزها تحديد القيمة الحقيقية لأسهم الشركات بعد التحولات الاقتصادية الكبيرة التي شهدها السودان خلال سنوات الحرب.
فقد تعرضت أصول بعض الشركات للتدمير أو النهب، بينما فقدت مؤسسات أخرى أسواقها ومراكز إنتاجها. وفي المقابل، استفادت قطاعات محدودة من تغير أنماط الاستهلاك والتجارة والتمويل.
ويطرح ذلك تساؤلات بشأن القوائم المالية التي ستعتمد عليها عملية التداول، ومدى قدرة الشركات على تقديم بيانات حديثة ومدققة تعكس أوضاعها الفعلية، بدلاً من الاعتماد على تقييمات تعود إلى ما قبل الحرب.
كما يمثل انهيار قيمة الجنيه السوداني تحدياً إضافياً، لأن الارتفاع الاسمي المحتمل لأسعار الأسهم لا يعني بالضرورة زيادة حقيقية في قيمة الاستثمارات إذا جرى قياسها بالقوة الشرائية أو بالعملات الأجنبية.
وتحتاج السوق كذلك إلى التأكد من جاهزية شركات الوساطة، ومعالجة أوضاع المستثمرين الذين فقدوا وثائقهم أو غادروا البلاد، وتحديث سجلات الملكية ووسائل الاتصال، فضلاً عن وضع آليات تحد من المضاربات الحادة عند استئناف الجلسات.
فرصة لإعادة البناء
رغم هذه التحديات، قد تتحول عودة سوق الخرطوم للأوراق المالية إلى فرصة لإعادة بناء سوق أكثر مرونة واعتماداً على التقنية، بما يسمح للمستثمرين بالتداول عن بُعد، ويقلل ارتباط النشاط المالي بموقع جغرافي واحد.
كما يمكن تطوير السوق لتصبح منصة لتمويل مشروعات إعادة الإعمار والطاقة والزراعة والبنية التحتية، عبر إصدار الصكوك والسندات وزيادة رؤوس أموال الشركات، بدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل المصرفي أو القروض الخارجية.
غير أن نجاح هذه المهمة يتطلب تحديث التشريعات، وتعزيز استقلال السوق، ورفع مستوى الإفصاح والرقابة، إلى جانب استعادة الثقة في الاقتصاد والسياسات النقدية والمالية.
وتبقى العودة المنتظرة خطوة رمزية وعملية في آن واحد؛ فهي تعلن أن إحدى أهم مؤسسات الاقتصاد السوداني تحاول استعادة نشاطها، لكنها تكشف أيضاً حجم المسافة التي لا تزال تفصل البلاد عن التعافي الكامل.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات