الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

الجيش السوداني يشرع في توفيق أوضاع المنشقين عن «الدعم السريع»

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

الجيش السوداني يشرع في توفيق أوضاع المنشقين عن «الدعم السريع»
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13
2١ أغسطس 2026

بدأ الجيش السوداني مرحلة جديدة في التعامل مع القادة والمقاتلين المنشقين عن قوات الدعم السريع، بإعلانه اكتمال المرحلة الأولى من إجراءات توفيق أوضاع الذين انضموا إلى صفوفه منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تمهيداً لتوزيعهم على التشكيلات والوحدات العسكرية المختلفة.

ولا تبدو الخطوة مجرد إجراء إداري لتنظيم وجود مجموعات انتقلت من معسكر إلى آخر، بل تحمل أبعاداً عسكرية وأمنية وقانونية بالغة الحساسية. فهي تأتي في وقت تشهد فيه قوات الدعم السريع انشقاقات متفاوتة، بالتزامن مع استمرار المعارك في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وتصاعد محاولات كل طرف استقطاب عناصر الطرف الآخر وإضعاف بنيته الداخلية.

وأعلنت القوات المسلحة أن عملية التوفيق لم تتم بصورة مباشرة أو تلقائية، وإنما سبقتها مراحل من التقصي الاستخباري والفحص الأمني والتحريات الجنائية، للتأكد من هويات المنضمين وخلفياتهم والأدوار التي اضطلعوا بها خلال الحرب.

وشملت الإجراءات أداء القسم العسكري واستكمال الملفات الإدارية وفقاً للقوانين واللوائح والنظم المعمول بها داخل القوات المسلحة، تمهيداً لتنسيب المنشقين إلى التشكيلات والوحدات المختلفة بحسب التخصصات والاحتياجات العسكرية.

من الانشقاق إلى الاستيعاب

منذ الأيام الأولى للحرب، وجه رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، نداءً إلى أفراد قوات الدعم السريع للانضمام إلى القوات المسلحة، وربط ذلك بعفو صدر في 18 أبريل 2023، بعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع القتال.

لكن الاستجابة لذلك النداء لم تسلك وتيرة واحدة. فقد شهدت مراحل الحرب حالات فردية وجماعية لخروج مقاتلين وقادة من صفوف الدعم السريع، بعضهم التحق بالجيش، بينما آثر آخرون الابتعاد عن القتال أو العودة إلى مناطقهم ومجتمعاتهم المحلية.

وخلال الأشهر الماضية، برزت انشقاقات أكثر تنظيماً، شملت مجموعات خرجت من مواقعها في دارفور وكردفان، وبعضها وصل إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش مصطحباً أسلحة وآليات قتالية. وكان آخر التطورات المعلنة تسليم قوة تضم مئات المقاتلين نفسها للجيش في الولاية الشمالية.

ويأتي إعلان توفيق الأوضاع ليفصل بين مرحلتين: مرحلة قبول الانضمام المبدئي، ومرحلة الاستيعاب الرسمي داخل المؤسسة العسكرية. فالوجود المؤقت للمقاتلين المنشقين خارج الأطر التنظيمية كان يمكن أن ينتج تشكيلات مستقلة جديدة، بينما يسعى الجيش إلى إدخالهم في هيكله النظامي وإخضاعهم للقيادة العسكرية والقوانين النافذة.

لماذا الآن؟

يرتبط توقيت الخطوة بالتطورات العسكرية الجارية على الأرض. فالقتال لم يعد متركزاً في الخرطوم ودارفور وحدهما، بل اتسعت جبهاته في كردفان والنيل الأزرق، مع تحركات متبادلة للسيطرة على المدن والطرق وممرات الإمداد.

ويحتاج الجيش، في ظل اتساع مسرح العمليات، إلى الاستفادة من خبرات المقاتلين المنشقين، خصوصاً أولئك الذين يعرفون طبيعة انتشار الدعم السريع، ومسارات تحركه، وقياداته الميدانية، ونظم اتصاله وإمداده.

ويمتلك عدد من المنشقين معرفة واسعة بجغرافيا دارفور وكردفان وبالبنية القبلية والاجتماعية في تلك المناطق، وهي معرفة قد تمنح الجيش ميزة استخبارية وعملياتية في المعارك المقبلة.

لكن هذه الفائدة لا تخلو من المخاطر. فإدخال مقاتلين خدموا حتى وقت قريب في صفوف الطرف المعادي إلى وحدات عسكرية نظامية يستدعي إجراءات أمنية دقيقة، للتأكد من أن الانشقاق حقيقي وليس جزءاً من عملية اختراق، وكذلك للتحقق من سلامة السجلات الشخصية والجنائية لكل فرد.

ولهذا شدد بيان الجيش على أن عملية الاستيعاب سبقتها تحريات وفحوصات أمنية واستخبارية، في محاولة لطمأنة المؤسسة العسكرية والرأي العام إلى أن الخطوة لم تكن عشوائية.

تفكيك الخصم من الداخل

عسكرياً، يسعى كل طرف في الحروب الطويلة إلى إضعاف خصمه ليس فقط بهزيمته في الميدان، وإنما بتفكيك تماسكه الداخلي. ولذلك تحمل عملية استيعاب المنشقين رسالة مباشرة إلى بقية أفراد الدعم السريع بأن باب الانتقال إلى الجيش لا يزال مفتوحاً.

وقد يستخدم الجيش هذه الخطوة ضمن حربه النفسية والإعلامية، لتشجيع مزيد من المقاتلين على مغادرة مواقعهم، خصوصاً إذا شعروا بأن الانشقاق سيمنحهم حماية قانونية ووضعاً وظيفياً داخل القوات المسلحة.

لكن حجم التأثير الفعلي للانشقاقات يظل مرتبطاً بمستوى القادة والمقاتلين المنضمين، والمناطق التي كانوا يعملون فيها، ونوعية المعلومات والعتاد الذي يحملونه معهم. فالانشقاقات الفردية قد تكون محدودة الأثر، بينما يمكن لخروج تشكيلات كاملة بقياداتها وأسلحتها أن يؤثر في توازنات جبهة بعينها.

كما أن انشقاق شخصيات ذات نفوذ قبلي أو اجتماعي يمكن أن يتجاوز الأثر العسكري المباشر، ليؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات المحلية، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان، حيث تتداخل الانتماءات العسكرية مع المصالح الاجتماعية والقبلية.

منع إنشاء قوة موازية جديدة

يفتح قرار توزيع المنشقين على تشكيلات الجيش ووحداته سؤالاً مهماً بشأن مستقبل هذه المجموعات: هل سيتم استيعابها بصورة فردية داخل الوحدات القائمة، أم ستحتفظ ببنيتها وقياداتها السابقة داخل تشكيلات منفصلة؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت العملية تصب فعلاً في اتجاه بناء جيش واحد، أم أنها قد تؤدي إلى إنتاج قوة موازية جديدة تعمل إلى جانب الجيش من دون أن تندمج فيه بصورة كاملة.

وقد دفعت تجربة قوات الدعم السريع ذاتها كثيراً من السودانيين إلى التحذير من إعادة تأسيس تشكيلات عسكرية مستقلة تحت أي مسمى. فقد نشأت الأزمة الحالية في جزء منها بسبب وجود أكثر من مركز مسلح للقوة، لكل منهما قيادته وموارده وانتشاره وطموحه السياسي.

ولهذا، فإن التوزيع الفردي للمنشقين على وحدات الجيش، وإخضاعهم لسلسلة القيادة العسكرية ذاتها، سيكون أكثر اتساقاً مع الدعوات إلى بناء جيش قومي مهني واحد. أما الإبقاء عليهم ككتلة عسكرية متماسكة، فقد يحمل مخاطر مستقبلية حتى إذا فرضته اعتبارات المعركة الراهنة.

وتزداد أهمية هذه القضية مع وجود حركات مسلحة وقوات مشتركة ومجموعات استنفار ومقاومة شعبية وتشكيلات قبلية تقاتل إلى جانب الجيش. فكلما زاد عدد القوى المسلحة التي تتمتع بقيادات مستقلة، أصبحت ترتيبات ما بعد الحرب أكثر تعقيداً.

الاستيعاب لا يعني الإعفاء من المساءلة

تمثل المسؤولية عن الانتهاكات النقطة الأكثر حساسية في ملف المنشقين. فانتقال أي قائد أو مقاتل من قوات الدعم السريع إلى الجيش لا ينبغي أن يؤدي تلقائياً إلى إسقاط ما قد يواجهه من اتهامات تتعلق بجرائم ارتُكبت قبل الانشقاق.

وقد أثار استيعاب بعض القادة السابقين مخاوف حقوقية من أن يتحول تغيير المعسكر إلى وسيلة للإفلات من العدالة، خصوصاً في ظل الاتهامات الواسعة الموجهة إلى أطراف الحرب بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.

ومن الناحية القانونية، يجب التمييز بين العفو عن الانتماء أو المشاركة العسكرية العامة، وبين المسؤولية الفردية عن جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والنهب والتهجير القسري وغيرها من الجرائم الجسيمة. فهذه الجرائم لا ينبغي أن تسقط بمجرد الانضمام إلى أحد طرفي الحرب أو إعلان الولاء له.

ويشير إعلان الجيش إجراء التحريات الجنائية إلى وجود محاولة لفرز الحالات، لكن فعالية ذلك ستتوقف على استقلال التحقيقات وشفافيتها، وعلى عدم تدخل الاعتبارات العسكرية والسياسية في تحديد من يخضع للمساءلة ومن يتم استيعابه.

ومن المهم أيضاً إتاحة المجال للضحايا والشهود لتقديم البلاغات والأدلة، لأن الاعتماد على الملفات العسكرية وحدها قد لا يكشف حقيقة ما جرى في المدن والقرى التي شهدت انتهاكات وانقطعت عنها المؤسسات العدلية.

العفو وحدوده

يستند استيعاب المنشقين، وفق الإعلانات الرسمية، إلى العفو الذي أصدره القائد العام للجيش في بداية الحرب. وكان الغرض الأساسي من القرار فتح باب العودة أمام أفراد الدعم السريع وتشجيعهم على عدم مواصلة القتال.

إلا أن العفو السياسي أو العسكري يجب ألا يُفسر باعتباره حصانة شاملة من المساءلة الجنائية. ففي الحالات المرتبطة بالانتهاكات الخطيرة، تظل المسؤولية فردية، ولا يجوز أن تصبح الحاجة إلى كسب المقاتلين ميدانياً بديلاً عن العدالة.

وهنا تواجه القيادة العسكرية معادلة صعبة: فهي تريد تفكيك قوات الدعم السريع عبر جذب عناصرها إلى صفوف الجيش، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بعدم إرسال رسالة إلى الضحايا مفادها أن تبديل الولاء يكفي لمحو الماضي.

ويمكن معالجة هذه المعضلة من خلال وضع معايير معلنة للاستيعاب، تشمل التدقيق الأمني والقانوني، وتعليق ضم أي شخص تدور حوله اتهامات جدية إلى حين استكمال التحقيق، وإحالة من تتوافر ضده الأدلة إلى القضاء.

القسم العسكري وبناء الولاء

أداء المنشقين القسم العسكري ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل يعني انتقال ولائهم، من الناحية الرسمية، إلى القوات المسلحة والتزامهم بقوانينها وأوامر قيادتها.

لكن بناء الولاء المؤسسي لا يكتمل بأداء القسم وحده. فبعض هؤلاء المقاتلين أمضوا سنوات داخل منظومة عسكرية مختلفة، لها ثقافتها القيادية وشبكاتها المالية والاجتماعية وأساليبها القتالية الخاصة.

ومن ثم، قد يحتاج المستوعبون إلى برامج تدريب وتأهيل تعيد تعريف علاقتهم بالمؤسسة العسكرية وبالقانون الدولي الإنساني وقواعد التعامل مع المدنيين والأسرى. كما ينبغي التأكد من أن الولاءات القبلية والشخصية لا تتقدم على الانضباط العسكري.

ويواجه الجيش تحدياً إضافياً يتعلق بالرتب التي كان يحملها القادة المنشقون. فاعتمادها بصورة تلقائية قد يثير اعتراضات داخل القوات المسلحة، بينما قد يؤدي إسقاطها بالكامل إلى توترات مع المنضمين. لذلك يحتاج توفيق الرتب والأقدمية والخدمة إلى مراجعة دقيقة لا تخل بهيكل المؤسسة أو حقوق أفرادها.

قيمة استخبارية كبيرة

يُنتظر أن تكون للمقاتلين والقادة المنشقين قيمة استخبارية تتجاوز عددهم. فهم يعرفون مواقع انتشار الدعم السريع، وطرق الإمداد، وأسماء القادة المحليين، وطبيعة العلاقات بين التشكيلات، ومستوى التسليح والتحصينات.

كما يمكن أن تسهم إفاداتهم في فهم التحولات التي طرأت على بنية الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك عمليات التجنيد والتحالفات المحلية ومصادر التمويل والإمداد.

غير أن المعلومات التي يقدمها المنشقون يجب أن تخضع للتحقق والمقارنة مع مصادر أخرى. فقد يقدم بعضهم معلومات ناقصة أو مضللة بدافع الانتقام من قادة سابقين أو بهدف الحصول على موقع أفضل داخل الجيش.

ولهذا، فإن الفحص الاستخباري لا يقتصر على التأكد من صدق قرار الانشقاق، بل يشمل أيضاً تقييم المعلومات ودوافع أصحابها ومدى قابليتها للاستخدام العملياتي.

أثر الخطوة على الدعم السريع

من المرجح أن تدفع إجراءات التوفيق قيادة الدعم السريع إلى تشديد الرقابة على عناصرها، واتخاذ تدابير لمنع خروج مجموعات إضافية، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضغوطاً عسكرية أو نقصاً في الإمدادات.

كما قد تستخدم قيادة الدعم السريع خطاب التخوين ضد المنشقين، وتسعى إلى التقليل من أهميتهم أو اتهامهم بالتحرك بدوافع قبلية وشخصية. وفي المقابل، سيعمل الجيش على إبراز الانشقاقات باعتبارها دليلاً على تراجع التماسك داخل صفوف خصمه.

وبين الروايتين، يصعب تحديد الأثر الحقيقي من دون معرفة الأعداد الكلية والرتب ونوعية العتاد والمعلومات التي انتقلت مع المنشقين. فالخطاب الدعائي المصاحب للحرب غالباً ما يضخم المكاسب ويقلل من خسائر كل طرف.

ومع ذلك، فإن انتقال مجموعات مسلحة من طرف إلى آخر يظل مؤشراً مهماً، خصوصاً إذا تحول إلى مسار متكرر ومنظم، بدلاً من حالات محدودة ومعزولة.

استحقاقات ما بعد الحرب

تتجاوز قضية المنشقين متطلبات المعركة الراهنة لتطرح سؤالاً أكبر بشأن شكل القطاع الأمني والعسكري بعد انتهاء الحرب. فالسودان سيواجه مهمة شديدة التعقيد تتمثل في جمع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة دمج المؤهلين منهم في مؤسسات نظامية موحدة.

وإذا لم تبدأ عملية الاستيعاب الحالية وفق معايير واضحة، فقد تتحول إلى سابقة تستخدمها مجموعات أخرى للمطالبة بالرتب والمواقع والامتيازات داخل الجيش.

ولا يمكن بناء مؤسسة عسكرية وطنية من خلال جمع التشكيلات المختلفة كما هي تحت مظلة واحدة، بل يحتاج الأمر إلى إعادة هيكلة حقيقية تقوم على المهنية والانضباط وتوحيد القيادة والعقيدة العسكرية.

كما ينبغي أن تسير عملية الدمج جنباً إلى جنب مع برامج التسريح وإعادة التأهيل المدني، لأن القوات المسلحة لن تستطيع استيعاب جميع المقاتلين الموجودين حالياً في ساحات الحرب. وسيحتاج كثيرون إلى فرص تعليم وتدريب وعمل تتيح لهم العودة إلى الحياة المدنية وعدم التحول إلى مصدر تهديد أمني.

خطوة عسكرية واختبار قانوني

يمثل اكتمال المرحلة الأولى من توفيق أوضاع المنشقين خطوة مهمة للجيش في إدارة ملف ظل مفتوحاً منذ بداية الحرب. فهي تنظم وجود المقاتلين المنضمين، وتخضعهم للقوانين العسكرية، وتمنع بقاءهم في مجموعات خارج هيكل القيادة.

لكن نجاح الخطوة لا يتوقف على عدد من تم استيعابهم أو الوحدات التي سيوزعون عليها، بل على قدرتها على تحقيق توازن بين الضرورة العسكرية ومتطلبات الأمن والعدالة.

فإذا جرى الاستيعاب بصورة فردية ومؤسسية، بعد فحص أمني وتحقيق قانوني حقيقيين، فقد يسهم في تفكيك القوات الموازية وتقوية مبدأ الجيش الواحد. أما إذا أصبح الانشقاق بوابة تمنح الحصانة أو تحافظ على التشكيلات القديمة وقياداتها، فقد يعيد السودان إنتاج المشكلة ذاتها تحت اسم جديد.

وفي بلد دفعت فيه التعددية العسكرية ثمناً باهظاً، لم تعد القضية متعلقة بمن يقاتل إلى جانب من، بل بكيفية إنهاء وجود الجيوش الموازية، وإعادة السلاح إلى مؤسسة وطنية واحدة تخضع للقانون والرقابة وتحمي المواطنين، بدلاً من أن تنافس على السلطة.

عين ترصد الحدث.. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً