محررو لقطة AI – 4
16 أغسطس 2026
دخلت الدعوة إلى إطلاق حوار سوداني من داخل البلاد دائرة التجاذب السياسي مبكراً، بعدما قوبلت برفض حاد من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، في مقابل ترحيب من الكتلة الديمقراطية وقوى سياسية أخرى رأت فيها فرصة لفتح مسار داخلي لمعالجة الأزمة.
ويعكس التباين بين المعسكرين استمرار الخلاف بشأن الجهة التي تتولى رعاية الحوار، والأطراف المشاركة فيه، وأولويات أجندته، وما إذا كان الهدف منه إنهاء الحرب وتأسيس انتقال مدني جديد أم استكمال هياكل السلطة القائمة ومنحها غطاءً سياسياً أوسع.
وكان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، قد أعلن موافقته على توفير ضمانات قانونية وأمنية للمشاركين في الحوار، مشدداً على استقلالية العملية وعدم تدخل الدولة في تحديد أجندتها أو مخرجاتها.
كما تعهد بوقف الإجراءات الجنائية المتخذة بحق المشاركين، ومنحهم حصانة مؤقتة تتيح لهم التعبير عن آرائهم ومواقفهم من دون التعرض للملاحقة، إلى جانب تهيئة مناخ عام تسوده الحريات السياسية والمجتمعية.
«صمود»: الحوار يكرس سلطة الجيش
رفض رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي والقيادي في تحالف «صمود»، بابكر فيصل، الدعوة بصيغتها الحالية، معتبراً أنها لا تستهدف إنهاء الحرب أو وضع السودان على طريق التحول المدني الديمقراطي، وإنما تسعى إلى إضفاء الشرعية على الحكومة التي يقودها الجيش.
وقال فيصل إن الخلاف لا يتعلق فقط بالضمانات القانونية والأمنية التي أعلنها البرهان، بل بطبيعة العملية السياسية وأهدافها والجهة التي تمسك بمفاتيحها منذ البداية.
ورأى أن الحوار الذي يجري تحت إشراف السلطة القائمة قد يقود إلى تشكيل مؤسسات مدنية شكلية تمنح الحكم العسكري غطاءً سياسياً، من دون إحداث تحول حقيقي في بنية السلطة أو معالجة جذور الأزمة السودانية.
وبحسب موقف «صمود»، فإن إعلان البرهان بنفسه الضمانات وتحديد الإطار العام للحوار يعني أن الدولة ليست مجرد جهة مسهلة، وإنما طرف رئيسي يمتلك القدرة على التحكم في مساره وحدود المشاركة فيه والنتائج المترتبة عليه.
ويخشى التحالف من أن يُستخدم الحوار لتوسيع قاعدة السلطة الحالية عبر ضم مجموعات وشخصيات مدنية إليها، ثم تقديم المؤسسات الناتجة عنه باعتبارها تعبيراً عن توافق وطني، رغم استمرار الحرب وغياب قوى سياسية ومدنية مؤثرة.
وقف الحرب أولاً
قال المتحدث باسم تحالف «صمود»، بكري الجاك، إن أجندة الحوار المعلنة لا تضع وقف القتال وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في مقدمة الأولويات.
واعتبر أن التركيز على استكمال مؤسسات الحكم، بما فيها إنشاء مجلس تشريعي وتوسيع المشاركة في أجهزة الدولة، يتجاوز القضية الأكثر إلحاحاً، وهي إنهاء الحرب ووقف الانتهاكات ومعالجة الكارثة الإنسانية.
ويرى التحالف أن ملايين السودانيين يواجهون النزوح والجوع وانهيار الخدمات، وأن أي عملية سياسية لا تبدأ بوقف إطلاق النار وتأمين الممرات الإنسانية ستظل منفصلة عن احتياجات المواطنين الحقيقية.
كما وصف الجاك المبادرة بأنها محاولة لإرباك المشهد والالتفاف على الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى الوصول إلى هدنة، معتبراً أن الأولوية ينبغي أن تكون لتنسيق مسار سياسي مستقل يتعامل مع الحرب بوصفها القضية المركزية، لا باعتبارها ملفاً جانبياً يمكن تأجيله إلى ما بعد تشكيل مؤسسات الحكم.
ويطالب «صمود» بأن يقتصر دور الدولة على تسهيل العملية وتوفير الحماية اللازمة، من دون التدخل في اختيار المشاركين أو تحديد الأجندة أو التأثير في المخرجات.
مخاوف من عودة الإسلاميين
ربط القيادي في تحالف «صمود»، خالد عمر يوسف، موقفه الرافض للدعوة بمخاوف من استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل المؤسسات الرسمية والعسكرية.
وقال إن الدعوة إلى الحوار قد تتحول إلى وسيلة لإخفاء حضور حزب المؤتمر الوطني المحلول والتيار الإسلامي خلف واجهات مدنية جديدة، بدلاً من مشاركته بصورة مباشرة ومعلنة.
ويرى «صمود» أن استبعاد المؤتمر الوطني من القوائم الرسمية للمشاركين لا يضمن بالضرورة غياب نفوذه، في ظل ما يصفه التحالف بتغلغل عناصر الحركة الإسلامية داخل أجهزة الدولة ووجود قوى سياسية ومجتمعية مرتبطة بها.
ويشكل ملف مشاركة الإسلاميين إحدى أكثر القضايا إثارة للخلاف داخل الساحة السياسية. فبينما تطالب قوى ثورة ديسمبر بإبعادهم ومحاسبة المتورطين في الانقلاب والانتهاكات والفساد، ترفض أطراف أخرى أي عملية سياسية تقوم على الإقصاء، وتقول إن الوصول إلى تسوية دائمة يستوجب تمثيل مختلف التيارات التي لم تشارك في القتال.
وكان البرهان قد أعلن أن حزب المؤتمر الوطني وتحالف «تأسيس» لن يكونا طرفين في العملية السياسية المرتقبة، لكن هذا الموقف تعرض لانتقادات من قيادات إسلامية رأت أن وضع الحزب السابق وقوات الدعم السريع في خانة واحدة يتجاهل اختلاف موقفيهما من الحرب.
الكتلة الديمقراطية ترحب
في المقابل، رحبت قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية بالدعوة إلى الحوار، ورأت أنها تمثل فرصة لفتح نقاش سوداني واسع حول مستقبل الدولة وسبل إنهاء الأزمة.
وتعتقد الكتلة أن الحل السياسي لا يمكن أن يُصنع خارج البلاد أو يظل رهناً بالمبادرات الدولية والإقليمية، وأن عقد حوار من داخل السودان يعيد للقوى الوطنية دورها في تحديد شكل التسوية وترتيبات المرحلة المقبلة.
كما تؤكد ضرورة أن يكون الحوار شاملاً وغير قائم على الإقصاء، وأن تشارك فيه القوى السياسية والمجتمعية والإدارات الأهلية والطرق الصوفية والمهنيون والشباب والنساء، إلى جانب الحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
وترى الكتلة الديمقراطية أن الضمانات التي أعلنها البرهان بشأن حرية المشاركين وعدم ملاحقتهم تمثل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها، شريطة تنفيذها عملياً وتهيئة المناخ السياسي بما يسمح بعودة القيادات الموجودة خارج البلاد.
ولا تعتبر الكتلة ارتباط المبادرة بمؤسسات الدولة سبباً كافياً لرفضها، لكنها تدعو إلى تشكيل لجنة تحضيرية مستقلة تتولى إدارة الحوار وتحديد جدول أعماله والمشاركين فيه، بما يمنع احتكاره من أي جهة عسكرية أو سياسية.
شروط مبارك الفاضل
وسط الرفض والترحيب، طرح رئيس حزب الأمة، مبارك الفاضل المهدي، مجموعة من الاشتراطات لإنجاح العملية، أبرزها عدم خضوع الحوار لسيطرة الحكومة أو أي من أطراف النزاع، وتوفير مناخ يسمح لجميع القوى المؤهلة بالمشاركة.
ويعكس موقف الفاضل اتجاهاً ثالثاً لا يرفض مبدأ الحوار الداخلي، لكنه يحذر من عقده قبل الاتفاق على الأسس المنظمة له والجهة التي ستشرف عليه والموضوعات التي سيناقشها.
وتشمل القضايا المتوقعة أمام الحوار وقف الحرب، وترتيبات الفترة الانتقالية، وتشكيل المجلس التشريعي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، ومعالجة أوضاع المقاتلين، فضلاً عن إعادة الإعمار وعودة النازحين واللاجئين.
لكن الخلاف لا يزال قائماً حول ترتيب هذه الملفات. فبينما تريد قوى سياسية البدء بتشكيل هياكل الحكم، تتمسك قوى أخرى بأن يسبق ذلك اتفاق واضح لوقف الحرب وضمان وصول الإغاثة وحماية المدنيين.
حوار داخلي أم عملية تحت سلطة الدولة؟
يمثل موقع انعقاد الحوار إحدى نقاط الخلاف الجوهرية. فمؤيدو عقده داخل السودان يقولون إن السنوات الماضية شهدت مؤتمرات عديدة في عواصم إقليمية لم تتمكن من إنتاج تسوية مستدامة، وإن نقل العملية إلى الداخل يمنحها صلة مباشرة بالمجتمع ويحد من تأثير الأجندات الخارجية.
لكن المعارضين يشككون في إمكانية إجراء حوار حر داخل مناطق تخضع لسيطرة إحدى القوتين المتحاربتين، في ظل استمرار القيود الأمنية والبلاغات الجنائية بحق سياسيين وناشطين، وعدم قدرة بعض القيادات على العودة إلى البلاد بأمان.
ويطرح ذلك تساؤلات بشأن مدى كفاية الحصانة المؤقتة التي أعلنها البرهان، خصوصاً أن بعض المطلوبين يواجهون اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام، وأن قرارات تعليق الإجراءات أو إسقاطها تحتاج إلى ترتيبات قانونية واضحة تضمن عدم إعادة تفعيلها بعد انتهاء الحوار.
كما يخشى المعارضون من أن تؤدي مشاركة بعض القوى في الخرطوم ورفض أخرى إلى إنشاء عملية سياسية غير مكتملة، تتنافس مع مسارات أخرى في أديس أبابا والقاهرة وعواصم إقليمية مختلفة، بدلاً من توحيد الجهود حول منصة واحدة.
لجنة تحضيرية مستقلة
تدفع أطراف مؤيدة للحوار نحو تشكيل لجنة تحضيرية تضم شخصيات مستقلة تتمتع بالقبول والخبرة، على أن تكون لها سلطة اختيار المشاركين وتحديد مكان انعقاد المؤتمر وموعده وصياغة جدول أعماله.
ويراد من اللجنة توفير مسافة بين مؤسسات الدولة والعملية السياسية، وإقناع القوى المتحفظة بأن الحوار لن يتحول إلى مؤتمر تديره السلطة للوصول إلى نتائج محددة سلفاً.
ويُتداول في الأوساط السياسية عدد من أسماء الشخصيات المستقلة والأكاديمية والقانونية للمشاركة في الترتيبات التحضيرية، لكن لم يصدر حتى الآن إعلان نهائي بشأن تكوين اللجنة أو صلاحياتها.
ويبدو أن طريقة اختيار هذه اللجنة ستكون الاختبار الأول لجدية المبادرة. فإذا جرى تشكيلها بالتوافق ومنحت صلاحيات حقيقية، فقد تتمكن من جذب قوى مترددة، أما إذا تشكلت بقرار أحادي فقد تعزز اعتراضات «صمود» والمجموعات التي تشكك في استقلال الحوار.
خلاف حول المجلس التشريعي
تزامنت الدعوة إلى الحوار مع حديث عن استكمال مؤسسات الدولة وتشكيل مجلس تشريعي غير منتخب، يضم ممثلين لمختلف القطاعات السياسية والمجتمعية.
وترى القوى المؤيدة أن استمرار غياب البرلمان أضعف الرقابة على السلطة التنفيذية، وأن إنشاء مجلس تشريعي يمثل ضرورة لمراجعة القوانين والموازنة والسياسات العامة خلال المرحلة الانتقالية.
لكن خصوم المبادرة يعتبرون أن تشكيل مجلس تشريعي في ظل الحرب وانقسام البلاد وغياب الانتخابات قد يؤدي إلى إنشاء مؤسسة موالية للسلطة القائمة، تمنح قراراتها غطاءً قانونياً من دون امتلاك تفويض شعبي حقيقي.
ويطالب هؤلاء بأن يأتي تشكيل المجلس ضمن تسوية سياسية شاملة، وبعد الاتفاق على طبيعة الفترة الانتقالية ومهامها، لا أن يُستخدم بوصفه مدخلاً لفرض واقع دستوري جديد.
استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي
يربط بعض المعارضين تحركات الحوار بمحاولة استعادة عضوية السودان المعلقة في الاتحاد الأفريقي، عبر إظهار وجود مؤسسات مدنية ومشاركة سياسية داخل أجهزة الحكم.
ويرى تحالف «صمود» أن تشكيل مجلس تشريعي أو توسيع الحكومة بوجوه مدنية لا يكفي لإثبات حدوث انتقال مدني، ما دامت السلطة الفعلية وقرارات الحرب والسلام تظل في يد القيادة العسكرية.
في المقابل، ترى القوى المؤيدة أن إخراج السودان من العزلة الإقليمية يتطلب خطوات عملية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإشراك المدنيين، وأن انتظار تسوية مثالية قد يطيل الفراغ السياسي ويضاعف الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
وبين الموقفين، تبدو استعادة عضوية السودان مرتبطة بمدى اقتناع الاتحاد الأفريقي بأن الترتيبات الجديدة تعكس انتقالاً حقيقياً وذا مصداقية، وليست مجرد إعادة تشكيل للسلطة القائمة.
اختبار جديد للقوى السياسية
يكشف الانقسام حول الحوار أن الأزمة السودانية تجاوزت الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى صراع موازٍ بشأن الشرعية وشكل الدولة ومن يملك حق قيادة المرحلة الانتقالية.
فمعسكر «صمود» يريد عملية سياسية مستقلة عن طرفي الحرب، تبدأ بوقف القتال وتضع أساساً لحكم مدني، بينما ترى الكتلة الديمقراطية أن مؤسسات الدولة والجيش لا يمكن تجاوزها في أي تسوية، وأن الحوار الداخلي يمثل الطريق الأقرب لإعادة بناء السلطة.
أما نجاح المبادرة، فلن يتوقف على الضمانات المعلنة وحدها، وإنما على قدرتها على الإجابة عن أسئلة أساسية: من يدعو إلى الحوار؟ من يحدد المشاركين؟ كيف تُتخذ القرارات؟ وما الضمانات لتنفيذ المخرجات؟ وهل تتقدم قضية وقف الحرب على ترتيبات تقاسم السلطة؟
وفي بلد مزقته الحرب وأرهقته تعدد المنابر، لا يحتاج السودانيون إلى مؤتمر جديد يضيف وثيقة أخرى إلى أرشيف التسويات غير المنفذة، بقدر حاجتهم إلى عملية سياسية توقف القتال، وتحمي المدنيين، وتعيد بناء الدولة على أسس وطنية ومدنية.
وبين اتهام «صمود» للمبادرة بأنها محاولة لشرعنة سلطة الجيش، وترحيب الكتلة الديمقراطية بها باعتبارها مدخلاً للحل، تبقى قدرة اللجنة التحضيرية المرتقبة على إثبات استقلالها وشمولها العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الحوار سيفتح طريقاً نحو السلام، أم سيضيف ساحة جديدة إلى صراع الشرعيات المستمر في السودان.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
للتثبت التحريري: تفاصيل المواقف والضمانات وردت في تغطية سودان تربيون، وإعلان البرهان كما نقلته قناة الحدث.
التعليقات
0 تعليقات