محررو لقطة AI – 19
2١ أغسطس 2026
لا تصل موجات النازحين إلى مدينة الأبيض في مواكب منظمة أو عبر طرق آمنة؛ بل يقطع كثيرون المسافات سيراً على الأقدام، حاملين ما استطاعوا انتشاله من منازلهم، بينما يبقى خلفهم كل شيء: القرى والحقول والمواشي وذكريات حياة هادئة مزقتها المعارك المتسارعة في محيط عاصمة ولاية شمال كردفان.
تعيش الأبيض ومناطقها الغربية والجنوبية الغربية أياماً شديدة القسوة، مع تصاعد العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتحول القرى الواقعة على طرق الاقتراب من المدينة إلى ساحات مفتوحة للقتال والكر والفر.
وتسببت الهجمات التي استهدفت أم عردة وتميد والخور الأبيض وجبل الهشابة ومناطق مجاورة في سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إلى جانب نزوح آلاف السكان باتجاه الأبيض وقرى أكثر أمناً. وفي الوقت نفسه، كثف الجيش تحركاته العسكرية غرب المدينة، ونفذ عمليات تمشيط وغارات جوية استهدفت تجمعات ومتحركات تابعة لقوات الدعم السريع.
ومع إعلان استعادة الجيش السيطرة على منطقة «الممسوكة» الواقعة على الطريق الرابط بين الأبيض وأم صميمة، تدخل المعركة مرحلة جديدة عنوانها السيطرة على الطرق وخطوط الإمداد، بينما يدفع المدنيون التكلفة الأعلى.
أم عردة.. الهجوم الذي فتح أبواب النزوح
شكل الهجوم على منطقة أم عردة، جنوب غربي الأبيض، واحدة من أكثر حلقات التصعيد دموية خلال الأيام الأخيرة. وأفادت تقديرات محلية بمقتل ما لا يقل عن 14 مدنياً وإصابة عشرات آخرين، بينما تحدثت إفادات أخرى عن ارتفاع عدد الضحايا إلى نحو 18 قتيلاً.
وتعكس هذه الاختلافات صعوبة الوصول إلى حصيلة دقيقة في منطقة تشهد قتالاً مستمراً، مع تعطل الاتصالات ونزوح الأهالي وغياب المؤسسات الطبية القادرة على توثيق جميع الحالات.
وكان بين الضحايا نساء وأطفال، وفق إفادات محلية، ما أثار إدانات حقوقية ومطالبات بوقف الهجمات على التجمعات السكانية، وضمان عدم استخدام القرى والمناطق المأهولة ميادين للعمليات العسكرية.
ولم يقتصر أثر الهجوم على الخسائر المباشرة؛ إذ دفع سكان أم عردة ومناطق مجاورة إلى مغادرة منازلهم خشية تكرار الاعتداءات أو اتساع نطاق المواجهات. وتحولت الطرق المؤدية إلى الأبيض والبان جديد ومناطق أخرى إلى مسارات نزوح طويلة، سار عبرها رجال ونساء وأطفال وكبار سن في ظروف مناخية وأمنية بالغة الصعوبة.
واضطرت بعض الأسر إلى ترك المرضى وكبار السن الذين لم يتمكنوا من السير، بينما حملت أخرى أطفالها لمسافات طويلة، من دون غذاء كافٍ أو ماء أو وسائل نقل.
أكثر من أربعة آلاف خلال يومين
قدرت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 4,250 شخصاً من قرى أم عردة وتميد والخور الأبيض بمحلية شيكان خلال يومي 14 و15 أغسطس، بعد التدهور السريع في الأوضاع الأمنية.
ولا يمثل هذا العدد سوى موجة واحدة من سلسلة موجات متلاحقة، إذ تسببت التطورات التي شهدتها أم صميمة وأبو حراز ومناطق أخرى بين 16 و18 أغسطس في نزوح نحو 11 ألف شخص إضافي، وفق تقديرات جهات رصد ميدانية.
كما أفادت مصادر طبية ووثقت شهادات ميدانية وصول نحو 500 أسرة من أم عردة وجبل الهشابة إلى الأبيض سيراً على الأقدام، وبينهم أطفال ومسنون كانوا في حاجة عاجلة إلى الغذاء والمأوى والرعاية الطبية.
وتشير هذه الأعداد إلى أن النزوح لم يعد حركة مؤقتة من قرية إلى أخرى، بل أصبح مساراً واسعاً يعيد تشكيل الخريطة السكانية حول الأبيض. فكلما اقترب القتال من منطقة، يتحرك سكانها نحو المدينة، التي باتت الملاذ الأكبر في شمال كردفان، على الرغم من أنها تعاني بدورها من ضغط أمني وخدمي متزايد.
قرى تُفرغ من سكانها
لا يقتصر النزوح على المناطق التي تتعرض لهجوم مباشر؛ فالخوف من وصول القتال يدفع سكان قرى مجاورة إلى المغادرة قبل ظهور القوات داخلها.
وفي بعض المناطق، بدأت رحلة النزوح بمجرد سماع أصوات المدفعية أو وصول أخبار عن تحرك قوة مسلحة في اتجاه القرية. ويعرف السكان من تجارب سابقة أن الانتظار حتى اندلاع الاشتباكات قد يجعل الخروج مستحيلاً، خصوصاً مع إغلاق الطرق أو انتشار المقاتلين.
وأصبحت أسماء أم عردة وتميد والخور الأبيض وأم شجيرة وجبل الهشابة وأم صميمة وأبو حراز مرتبطة بموجات متتابعة من الهروب. كما امتدت حركة النازحين إلى مناطق أم دريسة والشقلة، بحثاً عن مواقع أقل تعرضاً للعمليات العسكرية.
وتجد الأسر نفسها أمام خيارات شديدة القسوة: البقاء في القرية ومواجهة خطر القتال، أو مغادرة المنزل والسير نحو مصير غير معلوم. وفي الحالتين، لا توجد ضمانات كافية للحماية.
أما الذين يصلون إلى الأبيض، فيجد كثير منهم أنفسهم في العراء أو داخل مدارس ومبانٍ عامة ومنازل مكتظة، وسط نقص في المياه والطعام والأغطية والخدمات الصحية.
الأبيض.. مدينة الملاذ المحاصرة بالأزمات
كانت الأبيض، قبل اتساع الحرب في كردفان، مركزاً تجارياً وخدمياً رئيسياً يربط أجزاء واسعة من غرب ووسط السودان. لكن موقعها الاستراتيجي جعلها في قلب الصراع، كما حولها إلى الوجهة الأساسية للنازحين من مناطق الولاية.
وتؤوي محلية شيكان نحو 105 آلاف نازح، يقيم معظمهم داخل مدينة الأبيض. ويضاف إلى هؤلاء القادمون الجدد من القرى الغربية والجنوبية الغربية، ما يزيد الضغط على الأحياء والمراكز الصحية ومصادر المياه والأسواق.
ولا تصل موجات النزوح إلى مدينة تمتلك فائضاً في الموارد، بل إلى منطقة تعاني أصلاً من آثار الحرب وارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات وتراجع الخدمات العامة.
كما تسببت الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت محول الكهرباء الرئيسي في انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، وأثرت في ضخ المياه والمستشفيات والاتصالات. وبذلك أصبحت المدينة مطالبة باستقبال آلاف النازحين في الوقت الذي تكافح فيه لتوفير الاحتياجات الأساسية لسكانها الأصليين.
وقد تستقبل الأسرة الواحدة أكثر من مجموعة من الأقارب والنازحين، فتتقاسم أعداد كبيرة غرفاً محدودة وكميات قليلة من الغذاء والماء. ومع استمرار النزوح، تتراجع قدرة المجتمعات المحلية على الاستضافة، حتى مع استمرار مبادرات التكافل الشعبي.
«الممسوكة».. معركة الطريق الحيوي
في الجانب الميداني، قالت مصادر عسكرية إن الجيش استعاد السيطرة على منطقة «الممسوكة» الواقعة غرب الأبيض على الطريق الرابط بين المدينة وأم صميمة، وعزز انتشاره في المناطق المحيطة بها.
وتنبع أهمية المنطقة من موقعها على طريق حيوي يربط أجزاء من شمال كردفان بغربها، ويتيح التحرك نحو محاور أخرى في الإقليم. ولذلك لا تمثل السيطرة عليها مكسباً جغرافياً محدوداً، بل خطوة لتأمين الطريق وعرقلة تحركات قوات الدعم السريع وخطوط إمدادها.
كما تتيح السيطرة على الممسوكة للجيش توسيع نطاق الحماية حول الأبيض وإبعاد مواقع تمركز الدعم السريع عن المداخل الغربية للمدينة.
وفي المقابل، تسعى قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على وجودها في القرى والمناطق المحيطة، لما توفره من قدرة على الضغط على دفاعات الأبيض، وتهديد الطرق التي تربط المدينة بمناطق أخرى.
وتشير هذه التحركات إلى أن معركة الأبيض لا تُخاض داخل المدينة فقط، وإنما في دائرة واسعة من القرى والطرق ونقاط العبور المحيطة بها. فالطرف الذي يسيطر على الطرق يستطيع نقل قواته وإمداداته، وفرض ضغط أكبر على خصمه.
تمشيط وغارات جوية
نفذ الجيش والقوات المتحالفة معه عمليات تمشيط واسعة في المناطق الواقعة غرب وجنوب غرب الأبيض، بعد الهجمات الأخيرة على القرى. كما استهدف الطيران الحربي تجمعات ومتحركات قالت مصادر عسكرية إنها تابعة لقوات الدعم السريع.
وتسعى هذه العمليات إلى منع إعادة تموضع القوات المهاجمة وقطع طرق انسحابها وإمدادها، إلى جانب تأمين القرى الواقعة بالقرب من مواقع الجيش.
لكن استخدام الطيران والأسلحة الثقيلة في بيئة تنتشر فيها القرى والمزارع والمواطنون النازحون يثير مخاوف كبيرة بشأن سلامة المدنيين. فخطوط القتال تتغير بسرعة، وقد تتحول مناطق كانت آمنة في الصباح إلى ساحات اشتباك خلال ساعات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للتحقق من الأهداف العسكرية، وإبعاد العمليات عن المناطق المأهولة، وتوفير ممرات آمنة للراغبين في المغادرة.
كردفان في قلب المعركة
لم يعد التصعيد حول الأبيض حدثاً منفصلاً، بل يأتي ضمن تحولات أوسع في إقليم كردفان، الذي أصبح أحد أهم ميادين الحرب.
ويتميز الإقليم بموقعه الرابط بين دارفور ووسط السودان، كما تمر عبره طرق حيوية لنقل القوات والسلع والإمدادات. ولهذا تسعى الأطراف المتحاربة إلى السيطرة على المدن والمحاور التي تسمح لها بالتقدم أو حماية مناطق نفوذها.
ومنذ نهاية عام 2025، أدت المعارك المتصاعدة في ولايات كردفان إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص، وفق تقديرات أممية. وتوضح هذه الحصيلة أن الأزمة الحالية لا ترتبط بهجوم واحد أو موجة محدودة، بل بمسار طويل من عدم الاستقرار وفقدان الأمن.
ومع انتقال القتال من منطقة إلى أخرى، يتعرض بعض المدنيين للنزوح أكثر من مرة. فقد تكون الأسرة قد غادرت قريتها الأولى إلى منطقة مجاورة، ثم اضطرت إلى الفرار مجدداً بعد وصول المعارك إلى موقعها الجديد.
هذا النزوح المتكرر يستنزف ما تبقى من مدخرات الأسر، ويؤدي إلى فقدان الممتلكات والوثائق، وانقطاع الأطفال عن التعليم، وتدهور صحة المرضى والحوامل وكبار السن.
الخريف يضاعف المعاناة
تتزامن موجات النزوح الحالية مع فصل الخريف، ما يجعل رحلة الفارين أكثر صعوبة. فالطرق الترابية تصبح موحلة أو مقطوعة، ويصعب وصول المركبات إلى القرى، بينما يقضي كثير من النازحين لياليهم في العراء تحت الأمطار.
كما ترتفع مخاطر الإصابة بالملاريا والإسهالات والأمراض المنقولة بالمياه، خصوصاً في مواقع التجمع التي تفتقر إلى دورات المياه وشبكات الصرف والمياه النظيفة.
ويواجه الأطفال خطر سوء التغذية بسبب فقدان الأسر مصادر دخلها وعدم انتظام وصول الغذاء. أما النساء الحوامل، فيقطعن مسافات طويلة من دون متابعة طبية، ثم يصلن إلى مراكز صحية تعاني نقصاً في الأدوية والأجهزة والكوادر.
وفي ظل انقطاع الكهرباء، تواجه المرافق الطبية صعوبات إضافية في تشغيل الأجهزة وحفظ الأدوية واللقاحات، فضلاً عن تراجع قدرة محطات المياه على العمل.
استجابة أقل من حجم الكارثة
تعمل المبادرات المجتمعية وغرف الطوارئ وبعض المنظمات على استقبال النازحين وتقديم الوجبات والمياه والمساعدات الأولية، لكن الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع سرعة تدفق الأسر.
وتحتاج الأبيض بصورة عاجلة إلى توفير مراكز إيواء آمنة، ومخزون كافٍ من الغذاء والمياه والأدوية، إلى جانب مستلزمات النظافة والحماية للنساء والأطفال.
كما تبرز ضرورة تسجيل النازحين بصورة منظمة، حتى تتمكن الجهات الإنسانية من معرفة أعدادهم وأماكن وجودهم واحتياجاتهم. فكثير من الأسر لا تقيم داخل مراكز معلنة، بل تتوزع بين الأحياء والمنازل ومواقع مفتوحة يصعب الوصول إليها.
وتواجه المنظمات بدورها تحديات مرتبطة بالأمن وإغلاق الطرق ونقص التمويل وصعوبة نقل الإمدادات. وقد يؤدي استمرار القتال حول الطرق الرئيسية إلى عزل المدينة جزئياً ورفع أسعار المواد الغذائية والوقود بصورة أكبر.
المدنيون بين طرفي المعركة
تؤكد التطورات حول الأبيض أن المدنيين لا يزالون الحلقة الأضعف في الحرب. ففي الوقت الذي تتبادل فيه القوات السيطرة على القرى والطرق، يخسر السكان منازلهم وحقولهم وأقاربهم وفرصهم في البقاء بأمان.
ولا تنتهي معاناة النازح بمجرد وصوله إلى الأبيض؛ بل تبدأ مرحلة أخرى من البحث عن مكان للنوم ووجبة للأطفال ودواء للمرضى. كما يبقى القلق بشأن الأقارب الذين لم يتمكنوا من المغادرة، وبشأن الممتلكات التي تركت بلا حماية.
وتقع على جميع الأطراف مسؤولية الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، والامتناع عن استهداف المدنيين أو استخدام المنشآت المدنية للأغراض العسكرية، والسماح بوصول المساعدات إلى المحتاجين.
كما يجب فتح ممرات آمنة أمام الفارين، وعدم إخضاعهم للتوقيف أو الاستجواب التعسفي عند نقاط التفتيش، وضمان وصول سيارات الإسعاف والفرق الطبية إلى المصابين.
معركة أكبر من «الممسوكة»
قد تمثل استعادة الجيش لمنطقة الممسوكة تحولاً ميدانياً مهماً على الطريق الغربي، لكنها لا تنهي الخطر الذي يواجه الأبيض وسكان القرى المحيطة بها. فالمعركة تمتد عبر مساحة واسعة، وقوات الدعم السريع لا تزال قادرة على التحرك وشن هجمات على مناطق متفرقة.
كما أن استعادة منطقة عسكرياً لا تعني بالضرورة إمكانية عودة سكانها فوراً. فالأهالي يحتاجون إلى التأكد من توقف القتال وإزالة مخلفات الحرب وتوافر المياه والغذاء والخدمات الأساسية.
وقد تتحول العودة المبكرة إلى نزوح جديد إذا تجددت المواجهات أو تغيرت السيطرة على الأرض. ولذلك تحتاج عمليات العودة إلى تقييم أمني وإنساني، لا إلى رسائل سياسية تدفع المدنيين إلى الرجوع قبل توافر شروط السلامة.
الأبيض أمام اختبار البقاء
تقف مدينة الأبيض اليوم أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على أمنها في مواجهة التصعيد العسكري، واستيعاب موجات النازحين التي تصل إليها من القرى والمناطق المحيطة.
وكلما طال أمد المعارك، أصبحت قدرة المدينة على الصمود أكثر هشاشة. فالضغط على المياه والكهرباء والغذاء والصحة لا يمكن أن يستمر بلا حدود، كما أن التضامن الشعبي، مهما كان واسعاً، لا يستطيع تعويض غياب استجابة إنسانية منظمة وممولة.
ولا يمكن فصل حماية الأبيض عن حماية القرى الواقعة حولها؛ لأن إفراغ الريف من سكانه سيؤدي إلى انهيار الزراعة والأسواق المحلية ومصادر الغذاء، وسيضاعف أعداد المحتاجين إلى المساعدات.
وبين تحركات الجيش ومحاولات الدعم السريع إعادة التموضع، تتغير خرائط السيطرة يوماً بعد آخر، لكن خريطة الخسارة المدنية تظل ثابتة وتتسع باستمرار.
فالنازحون الذين يدخلون الأبيض اليوم لا يحملون معهم سوى القليل، لكنهم يحملون شهادة ثقيلة على حرب لم تترك للمدنيين خياراً آمناً: إما البقاء تحت النار، أو الرحيل إلى مدينة تقترب الأزمات من حدود قدرتها على الاحتمال.
عين ترصد الحدث.. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات