الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

الصحفيات في زنازين الدعم السريع.. حرب أخرى لإسكات الحقيقة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

الصحفيات في زنازين الدعم السريع.. حرب أخرى لإسكات الحقيقة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13
15 أغسطس 2026

مقدمة تقريرية

في خضم النزاع المسلح المستمر في السودان، لا تقتصر كلفة الحرب على الدمار المادي أو النزوح واللجوء، بل تمتد لتطاول حرية الكلمة وسلامة حماة الحقيقة. وتبرز قضية الصحفيات المحتجزات لدى قوات الدعم السريع بوصفها واحدة من أكثر ملفات الحرب إيلاماً وقتامة، بعدما تحولت أماكن الاحتجاز والزنازين إلى ساحات للتنكيل والإخفاء القسري، في محاولة لإسكات الأصوات النسوية التي توثق الانتهاكات وتنقل الحقيقة من قلب الميدان.

ومع تعذر الوصول إلى كثير من مناطق الاحتجاز، وانقطاع الاتصالات وخوف الأسر من الانتقام، تظل الأعداد الحقيقية للصحفيات المعتقلات أو المختفيات غير معروفة، فيما تتزايد المطالب بالكشف عن مصيرهن والإفراج الفوري عنهن وضمان حصولهن على الحماية والرعاية الصحية والقانونية.

جحيم الزنازين وظروف احتجاز قاسية

تتعرض الصحفيات المحتجزات لدى قوات الدعم السريع، وفق إفادات حقوقية وشهادات متداولة، لظروف إنسانية بالغة القسوة تتعارض مع أبسط معايير القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

وتشمل الانتهاكات المبلغ عنها العزل التام عن العالم الخارجي، والاحتجاز لأشهر طويلة في أماكن سرية أو غير مخصصة قانونياً لاحتجاز المدنيين، مع منع المحتجزات من التواصل مع أسرهن أو الاستعانة بمحامين.

ويضع هذا النمط من الاحتجاز الصحفيات في دائرة الإخفاء القسري، خصوصاً عندما ترفض الجهة المحتجزة الاعتراف بوجودهن أو الكشف عن مواقعهن أو الأسباب القانونية لتوقيفهن.

ولا يقتصر الأمر على الحرمان من الحرية، إذ تتحدث الشهادات عن استجوابات مطولة ومهينة، وتهديدات متكررة، وضغوط نفسية وجسدية، إلى جانب الاحتجاز داخل غرف ضيقة ومظلمة تفتقر إلى التهوية والمياه النظيفة ودورات المياه الملائمة والرعاية الطبية.

وتصبح المخاطر أكثر خطورة بالنسبة إلى الصحفيات المصابات بأمراض مزمنة أو اللواتي يحتجن إلى أدوية منتظمة، في ظل غياب الفحوص الطبية وصعوبة وصول العلاج والغذاء الكافي إليهن.

المهنة تتحول إلى تهمة

لا تُستهدف الصحفيات بوصفهن مدنيات فحسب، بل بسبب هويتهن المهنية أيضاً. فالهاتف المحمول والكاميرا والتسجيلات والملاحظات الصحفية قد تتحول داخل نقاط التفتيش ومقار الاحتجاز إلى قرائن اتهام.

كما قد يُفسَّر التواصل مع مصادر صحفية أو مؤسسات إعلامية باعتباره نشاطاً معادياً أو تخابراً، من دون تحقيق قضائي مستقل أو محاكمة عادلة.

ويكشف ذلك عن رغبة في السيطرة على الرواية القادمة من مناطق النزاع، ومنع توثيق الانتهاكات أو نقل أحوال المدنيين والمحتجزين والنازحين. وكلما ضاقت مساحة العمل الصحفي المستقل، أصبحت المعلومات المتاحة للجمهور خاضعة بصورة أكبر لخطاب أطراف الحرب ودعايتها العسكرية.

ويمثل استهداف الصحفيات رسالة ترهيب تتجاوز المحتجزات أنفسهن، إذ تدفع صحفيات أخريات إلى التوقف عن العمل أو مغادرة مناطقهن أو استخدام أسماء مستعارة، خوفاً من الاعتقال أو الملاحقة أو الاعتداء على أفراد أسرهن.

استهداف مضاعف للنساء

تواجه الصحفيات في مناطق الحرب تهديداً مزدوجاً يجمع بين مخاطر العمل الإعلامي والمخاطر المرتبطة بكونهن نساء في بيئة أمنية منفلتة.

فالتهديد بالعنف الجنسي أو التشهير أو استهداف السمعة يمكن أن يُستخدم وسيلة للضغط النفسي وانتزاع المعلومات وإجبار الصحفيات على الصمت. ويضاعف الخوف من الوصمة الاجتماعية معاناة الضحايا، وقد يمنعهن أو يمنع أسرهن من الإبلاغ عن الانتهاكات.

ويمثل التلويح بهذه التهديدات أداة قاسية لتدمير الصحفية مهنياً واجتماعياً، حتى في حال إطلاق سراحها. وقد تجد الناجية نفسها أمام صدمة نفسية طويلة، وخوف مستمر، وانقطاع عن العمل، مع غياب المؤسسات القادرة على توفير العلاج والدعم القانوني والاجتماعي.

كما أن الإخفاء القسري يترك الأسر في حالة انتظار مؤلمة، فلا هي تعرف إن كانت الصحفية ما تزال على قيد الحياة، ولا تستطيع الاطمئنان إلى صحتها أو معرفة التهم الموجهة إليها أو الجهة التي تحتجزها.

تداعيات على الإعلام النسوي

لا يقتصر أثر هذه الانتهاكات على الصحفيات المحتجزات، بل يلقي بظلال ثقيلة على المشهد الإعلامي السوداني بأكمله، ولا سيما الحضور النسوي داخله.

فقد دفعت الحرب عدداً كبيراً من الصحفيات إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار، بينما فقدت أخريات وظائفهن ومعداتهن ومصادر دخلهن. ومع تصاعد الاعتقالات والتهديدات، تقلصت قدرة الصحفيات على الوصول إلى الميدان، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة القوى المسلحة.

ويؤدي ذلك إلى غياب منظور أساسي في تغطية الحرب، إذ كانت الصحفيات أكثر قدرة في كثير من الحالات على الوصول إلى النساء النازحات والناجيات من العنف الجنسي والأمهات والأطفال داخل المجتمعات المغلقة ومراكز الإيواء.

وعندما تُبعد الصحفيات عن الميدان، لا يخسر الإعلام مجرد أسماء مهنية، بل يفقد قنوات مهمة للوصول إلى قصص إنسانية قد تظل مخفية بسبب الحساسية الاجتماعية أو الخوف من الإفصاح.

كما يفتح غياب الصحافة المستقلة المجال أمام الشائعات والدعاية وخطاب الكراهية، ويمنح أطراف النزاع قدرة أوسع على صياغة الأحداث وفق مصالحها العسكرية والسياسية.

الصمت لا يعني غياب الجريمة

تمثل صعوبة التوثيق إحدى العقبات الكبرى أمام كشف حجم الانتهاكات. فمناطق كثيرة تخضع لقيود أمنية، بينما تتعرض شبكات الاتصالات للانقطاع المتكرر، كما تخشى الأسر التحدث علناً حتى لا يتعرض بقية أفرادها للانتقام.

ولهذا فإن الحالات التي تصل إلى المؤسسات الحقوقية قد تمثل جزءاً محدوداً من الواقع، ولا تعكس بالضرورة العدد الحقيقي للمعتقلات أو المختفيات.

وتكتسب عملية توثيق الأسماء وتواريخ الاعتقال وأماكن الاحتجاز والجهات المسؤولة أهمية كبيرة، ليس فقط بهدف الضغط من أجل الإفراج، وإنما لحفظ الأدلة وضمان عدم ضياع الحقوق في أي مسار عدلي مستقبلي.

فالحرب لا تمنح أي طرف حصانة من المساءلة، ولا يجوز استخدام الظروف الأمنية ذريعة لاعتقال المدنيين أو إخفائهم أو تعذيبهم بسبب عملهم الصحفي.

مسؤولية قانونية مباشرة

تتمتع الصحفيات، بصفتهن مدنيات، بالحماية التي يقررها القانون الدولي الإنساني، ولا يفقدن هذه الحماية بسبب تغطيتهن للنزاع أو وجودهن في مناطق العمليات العسكرية.

كما أن الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والمعاملة المهينة تمثل انتهاكات جسيمة، وقد ترتقي بعض الممارسات، إذا ثبت اتساعها أو منهجيتها، إلى جرائم تستوجب المساءلة الجنائية.

وتقع على قوات الدعم السريع مسؤولية الكشف عن جميع أماكن الاحتجاز الخاضعة لها، ونشر قوائم بأسماء المحتجزين والمحتجزات، والسماح للأسر والمحامين والجهات الإنسانية المستقلة بزيارتهم.

كما يتعين عليها الإفراج الفوري عن كل صحفية محتجزة بسبب نشاطها المهني، أو تقديمها، إذا وُجد اتهام جنائي حقيقي، إلى جهة قضائية مستقلة مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة ومنع تعرضها لأي ضغط أو تعذيب.

مطالب عاجلة لكشف المصير

تطالب الأوساط الصحفية والحقوقية بإطلاق حملة وطنية ودولية للكشف عن مصير جميع الصحفيات المعتقلات والمختفيات، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة العامة.

وتشمل المطالب إنشاء سجل موحد للحالات، والتحقق من مواقع الاحتجاز، وضمان وصول الرعاية الطبية، وتوفير دعم قانوني ونفسي للناجيات وأسرهن، إلى جانب حماية الشهود ومن يقدمون المعلومات.

كما تبرز الحاجة إلى ممارسة ضغط دولي مباشر على قيادة قوات الدعم السريع، وربط أي تعامل سياسي معها بالتزامات واضحة تتعلق بحماية المدنيين والإفراج عن الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني.

ولا ينبغي أن تتحول سلامة الصحفيات إلى ملف مؤجل حتى نهاية الحرب؛ فكل يوم يمر داخل احتجاز مجهول يزيد خطر التعذيب والمرض والاختفاء وفقدان الأدلة.

الحقيقة خلف القضبان

إن احتجاز الصحفيات لا يمثل اعتداءً على أفراد بعينهم فحسب، بل هو اعتداء على حق المجتمع السوداني في المعرفة. فالصحفية التي تُعتقل بسبب صورة أو شهادة أو تقرير تصبح رمزاً لمعركة أوسع بين من يريد توثيق الحقيقة ومن يسعى إلى دفنها.

وقد تستطيع القوة المسلحة إغلاق مكتب إعلامي أو مصادرة هاتف أو وضع صحفية خلف القضبان، لكنها لا تستطيع محو الوقائع إلى الأبد. فالشهادات المحفوظة، وذاكرة الضحايا، وأصوات الأسر، ستظل جزءاً من السجل الذي ستُبنى عليه المساءلة مستقبلاً.

ويبقى الإفراج عن الصحفيات والكشف عن مصير المختفيات واجباً إنسانياً وقانونياً عاجلاً، واختباراً حقيقياً لمدى استعداد أطراف الحرب لاحترام الحد الأدنى من حقوق المدنيين.

فالحقيقة في السودان أصبحت تدفع ثمناً باهظاً، والصحفيات المحتجزات يدفعن جزءاً من هذا الثمن في صمت الزنازين، بينما يظل السؤال مفتوحاً: من يحمي من حملن الكلمة في مواجهة السلاح؟

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً